<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?>
<rss version="2.0"
     xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
     xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
     xmlns:admin="http://webns.net/mvcb/"
     xmlns:rdf="http://www.w3.org/1999/02/22-rdf-syntax-ns#"
     xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
     xmlns:media="http://search.yahoo.com/mrss/">
<channel>
<title>يلا نيوز نت &#45; جهاد صالح</title>
<link>https://yallanews.net/rss/author/jihad-saleh</link>
<description>يلا نيوز نت &#45; جهاد صالح</description>
<dc:language>ar</dc:language>
<dc:rights>© جميع الحقوق محفوظة ل YallaNews net ٢٠٢١</dc:rights>

<item>
<title>الواقع والمتخيّل والتجربة الاعتقالية في نصوص &amp;quot;دمعة وودة على خدّ رام الله&amp;quot; لحسن عبد الله</title>
<link>https://yallanews.net/1612989168</link>
<guid>https://yallanews.net/1612989168</guid>
<description><![CDATA[ 
            <p>مرّة أخرى، ومن واقع الحجر القسري الذي فُرض كوسيلة لمقاومة جائحة الكورونا، التي فرضت قوانين جديدة في حياتنا، حجر جديد، بين الاختياري والإلزامي، يوّلد حالات من الإمعان في واقع عشناه بأريحية تفاصيله، وواقع نتمناه، يفتح نوافذ الرغبة والأمل، برومانسية خيالات تدهمنا، بحنان وقسوة، وموجات من التداعيات والمقاربات، الذات مع العام، والواقع المعاش مع شموس الحرية في خيارات حياتنا، ولأن الحاضر محجور عليه بفعل الجائحة، فالماضي يعود إليه، والمستقبل منطلقاً منه، هكذا يطلّ علينا الكاتب حسن عبد الله عبر نصوصه في مؤلفه "دمعة ووردة على خدّ رام الله"، نتناول فيها، تجربته في زمن الاعتقال، التي ما انفكت تلاحقه، فيركن إليها بهدوء كتجربة نضالية ما زال شعبنا يخوضها بجدارة، فينقلنا بأسلوب مميّز، إلى أسلوب السرد زمن الاعتقال (السرد القصصي)، وببراعة وإبداع منقطعي النظير، إلى أسلوب آخر من السرد عبر حوارات متشابكة فيأتينا العمل الإبداعي، متكاملاً أشد التكامل، يحاور الماضي على قاعدة استشراف المستقبل، فتتسرّب البسمات الحافظة، لتزّين، ولو للحظات حياتنا التي نعيشها في زمن الحجر، لكن دموع الحزن سبقت الترويض فتركت لدينا تفاصيل مؤلمة وحزينة، سالت على وجهنا وذاكراتنا، كنتيجة لزمن الاعتقال.<br />يبدأ نصوصه بالفرح الذي انتابه، وقد قرّر أن يزور ابنته "رزان" الدكتورة في طب الأسنان في مدينة القدس، ليرى عيادتها مرّة أخرى، بعد أن تذكر حالة الفرح عندما وضع أضراسه بين أناملها، وبحنوّ الابنة المشتاقة، راحت تداوي أضراس والدها الزائر، من رام الله إلى القدس، والمسافة لا تبعد سوى عدة كيلومترات، يفصل بينهما حاجز قلنديا بكل ما يعينه ذلك من تفريق، لكن اللحظة لم تدم طويلاً؛ بل انسابت في ذاكرته، فتركها تسيل في ذاكرتنا، إذ تذكّر الألم الشديد بسبب وجع الأضراس الذي أصابه وهو في السجن، وكيف أن "ألم الأسنان في سنوات الاعتقال يحوّل حياتك إلى جحيم لا يطاق، وتحديداً في الليل، ولطالما تهيأ لك أن ليل الألم بلا نهاية، وأن طلوع الفجر سيعاندك طويلاً، وما عليك سوى التجلّد والثبات". سرح الكاتب بين يدى ابنته، يحدّث نفسه، أو يحدّثها، أو يحدّث آخرين" ألم الأسنان في المعتقل طويل طويل، تتلوّى على برشك، تصبّ جام غضبك على الصبح الذي لم يأتِ" وعندما يأتي "تضطر للانتظار لأسبوع أو أسبوعين أو أكثر بانتظار أن يأتي دورك على قائمة الطبيب"، وتتكرر العملية بين ألم اللّيل ووجعه الذي لا يحتمل، تذكّر الكاتب حسن تلك اللحظات وكاد أن يصرخ من شدة الألم، لكن فجأة تذكّر أنه بين يدي ابنته الشابة الطبيبة المعالجة، التي تفتح أبواب الفرح إلى هذا القلب، الذي عاش مثل غيره، من ألم الاعتقال ووجعه، وكأن قطار العمر يعبر إلى محطات أبعد"، النضال والسجون ماضيها، والابنة المعالجة مستقبلها، والحجر القسري الذي يلف واقعنا المعاش.<br />ومثلما يثير ألم الأضراس أوجاعاً شخصية للمعتقل، يتحملها بمفرده، ويتقلب ليل نهار بأوجاعها، ينقلنا حسن عبد الله إلى تجربة أشد ضراوة، وأنت تحمل قضيتك من الاعتقال، وتسعى لتحسين الحياة فيه، وينقلنا في نصوصه في فصل آخر، إلى قضية جماعية: إما تحسين شروط الحياة في السجن، وإما الإضراب عن الطعام؟<br />مطالب بسيطة تحملها لجنة المعتقلين إلى إدارة السجون؛ لكن الكاتب المعتقل يدرك أن الاحتلال سيرفضها لسببين: الأول، أن إذعان إدارة السجون تعني الخروج عن مبدأ الاحتلال الذي يتعامل به مع المعتقلين كأرقام بلا شروط مهما كانت بسيطة، أما الثاني الذي يخيفهم، فهو تحريك الرأي العام إلى جانب المعتقلين، وتبدأ عملية الإضراب، وترتفع مستوياته، بين مقهور يسعى للخلاص من الأمر، وبين سجال يفقد قيمته إذا أذعن للمطالب، والنتيجة الواقعة ليست في تفاؤل ساذج أو تشاؤم عدمي؛ بل خيار يدعو إلى التأمل والهدوء.<br />في الأيام الأولى للإضراب، يحاصر الخوف المضربين، وتحاصرهم أسئلة صعبة حول معنى الحياة، ولا يرى المضرب سوى خيار واحد، هو "الثبات والانتصار، على الرغم من تقلّص المعدة والأمعاء، وبداية ظهور الإرهاق والتعب في الجلوس والنوم، والقدرة على الحركة".<br />وتبدأ المفاوضات، وفي ذهن كل معتقل توقع المطالب نتيجة مشرّفة تحققها اللجنة تجعل للإضراب معنى وقيمة"، كان المعتقلون عندما تتحقق بعض المطالب يفيقون من سباتهم، وتتفجر الطاقة في أجسادهم، التي أصبحت هزيلة، بعد أن فقد كل واحد منهم نصف وزنه".<br />ويروي الكاتب حلماً طريفاً، أن أحد المضربين استيقظ من نومه نهماً، مفزوعاً، وعندما سأل عن السبب، أجاب: حلمت أن جبلاً من الأرز واللحم، كان أمامي وأنا جائع، وكان الأمل مرهوناً بوصولي قمة الجبل، ومنذ مدّة وأنا اجتهد حتى أصل القمة، وللأسف، صحوت دون أن أصلها... ودون أن ألتهم الأرز واللحم، وأسوي الجبل بالأرض، وانفجر الجميع بالضحك، والنكات الهستيرية كل حسب طريقته.<br />وفي الإضراب، بعيداً عن جبل الأرز واللحم، يستمر الصراع، وتستنفر حواسك لمعرفة صداه في وسائل الإعلام، أولاً، ونفوس المشرفين على إدارة السجون، ثانياً، ولسان حال المضربين وأدوات استمرارهم، "الثبات، والماء والملح، وتفنين الحركة، واتّباع إرشادات الخبراء من المعتقلين الذين سبق أن خاضوا عدداً من الإضرابات، وتعلموا منها بتجاربهم الذاتية المباشرة، مواقف كثيرة، تفصيلية رواها الكاتب في حياة المضربين المباشرة، ومع الآخرين، يختمها بقوله: "إنك في المعتقل، والإضراب، صاحب قضية كإنسان من حقه أن يعيش بكرامة ومعنويات عالية"، وعملية الصراع بين جوع المعتقلين والوهن الذي يدّب في أجسادهم ويفقدهم القدرة على الحركة، وبين وسائل السجون التي تستنفر مفهومها الخاص بالاهمال ومنع الزيارات وغيرها من الوسائل، وعلى الأغلب كان الصراع يؤدي إلى انتصار المضربين على الأقل، من الناحية الإعلامية.<br />وفي ظل الحجر القسري بوباء الكورونا، يعود بنا الكاتب في بعض سيرته الذاتية، وعلاقته مع "البطيخ"، الفاكهة التي تشتهر بها فلسطين، خاصة في منطقة جنين، حيث بدأت قصته منذ الطفولة، عندما كانت العائلة تتحلق حول البطيخة المشرّحة وتأكلها دفعة واحدة، ويروى لنا عدّة تفاصيل في علاقته مع البطيخ، وكيف شكّل مع مجموعة من أصدقائه في الطفولة عصابات تقوم بغزوات بطيخية على الحقول المجاورة لقريتهم، وكيف اتفق مع أصدقائه في جامعة بيت لحم بالتهام البطيخ لرخص سعره. وفي اعتقال الكاتب حسن الأول، وكيف كانت والدته تحوّل الغذاء إلى مأتم لأن زوجها أحضر البطيخ وحسن موجود في السجن، وتقول "لا طعم للبطيخ إلا بوجود حسن، وتبدأ في البكاء.<br />ومأساوية البطيخ في الاعتقال أكبر من حوارات البيت، فبينما هو في الاعتقال في صيف العام 1982م، أحضروا شرائح بطيخ بدل حبة البرتقال، فرح في بداية الأمر "سيكون يوماً اعتقالياً بمذاق حلاوة البطيخ" لكنه اكتشف أنها رقيقة جداً، وانقلب الموقف من فرح إلى حزن، قرّبها من أنفه وشمها، واحتار"ماذا أفعل بها، هل أقضمها دفعة واحدة وأثأر لحرماني من البطيخ لهذا العام" وشعر كم هي قاسية حياة الاعتقال" واعتبر أن أكلها تماثل مع الاضطهاد، وتوجه إلى سلة المهملات وقذف بالشريحة بإهمال متعمد.<br />وفي العام 1986 بينما الكاتب معتقل للمرة الثانية في سجن الخليل، أحضرت إدارة السجون بطيخاً أصفر، وعندما استفسر المعتقلون عن سر هذا البطيخ، قال السجّان المناوب: "إنه حصيلة تجارب زراعية لإنتاج بطيخ بألوان مختلفة، وهذه الكمية التي وزعته على المعتقلات هي تجريبية"، إحساس غريب، بطيخ يعاني من صفرة الموت، ولم أتقبل بطيخاً خارج اللون الأحمر، وللمرّة الثانية أحمل شريحتي وألقي بها في سلة المهملات لأخسر شريحتين في الاعتقال واحدة حمراء والثانية صفراء". &nbsp; &nbsp;&nbsp;<br />ارتفع سعر البطيخ في فلسطين بعد وباء الكورونا، دون سبب معروف، نظر الكاتب إلى طبق البطيخ الذي أعدّه له ابنه "إياس" فحمله وأعاده إلى الثلاجة، وقال لابنه المستغرب "اكتشفت أنني لا أجد رغبة بأكل البطيخ في الحجر، امتنعت عن شريحة بطيخ رقيقة في اعتقالي الأول، وامتنعت عن أكل شريحة بطيخ صفراء في اعتقالي الثاني، ولكي لا أُسيء لذكرى البطيخ في مخيلتي، أسجل امتناعاً ثالثاً في الحجر، وكأن البطيخ مرتبط بالحرية حتى ولو كانت نسبية، كأن الكاتب قد وظف فكرة الشاعر أبو الطيب المتنبي، الذي أعاد قراءة ديوانه زمن الكورونا، حين قال:&nbsp;<br />ومن يكُ ذا فم مرّ مريض<br />يجد مرّاً به الماء الزلالا<br />ويبدو أن مرارة الماء الزلالا، التي تنبأ بها المتنبي، تهاجمنا وتدعونا، كما يقول الكاتب، "لاستدعاء شاعر قديم محترف في البكاء على الأطلال، وتمزيق المشاعر حزناً وهو يرصد أصواتاً متخيّلة وآثار خطوات على الأرض أدماها الرحيل". رحيل من نحب، نتخيّلهم وكأنهم" أطلال مكان وأطلال بشر" وجدها الكاتب حسن بعد غيبة عدّة أسابيع في الحجر الوبائي، وتلعثم أمام مكتبه المقابل لقاعة المربية المرحومة "هيام ناصر الدين" التي كانت تتفاءل به، "والتي رحلت وبقي يتفائل بالقاعة التي تحمل اسمها.<br />&nbsp;ولكن الرحيل يتواصل، وتستمر ذكريات من رحلوا، وقف الكاتب أمام القاعة باحثاً عن "حافظ أبو عباية" ليقدّم مداخلته، في المؤتمر التاسع من إبداعات انتصرت على القيد، الذي يعقده كل عام، مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس، في قاعة الكلية العصرية الجامعية، لكن حافظ لم يأت، لقد رحل بعد أن قدّم نسخة من مداخلته، واختفت طفلته "جنان" التي تعلّقت به، وتعلّق بها، وظلت ترافقه، تكاد ترقص بخيلاء عندما يأتي دوره في الحديث" تتابع كلماته بفرح، وتقلّد حركاته بشغف، تتحرك شفتاها مبتسمة مع شفتيه بتلقائية، تفرح إن فرح، وتغضب إن غضب"، وكأن الطفلة قد كبرت من مؤتمر إلى آخر... ستة مؤتمرات عقدت هنا لستّ سنوات، وعمر الطفلة يقفز أما عيني، وعيون من حضروا، من أربع إلى عشر سنوات، كبرت وهي تمتع نظرها وقلبها بأبيها المتحدث المتمكن الودود"، فالمؤتمر كان فرحتها بأبيها، وغيابه عن القاعة يعني غيابها".<br />&nbsp;لم تكن علاقة الكاتب حسن عبد الله بحافظ أبي عباية حديثة العهد؛ بل امتدت حميمة وودودة إلى سنوات الاعتقال في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عرفه مناضلاً ومن قدامى المعتقلين، وعرف قصته مع طفلته الكبرى "حنان" التي كانت تستعجل "كسر القيد حول معصميه، ليحضنها بلا قيود"، ويتساءل: كيف لي أن أنسى ذلك؟! وهل هذا يُنسى أصلاً؟ ويجيبنا بأسى ومشاعر إنسانية لا حدود لها، يقول بصوت متهدّج حول اعتقاله الأول: "في يوم شتوي عاصف، علمت من قدامى المعتقلين في الغرفة، أنهم سيقيمون حفلاً تكريماً لحافظ في الذكرى الخامسة عشرة لاعتقاله، ولمّا حان الموعد أجلسوه "كالعريس" في صدر الغرفة، ثم هاج المكان بالكلمات الحماسية والأغاني والشعر والمشاهد التمثيلية التي كان مسرحها غرفة مكتظة بالمعتقلين، طلب عريف الحفل من المحتفى به إلقاء كلمة الختام، فتحدث حافظ في البداية بصوت جهوري، إلاّ أن نبرته تغيّرت حينما أتى على ذكر طفلته "حنان" التي اعتقل ولم تكن قد أكملت عامها الأول بعد، وكبرت أمام عينيه خلف شباك الزيارة، اختنق صوته في حنجرته وسالت دموعه على وجنتيه، وانسحب من الاحتفال إلى فراشه وسط ذهول المعتقلين"، نام حافظ، أو حاول أن ينام، لم يشأ أن يراه رفاقه في حالة ضعف إنساني.<br />يقول حسن بعد بضع سنوات وفي اعتقال لاحق: "أية مشاعر عصفت بحافظ وهو يتحدث عن ابنته، فعندما جربت الاعتقال والأبوة، وصرت أرقب طفلتي "رزان" من خلف شباك الزيارة، أتذكر حافظ وابنته "حنان".<br />ويضيف: "كانت قصة "عرس حنان" أول قصة كتبتها في الاعتقال، وكان الموقف كفيلاً بأن يخرج نصاً من قلمي ووجداني لكاتب شاب مبتدئ، ليرى النص النور في مجموعتي القصصية الأولى "حمامة عسقلان".<br />مهما كتبنا عن هذه المشاعر الإنسانية الحزينة، ومهما دمعت عيوننا، إلاّ أن القلب في زمن النضال ما زال ينبض بالحياة، ويحلّق مع الطيور في الأعالي، ويرسم لنا صورة الحرية والاستقلال. &nbsp;&nbsp;</p>        <br><br>
    <strong>المصدر: <a href="https://yallanews.net/1612989168">صحيفة يلا نيوز نت</a></strong>
    <p>تاريخ النشر: 2021-02-10</p>
]]></description>
<enclosure url="https://yallanews.net/uploads/images/202102/image_750x_60244240a20c7.webp" length="27576" type="image/jpeg"/>
<pubDate>Wed, 10 Feb 2021 20:32:48 +0200</pubDate>
<dc:creator>جهاد صالح</dc:creator>
<media:keywords>أخرى, واقع, الحجر, القسري, فُرض, كوسيلة, لمقاومة, جائحة, الكورونا, فرضت, قوانين, حياتنا, حجر, جديد, الاختياري</media:keywords>
<content:encoded><![CDATA[<p>مرّة أخرى، ومن واقع الحجر القسري الذي فُرض كوسيلة لمقاومة جائحة الكورونا، التي فرضت قوانين جديدة في حياتنا، حجر جديد، بين الاختياري والإلزامي، يوّلد حالات من الإمعان في واقع عشناه بأريحية تفاصيله، وواقع نتمناه، يفتح نوافذ الرغبة والأمل، برومانسية خيالات تدهمنا، بحنان وقسوة، وموجات من التداعيات والمقاربات، الذات مع العام، والواقع المعاش مع شموس الحرية في خيارات حياتنا، ولأن الحاضر محجور عليه بفعل الجائحة، فالماضي يعود إليه، والمستقبل منطلقاً منه، هكذا يطلّ علينا الكاتب حسن عبد الله عبر نصوصه في مؤلفه "دمعة ووردة على خدّ رام الله"، نتناول فيها، تجربته في زمن الاعتقال، التي ما انفكت تلاحقه، فيركن إليها بهدوء كتجربة نضالية ما زال شعبنا يخوضها بجدارة، فينقلنا بأسلوب مميّز، إلى أسلوب السرد زمن الاعتقال (السرد القصصي)، وببراعة وإبداع منقطعي النظير، إلى أسلوب آخر من السرد عبر حوارات متشابكة فيأتينا العمل الإبداعي، متكاملاً أشد التكامل، يحاور الماضي على قاعدة استشراف المستقبل، فتتسرّب البسمات الحافظة، لتزّين، ولو للحظات حياتنا التي نعيشها في زمن الحجر، لكن دموع الحزن سبقت الترويض فتركت لدينا تفاصيل مؤلمة وحزينة، سالت على وجهنا وذاكراتنا، كنتيجة لزمن الاعتقال.<br />يبدأ نصوصه بالفرح الذي انتابه، وقد قرّر أن يزور ابنته "رزان" الدكتورة في طب الأسنان في مدينة القدس، ليرى عيادتها مرّة أخرى، بعد أن تذكر حالة الفرح عندما وضع أضراسه بين أناملها، وبحنوّ الابنة المشتاقة، راحت تداوي أضراس والدها الزائر، من رام الله إلى القدس، والمسافة لا تبعد سوى عدة كيلومترات، يفصل بينهما حاجز قلنديا بكل ما يعينه ذلك من تفريق، لكن اللحظة لم تدم طويلاً؛ بل انسابت في ذاكرته، فتركها تسيل في ذاكرتنا، إذ تذكّر الألم الشديد بسبب وجع الأضراس الذي أصابه وهو في السجن، وكيف أن "ألم الأسنان في سنوات الاعتقال يحوّل حياتك إلى جحيم لا يطاق، وتحديداً في الليل، ولطالما تهيأ لك أن ليل الألم بلا نهاية، وأن طلوع الفجر سيعاندك طويلاً، وما عليك سوى التجلّد والثبات". سرح الكاتب بين يدى ابنته، يحدّث نفسه، أو يحدّثها، أو يحدّث آخرين" ألم الأسنان في المعتقل طويل طويل، تتلوّى على برشك، تصبّ جام غضبك على الصبح الذي لم يأتِ" وعندما يأتي "تضطر للانتظار لأسبوع أو أسبوعين أو أكثر بانتظار أن يأتي دورك على قائمة الطبيب"، وتتكرر العملية بين ألم اللّيل ووجعه الذي لا يحتمل، تذكّر الكاتب حسن تلك اللحظات وكاد أن يصرخ من شدة الألم، لكن فجأة تذكّر أنه بين يدي ابنته الشابة الطبيبة المعالجة، التي تفتح أبواب الفرح إلى هذا القلب، الذي عاش مثل غيره، من ألم الاعتقال ووجعه، وكأن قطار العمر يعبر إلى محطات أبعد"، النضال والسجون ماضيها، والابنة المعالجة مستقبلها، والحجر القسري الذي يلف واقعنا المعاش.<br />ومثلما يثير ألم الأضراس أوجاعاً شخصية للمعتقل، يتحملها بمفرده، ويتقلب ليل نهار بأوجاعها، ينقلنا حسن عبد الله إلى تجربة أشد ضراوة، وأنت تحمل قضيتك من الاعتقال، وتسعى لتحسين الحياة فيه، وينقلنا في نصوصه في فصل آخر، إلى قضية جماعية: إما تحسين شروط الحياة في السجن، وإما الإضراب عن الطعام؟<br />مطالب بسيطة تحملها لجنة المعتقلين إلى إدارة السجون؛ لكن الكاتب المعتقل يدرك أن الاحتلال سيرفضها لسببين: الأول، أن إذعان إدارة السجون تعني الخروج عن مبدأ الاحتلال الذي يتعامل به مع المعتقلين كأرقام بلا شروط مهما كانت بسيطة، أما الثاني الذي يخيفهم، فهو تحريك الرأي العام إلى جانب المعتقلين، وتبدأ عملية الإضراب، وترتفع مستوياته، بين مقهور يسعى للخلاص من الأمر، وبين سجال يفقد قيمته إذا أذعن للمطالب، والنتيجة الواقعة ليست في تفاؤل ساذج أو تشاؤم عدمي؛ بل خيار يدعو إلى التأمل والهدوء.<br />في الأيام الأولى للإضراب، يحاصر الخوف المضربين، وتحاصرهم أسئلة صعبة حول معنى الحياة، ولا يرى المضرب سوى خيار واحد، هو "الثبات والانتصار، على الرغم من تقلّص المعدة والأمعاء، وبداية ظهور الإرهاق والتعب في الجلوس والنوم، والقدرة على الحركة".<br />وتبدأ المفاوضات، وفي ذهن كل معتقل توقع المطالب نتيجة مشرّفة تحققها اللجنة تجعل للإضراب معنى وقيمة"، كان المعتقلون عندما تتحقق بعض المطالب يفيقون من سباتهم، وتتفجر الطاقة في أجسادهم، التي أصبحت هزيلة، بعد أن فقد كل واحد منهم نصف وزنه".<br />ويروي الكاتب حلماً طريفاً، أن أحد المضربين استيقظ من نومه نهماً، مفزوعاً، وعندما سأل عن السبب، أجاب: حلمت أن جبلاً من الأرز واللحم، كان أمامي وأنا جائع، وكان الأمل مرهوناً بوصولي قمة الجبل، ومنذ مدّة وأنا اجتهد حتى أصل القمة، وللأسف، صحوت دون أن أصلها... ودون أن ألتهم الأرز واللحم، وأسوي الجبل بالأرض، وانفجر الجميع بالضحك، والنكات الهستيرية كل حسب طريقته.<br />وفي الإضراب، بعيداً عن جبل الأرز واللحم، يستمر الصراع، وتستنفر حواسك لمعرفة صداه في وسائل الإعلام، أولاً، ونفوس المشرفين على إدارة السجون، ثانياً، ولسان حال المضربين وأدوات استمرارهم، "الثبات، والماء والملح، وتفنين الحركة، واتّباع إرشادات الخبراء من المعتقلين الذين سبق أن خاضوا عدداً من الإضرابات، وتعلموا منها بتجاربهم الذاتية المباشرة، مواقف كثيرة، تفصيلية رواها الكاتب في حياة المضربين المباشرة، ومع الآخرين، يختمها بقوله: "إنك في المعتقل، والإضراب، صاحب قضية كإنسان من حقه أن يعيش بكرامة ومعنويات عالية"، وعملية الصراع بين جوع المعتقلين والوهن الذي يدّب في أجسادهم ويفقدهم القدرة على الحركة، وبين وسائل السجون التي تستنفر مفهومها الخاص بالاهمال ومنع الزيارات وغيرها من الوسائل، وعلى الأغلب كان الصراع يؤدي إلى انتصار المضربين على الأقل، من الناحية الإعلامية.<br />وفي ظل الحجر القسري بوباء الكورونا، يعود بنا الكاتب في بعض سيرته الذاتية، وعلاقته مع "البطيخ"، الفاكهة التي تشتهر بها فلسطين، خاصة في منطقة جنين، حيث بدأت قصته منذ الطفولة، عندما كانت العائلة تتحلق حول البطيخة المشرّحة وتأكلها دفعة واحدة، ويروى لنا عدّة تفاصيل في علاقته مع البطيخ، وكيف شكّل مع مجموعة من أصدقائه في الطفولة عصابات تقوم بغزوات بطيخية على الحقول المجاورة لقريتهم، وكيف اتفق مع أصدقائه في جامعة بيت لحم بالتهام البطيخ لرخص سعره. وفي اعتقال الكاتب حسن الأول، وكيف كانت والدته تحوّل الغذاء إلى مأتم لأن زوجها أحضر البطيخ وحسن موجود في السجن، وتقول "لا طعم للبطيخ إلا بوجود حسن، وتبدأ في البكاء.<br />ومأساوية البطيخ في الاعتقال أكبر من حوارات البيت، فبينما هو في الاعتقال في صيف العام 1982م، أحضروا شرائح بطيخ بدل حبة البرتقال، فرح في بداية الأمر "سيكون يوماً اعتقالياً بمذاق حلاوة البطيخ" لكنه اكتشف أنها رقيقة جداً، وانقلب الموقف من فرح إلى حزن، قرّبها من أنفه وشمها، واحتار"ماذا أفعل بها، هل أقضمها دفعة واحدة وأثأر لحرماني من البطيخ لهذا العام" وشعر كم هي قاسية حياة الاعتقال" واعتبر أن أكلها تماثل مع الاضطهاد، وتوجه إلى سلة المهملات وقذف بالشريحة بإهمال متعمد.<br />وفي العام 1986 بينما الكاتب معتقل للمرة الثانية في سجن الخليل، أحضرت إدارة السجون بطيخاً أصفر، وعندما استفسر المعتقلون عن سر هذا البطيخ، قال السجّان المناوب: "إنه حصيلة تجارب زراعية لإنتاج بطيخ بألوان مختلفة، وهذه الكمية التي وزعته على المعتقلات هي تجريبية"، إحساس غريب، بطيخ يعاني من صفرة الموت، ولم أتقبل بطيخاً خارج اللون الأحمر، وللمرّة الثانية أحمل شريحتي وألقي بها في سلة المهملات لأخسر شريحتين في الاعتقال واحدة حمراء والثانية صفراء". &nbsp; &nbsp;&nbsp;<br />ارتفع سعر البطيخ في فلسطين بعد وباء الكورونا، دون سبب معروف، نظر الكاتب إلى طبق البطيخ الذي أعدّه له ابنه "إياس" فحمله وأعاده إلى الثلاجة، وقال لابنه المستغرب "اكتشفت أنني لا أجد رغبة بأكل البطيخ في الحجر، امتنعت عن شريحة بطيخ رقيقة في اعتقالي الأول، وامتنعت عن أكل شريحة بطيخ صفراء في اعتقالي الثاني، ولكي لا أُسيء لذكرى البطيخ في مخيلتي، أسجل امتناعاً ثالثاً في الحجر، وكأن البطيخ مرتبط بالحرية حتى ولو كانت نسبية، كأن الكاتب قد وظف فكرة الشاعر أبو الطيب المتنبي، الذي أعاد قراءة ديوانه زمن الكورونا، حين قال:&nbsp;<br />ومن يكُ ذا فم مرّ مريض<br />يجد مرّاً به الماء الزلالا<br />ويبدو أن مرارة الماء الزلالا، التي تنبأ بها المتنبي، تهاجمنا وتدعونا، كما يقول الكاتب، "لاستدعاء شاعر قديم محترف في البكاء على الأطلال، وتمزيق المشاعر حزناً وهو يرصد أصواتاً متخيّلة وآثار خطوات على الأرض أدماها الرحيل". رحيل من نحب، نتخيّلهم وكأنهم" أطلال مكان وأطلال بشر" وجدها الكاتب حسن بعد غيبة عدّة أسابيع في الحجر الوبائي، وتلعثم أمام مكتبه المقابل لقاعة المربية المرحومة "هيام ناصر الدين" التي كانت تتفاءل به، "والتي رحلت وبقي يتفائل بالقاعة التي تحمل اسمها.<br />&nbsp;ولكن الرحيل يتواصل، وتستمر ذكريات من رحلوا، وقف الكاتب أمام القاعة باحثاً عن "حافظ أبو عباية" ليقدّم مداخلته، في المؤتمر التاسع من إبداعات انتصرت على القيد، الذي يعقده كل عام، مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس، في قاعة الكلية العصرية الجامعية، لكن حافظ لم يأت، لقد رحل بعد أن قدّم نسخة من مداخلته، واختفت طفلته "جنان" التي تعلّقت به، وتعلّق بها، وظلت ترافقه، تكاد ترقص بخيلاء عندما يأتي دوره في الحديث" تتابع كلماته بفرح، وتقلّد حركاته بشغف، تتحرك شفتاها مبتسمة مع شفتيه بتلقائية، تفرح إن فرح، وتغضب إن غضب"، وكأن الطفلة قد كبرت من مؤتمر إلى آخر... ستة مؤتمرات عقدت هنا لستّ سنوات، وعمر الطفلة يقفز أما عيني، وعيون من حضروا، من أربع إلى عشر سنوات، كبرت وهي تمتع نظرها وقلبها بأبيها المتحدث المتمكن الودود"، فالمؤتمر كان فرحتها بأبيها، وغيابه عن القاعة يعني غيابها".<br />&nbsp;لم تكن علاقة الكاتب حسن عبد الله بحافظ أبي عباية حديثة العهد؛ بل امتدت حميمة وودودة إلى سنوات الاعتقال في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عرفه مناضلاً ومن قدامى المعتقلين، وعرف قصته مع طفلته الكبرى "حنان" التي كانت تستعجل "كسر القيد حول معصميه، ليحضنها بلا قيود"، ويتساءل: كيف لي أن أنسى ذلك؟! وهل هذا يُنسى أصلاً؟ ويجيبنا بأسى ومشاعر إنسانية لا حدود لها، يقول بصوت متهدّج حول اعتقاله الأول: "في يوم شتوي عاصف، علمت من قدامى المعتقلين في الغرفة، أنهم سيقيمون حفلاً تكريماً لحافظ في الذكرى الخامسة عشرة لاعتقاله، ولمّا حان الموعد أجلسوه "كالعريس" في صدر الغرفة، ثم هاج المكان بالكلمات الحماسية والأغاني والشعر والمشاهد التمثيلية التي كان مسرحها غرفة مكتظة بالمعتقلين، طلب عريف الحفل من المحتفى به إلقاء كلمة الختام، فتحدث حافظ في البداية بصوت جهوري، إلاّ أن نبرته تغيّرت حينما أتى على ذكر طفلته "حنان" التي اعتقل ولم تكن قد أكملت عامها الأول بعد، وكبرت أمام عينيه خلف شباك الزيارة، اختنق صوته في حنجرته وسالت دموعه على وجنتيه، وانسحب من الاحتفال إلى فراشه وسط ذهول المعتقلين"، نام حافظ، أو حاول أن ينام، لم يشأ أن يراه رفاقه في حالة ضعف إنساني.<br />يقول حسن بعد بضع سنوات وفي اعتقال لاحق: "أية مشاعر عصفت بحافظ وهو يتحدث عن ابنته، فعندما جربت الاعتقال والأبوة، وصرت أرقب طفلتي "رزان" من خلف شباك الزيارة، أتذكر حافظ وابنته "حنان".<br />ويضيف: "كانت قصة "عرس حنان" أول قصة كتبتها في الاعتقال، وكان الموقف كفيلاً بأن يخرج نصاً من قلمي ووجداني لكاتب شاب مبتدئ، ليرى النص النور في مجموعتي القصصية الأولى "حمامة عسقلان".<br />مهما كتبنا عن هذه المشاعر الإنسانية الحزينة، ومهما دمعت عيوننا، إلاّ أن القلب في زمن النضال ما زال ينبض بالحياة، ويحلّق مع الطيور في الأعالي، ويرسم لنا صورة الحرية والاستقلال. &nbsp;&nbsp;</p>]]> </content:encoded>
</item>

<item>
<title>جماليات المكان في كتاب حسن عبد الله دمعة ووردة على خدّ رام الله</title>
<link>https://yallanews.net/jamaliat-almakan-kitab-hasan-eabd-allah</link>
<guid>https://yallanews.net/jamaliat-almakan-kitab-hasan-eabd-allah</guid>
<description><![CDATA[ 
            <p>في هذه القراءة، ما زال وباء كوفيد 19 "الكورونا" يحاصرنا، ويداهمنا، ويدعونا إلى الصمت المتأزم في حجرنا القسري، ونحن نمارس لعبة "خليك في البيت" أسرى أربعة جدران، فقسمنا إلى ثلاثة أقسام، في الأول، خوف وتوتّر على الحياة التي أصبحت في نهايتها. سياسة الدفع عن الحماية المفعمة بالأمل، أما الثالثة، والكتاب من بينها، تدعونا بحذر، لا بد منه، إلى استرجاع ما كنّا فيه، وما وصلنا إليه من سيرة حياة الكاتب، وما واجهه من تداعيات وأحلام.&nbsp;<br />في هذا الوقت، وفي ريعان الحجر وانتشار الوباء المجهول الذي لا يرحم، جاءت نصوص الكاتب حسن عبد الله، في كتاب "دمعة ووردة على خدّ رام الله" الصادر عن منتدى العصرية الإبداعي في الكلية العصرية الجامعية، وقد صمم غلافه الفنان "غازي إنعيم" رئيس الفنانين التشكيليين الأردنيين السابق، وقد أهدى الكاتب نصوص كاتبه إلى ابنه "إياس": "كنت في أيام الحجر صديقاً ومعيناً وونيساً".<br />وفي الوهلة الأولى للنصوص، تكتشف أنها جاءت "موجات متلاحقة من التداعيات والمقاربات" وكأنّها سيناريو فيلم تراجيدي، يجمع بين مرحلتين، "حلم الأمس، وهذا النزيف الذي يوجعنا ويدمينا اليوم. بين الحجر والعودة إلى الذات، وبين التمتع برومانسية خيالاتنا".<br />مداهمة في النصوص هذه، ربما، جاءته تلبية لدعوة صديقه الكاتب "إبراهيم جوهر" الذي كتب وصيته ليقتدي بها الناس، ما بعد وباء "الكورونا".<br />وعلى الرغم من أن الرسالة قد وصلت بكل ما فيها من: أمل ووجع وحلم وشوق، إلاّ أنها وصلت بشرف إلى تحديد رؤيتنا إلى الحياة، حيث تغيب حركات الأجساد، وتبقى الكلمة المكتوبة التي يصفها الكاتب: "نكتب وكأننا في سباق مع أقلامنا في سباق مع أنفسنا، لكي نبقى على رصيف الأوراق المكتوبة بعناية وصدق، &nbsp;كجزء من وصايانا"، فخرجت النصوص من الكاتب، مزيجاً من الواقع والمتخيّل، بين أنا الساردة في سيرة حياته، وحياة الآخرين الذين قابلهم، وأماكن إقامتهم، صادق بعضهم، ومرّ آخرون مرور الكرام، ويصف حالته بقوله: "كلّما بدأت بتوصيف حدث أو مكان، وجدت نفسي واقفاً تحت هطل أفكار وصور وذكريات لا حدود لها".<br />وهكذا، نجد أنفسنا بين مواقف وحوارات صاغت أهم ما في حياته من تطلعات وأهداف، وما رسخ بذهنه من علاقته بالآخرين، صاغها بلغة أدبية عالية، فيها من الصدق واللغة والمواقف، بأسلوب يدفعنا إلى الإعجاب والانشداد، فما أن يقيم حواراً حول حادثة أو موقف معيّن، حتى تبزع حادثة أخرى تفرض موقفاً آخر ورويّة أخرى، يعتصران تجربة إنسانية بكل أبعادها، وهكذا، حتى تكتمل النصوص دون أن ندري، وبسرعة لم تكن نتوقعها، بسرد فائق الدقة والإتقان، كما يكون السرد في القصة والرواية، وبلغة الشعر الموسيقية ليدخلنا من نصوص الشجن والحنين إلى الاستشرافية في روح النص وأدبياته العالية.<br />في روح النص، يكتب حسن عبد الله عن المكان، بكل تداعياته وأبّهته، ومن عرفه شخصياً، أو قرأ بعض نصوصه، يدرك كم هو مسكون بالمكان الذي نشأ فيه ومسحور بجمالية فلسطين أينما اتجهت عيناه، متداخلة واضحة في نصوصه. منذ أن يستعرض الأشجار والورود والطيور في بستانه في قرية "رافات" القريبة من رام الله، حتى يخيّل لك أنه قد تحوّل إلى "رجل شجري" كما دعاه صديقه "عيسى قراقع" وزير شؤون الأسرى السابق، فيبدو وكأنه خليط من بشر وشجر وطيور، فيقول بألق واعتزاز: "أحيي الأشجار والورود والنباتات بتحية المساء، فترد حفيفاً واهتزازاً وعبقاً وجمالاً، فالبستان يقف على قدميه بكامل ألقه وبهائه بحضوري في الوقت المناسب، ودون تأخير"&nbsp;<br />ويقول أيضاً: "تسحرني موسيقى حفيف الأشجار، أحس أنني قدمت من عالم أسطوري". وكأنه يردد باستمرار، تلك الحقيقة التي تعلّمها من والدته المصرّة "أن الشجر يحس بالإنسان، ويحزن إذا غاب صاحبه، ويفرح بمجيئه".<br />وهو في الوقت نفسه، ما قرأه مبكراً في "جماليات المكان" للكاتب والروائي الفرنسي "غاستون باشلار (1884-1962) الذي قال: "هل كان العصفور يبني عشّه لو لم يكن يملك غريزة الثقة بالعالم؟ وقال أيضاً: "القوقعة تجسّد الإنسان داخل المكان في الزوايا والأركان".<br />هكذا، أمام "بيوت الطفولة" أقام حسن عبد الله منهجه في الكتابة، وهكذا توقف، وأوقفنا معه، في ولادة صديقه، الكاتب الفلسطيني الذي ولد أيام الهجرة على صخرة صلبة، تحت زيتونة وارفة الظلال، فسرد لنا سيرة حياته في الغربة كما سمعها؛ لكنه رواها لنا برؤية الناقد المتخيّل، منذ الولادة، وتفاصيل الغربة، حتى العودة لمكان الطفولة، الذي لم يعد موجوداً، أو تغيّرت ملامحه. فجاء نص الكاتب حسن عبد الله؛ ليعيد لنا القصة بشجن وحنين، كما حدثت، لكنه وبروح المكان الذي يسكنه، أضاف بألق: "رفع الأب ابنه بين يديه ودار به حول شجرة الزيتون وهو يقول: لا تحزن يا طفلي، ستغدو رجلاً بمعنى الكلمة، لقد ولدتك أمك هنا، أمام عيني شجرة زيتون مباركة، وهل أجمل من ذلك؟".<br />وفي النصوص، أيضاً، لا تتوقف أفكار المكان، وبيوت الطفولة من التدفق في خيالات الكاتب، يقررها أحياناً، وأحياناً أخرى تأتيه بلا استئذان أو ترتيب مسبق، فإذا هو أمام بستان سامر الشيوخي، رئيس مجلس الإدارة في الكلية العصرية الجامعية، "فارشاً حضوره على ملفات مهماته أيام الحجر، وبلغة أدبية عالية، ينتقل من رومانسية بيت الطفولة في الخليل، حيث اختلطت حلاوة العنب مع زهر اللوز وورق التين وبراعم المشمش وأشتال الخس والبندورة وغيرها، حتى يصل إلى أسطورة المكان الكلي، حيث بدأ سامر يعشق بستانه الجديد، وراح يراقب حركاته ونموّه "حركة أجساد الأشجار وهي ترفع رؤوسها إلى الأعلى، توشوش مجموعة عصافيرية، تنثر زقزقتها على الوردات الجوريات عند مدخل البستان، فتعم رائحة ورد وزقزقة، تصير الوردة عصفوراً، ويصير العصفور وردة جورية، ويتخيّل الكاتب حسن كيف تحوّلت العلاقة بين سامر وبستانه إلى الأسطورة، حيث راح يحدث أشجارها وتحدّثه، ويدلّلها وتتدلّل عليه، وتحتج وتتمرّد عليه ويتحايل عليها، وكشاهد يكتب بخيلاء وإعجاب: "يذهب سامر إلى بستانه ، فيجده في حالة تمرّد واحتجاج، ثلاثة أسابيع لم يزر البستان، وهذا أمر غير محتمل لمجتمع البستان، تدور الأفكار في رأسه، فيذهب إلى الزيتونة الرومية المتوّجة رئيسة البستان، يحاول أن يشرح لها موقفه، فتدير لها ظهرها بدلال مجرد أن تراه قادماً، يقول لها: الطرق مغلقة، فيروس كورونا يهدد البشر، المدينة خاوية، وأنا أحضر هنا رغم كل الإجراءات، وبين دلالها وقسمه، تبتسم، وتمسح بأصابعها الزيت الذي يسيل من عينيها مدراراً من شدّة التأثر، وتردد ما هجس به "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين" وتخطو خطوتين، وتدخل في عناق مع المهندس... ومعلنة انتهاء الاحتجاج". ويضيف: "يهيج البستان فرحاً... ويجد سامر نفسه محاطاً بمئات أيدي الأغصان تسليماً واحتضاناً وترحيباً". وهكذا، تجد البستان قد أصبح في عروق صاحبة، لا فكاك، كأنهما قدرين لبعضهما.<br />هذا المشهد الرائع، ينقلنا الكاتب من رومانسية النص حول المكان، بجدارة إلى أسطورة فائقة الدقة والتحفيز للعلاقة بين سامر وبستانه، وكيف رأى أطفاله يتحركون ويلعبون ويحتضون بستاناً بوسع رام الله، وقد تحوّل كل شيء إلى بشر وشجر، كجزء من طبيعة فلسطين.<br />وإذا اعتقدنا، كما أشرنا، أن ولادة صديق الكاتب تصلح لأن تكون سيناريو فيلم سينمائي، فإننا نعتقد أيضاً بأن بستان سامر تصلح لأن تكون مادة خصبة في أدب الأطفال، التي تصوّر علاقة الإنسان بأرض وطنه.<br />أما الكاتب حسن عبد الله، فيعود إلى بداية حياته الأدبية، عندما كتب عن أثر المكان في مسيرته:&nbsp;<br />"في السنوات الأولى من طفولتي/ حملتني والدتي إلى الكروم/ وهمست في أذن شجرة زيتون، أبشري فقد جئتك اليوم بعزوتي/ وهزت جسمي الغض وقالت:/ وهبتك للزيتون والحنون والفراش/ ثم غاصت في التراب..". &nbsp;</p>
<p><br />جهاد أحمد صالح</p>        <br><br>
    <strong>المصدر: <a href="https://yallanews.net/jamaliat-almakan-kitab-hasan-eabd-allah">صحيفة يلا نيوز نت</a></strong>
    <p>تاريخ النشر: 2021-01-27</p>
]]></description>
<enclosure url="https://yallanews.net/uploads/images/202101/image_750x_60107630d1571.webp" length="20382" type="image/jpeg"/>
<pubDate>Wed, 27 Jan 2021 08:19:52 +0200</pubDate>
<dc:creator>جهاد صالح</dc:creator>
<media:keywords>القراءة, وباء, كوفيد, الكورونا, يحاصرنا, ويداهمنا, ويدعونا, الصمت, المتأزم, حجرنا, القسري, ونحن, نمارس, لعبة, خليك</media:keywords>
<content:encoded><![CDATA[<p>في هذه القراءة، ما زال وباء كوفيد 19 "الكورونا" يحاصرنا، ويداهمنا، ويدعونا إلى الصمت المتأزم في حجرنا القسري، ونحن نمارس لعبة "خليك في البيت" أسرى أربعة جدران، فقسمنا إلى ثلاثة أقسام، في الأول، خوف وتوتّر على الحياة التي أصبحت في نهايتها. سياسة الدفع عن الحماية المفعمة بالأمل، أما الثالثة، والكتاب من بينها، تدعونا بحذر، لا بد منه، إلى استرجاع ما كنّا فيه، وما وصلنا إليه من سيرة حياة الكاتب، وما واجهه من تداعيات وأحلام.&nbsp;<br />في هذا الوقت، وفي ريعان الحجر وانتشار الوباء المجهول الذي لا يرحم، جاءت نصوص الكاتب حسن عبد الله، في كتاب "دمعة ووردة على خدّ رام الله" الصادر عن منتدى العصرية الإبداعي في الكلية العصرية الجامعية، وقد صمم غلافه الفنان "غازي إنعيم" رئيس الفنانين التشكيليين الأردنيين السابق، وقد أهدى الكاتب نصوص كاتبه إلى ابنه "إياس": "كنت في أيام الحجر صديقاً ومعيناً وونيساً".<br />وفي الوهلة الأولى للنصوص، تكتشف أنها جاءت "موجات متلاحقة من التداعيات والمقاربات" وكأنّها سيناريو فيلم تراجيدي، يجمع بين مرحلتين، "حلم الأمس، وهذا النزيف الذي يوجعنا ويدمينا اليوم. بين الحجر والعودة إلى الذات، وبين التمتع برومانسية خيالاتنا".<br />مداهمة في النصوص هذه، ربما، جاءته تلبية لدعوة صديقه الكاتب "إبراهيم جوهر" الذي كتب وصيته ليقتدي بها الناس، ما بعد وباء "الكورونا".<br />وعلى الرغم من أن الرسالة قد وصلت بكل ما فيها من: أمل ووجع وحلم وشوق، إلاّ أنها وصلت بشرف إلى تحديد رؤيتنا إلى الحياة، حيث تغيب حركات الأجساد، وتبقى الكلمة المكتوبة التي يصفها الكاتب: "نكتب وكأننا في سباق مع أقلامنا في سباق مع أنفسنا، لكي نبقى على رصيف الأوراق المكتوبة بعناية وصدق، &nbsp;كجزء من وصايانا"، فخرجت النصوص من الكاتب، مزيجاً من الواقع والمتخيّل، بين أنا الساردة في سيرة حياته، وحياة الآخرين الذين قابلهم، وأماكن إقامتهم، صادق بعضهم، ومرّ آخرون مرور الكرام، ويصف حالته بقوله: "كلّما بدأت بتوصيف حدث أو مكان، وجدت نفسي واقفاً تحت هطل أفكار وصور وذكريات لا حدود لها".<br />وهكذا، نجد أنفسنا بين مواقف وحوارات صاغت أهم ما في حياته من تطلعات وأهداف، وما رسخ بذهنه من علاقته بالآخرين، صاغها بلغة أدبية عالية، فيها من الصدق واللغة والمواقف، بأسلوب يدفعنا إلى الإعجاب والانشداد، فما أن يقيم حواراً حول حادثة أو موقف معيّن، حتى تبزع حادثة أخرى تفرض موقفاً آخر ورويّة أخرى، يعتصران تجربة إنسانية بكل أبعادها، وهكذا، حتى تكتمل النصوص دون أن ندري، وبسرعة لم تكن نتوقعها، بسرد فائق الدقة والإتقان، كما يكون السرد في القصة والرواية، وبلغة الشعر الموسيقية ليدخلنا من نصوص الشجن والحنين إلى الاستشرافية في روح النص وأدبياته العالية.<br />في روح النص، يكتب حسن عبد الله عن المكان، بكل تداعياته وأبّهته، ومن عرفه شخصياً، أو قرأ بعض نصوصه، يدرك كم هو مسكون بالمكان الذي نشأ فيه ومسحور بجمالية فلسطين أينما اتجهت عيناه، متداخلة واضحة في نصوصه. منذ أن يستعرض الأشجار والورود والطيور في بستانه في قرية "رافات" القريبة من رام الله، حتى يخيّل لك أنه قد تحوّل إلى "رجل شجري" كما دعاه صديقه "عيسى قراقع" وزير شؤون الأسرى السابق، فيبدو وكأنه خليط من بشر وشجر وطيور، فيقول بألق واعتزاز: "أحيي الأشجار والورود والنباتات بتحية المساء، فترد حفيفاً واهتزازاً وعبقاً وجمالاً، فالبستان يقف على قدميه بكامل ألقه وبهائه بحضوري في الوقت المناسب، ودون تأخير"&nbsp;<br />ويقول أيضاً: "تسحرني موسيقى حفيف الأشجار، أحس أنني قدمت من عالم أسطوري". وكأنه يردد باستمرار، تلك الحقيقة التي تعلّمها من والدته المصرّة "أن الشجر يحس بالإنسان، ويحزن إذا غاب صاحبه، ويفرح بمجيئه".<br />وهو في الوقت نفسه، ما قرأه مبكراً في "جماليات المكان" للكاتب والروائي الفرنسي "غاستون باشلار (1884-1962) الذي قال: "هل كان العصفور يبني عشّه لو لم يكن يملك غريزة الثقة بالعالم؟ وقال أيضاً: "القوقعة تجسّد الإنسان داخل المكان في الزوايا والأركان".<br />هكذا، أمام "بيوت الطفولة" أقام حسن عبد الله منهجه في الكتابة، وهكذا توقف، وأوقفنا معه، في ولادة صديقه، الكاتب الفلسطيني الذي ولد أيام الهجرة على صخرة صلبة، تحت زيتونة وارفة الظلال، فسرد لنا سيرة حياته في الغربة كما سمعها؛ لكنه رواها لنا برؤية الناقد المتخيّل، منذ الولادة، وتفاصيل الغربة، حتى العودة لمكان الطفولة، الذي لم يعد موجوداً، أو تغيّرت ملامحه. فجاء نص الكاتب حسن عبد الله؛ ليعيد لنا القصة بشجن وحنين، كما حدثت، لكنه وبروح المكان الذي يسكنه، أضاف بألق: "رفع الأب ابنه بين يديه ودار به حول شجرة الزيتون وهو يقول: لا تحزن يا طفلي، ستغدو رجلاً بمعنى الكلمة، لقد ولدتك أمك هنا، أمام عيني شجرة زيتون مباركة، وهل أجمل من ذلك؟".<br />وفي النصوص، أيضاً، لا تتوقف أفكار المكان، وبيوت الطفولة من التدفق في خيالات الكاتب، يقررها أحياناً، وأحياناً أخرى تأتيه بلا استئذان أو ترتيب مسبق، فإذا هو أمام بستان سامر الشيوخي، رئيس مجلس الإدارة في الكلية العصرية الجامعية، "فارشاً حضوره على ملفات مهماته أيام الحجر، وبلغة أدبية عالية، ينتقل من رومانسية بيت الطفولة في الخليل، حيث اختلطت حلاوة العنب مع زهر اللوز وورق التين وبراعم المشمش وأشتال الخس والبندورة وغيرها، حتى يصل إلى أسطورة المكان الكلي، حيث بدأ سامر يعشق بستانه الجديد، وراح يراقب حركاته ونموّه "حركة أجساد الأشجار وهي ترفع رؤوسها إلى الأعلى، توشوش مجموعة عصافيرية، تنثر زقزقتها على الوردات الجوريات عند مدخل البستان، فتعم رائحة ورد وزقزقة، تصير الوردة عصفوراً، ويصير العصفور وردة جورية، ويتخيّل الكاتب حسن كيف تحوّلت العلاقة بين سامر وبستانه إلى الأسطورة، حيث راح يحدث أشجارها وتحدّثه، ويدلّلها وتتدلّل عليه، وتحتج وتتمرّد عليه ويتحايل عليها، وكشاهد يكتب بخيلاء وإعجاب: "يذهب سامر إلى بستانه ، فيجده في حالة تمرّد واحتجاج، ثلاثة أسابيع لم يزر البستان، وهذا أمر غير محتمل لمجتمع البستان، تدور الأفكار في رأسه، فيذهب إلى الزيتونة الرومية المتوّجة رئيسة البستان، يحاول أن يشرح لها موقفه، فتدير لها ظهرها بدلال مجرد أن تراه قادماً، يقول لها: الطرق مغلقة، فيروس كورونا يهدد البشر، المدينة خاوية، وأنا أحضر هنا رغم كل الإجراءات، وبين دلالها وقسمه، تبتسم، وتمسح بأصابعها الزيت الذي يسيل من عينيها مدراراً من شدّة التأثر، وتردد ما هجس به "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين" وتخطو خطوتين، وتدخل في عناق مع المهندس... ومعلنة انتهاء الاحتجاج". ويضيف: "يهيج البستان فرحاً... ويجد سامر نفسه محاطاً بمئات أيدي الأغصان تسليماً واحتضاناً وترحيباً". وهكذا، تجد البستان قد أصبح في عروق صاحبة، لا فكاك، كأنهما قدرين لبعضهما.<br />هذا المشهد الرائع، ينقلنا الكاتب من رومانسية النص حول المكان، بجدارة إلى أسطورة فائقة الدقة والتحفيز للعلاقة بين سامر وبستانه، وكيف رأى أطفاله يتحركون ويلعبون ويحتضون بستاناً بوسع رام الله، وقد تحوّل كل شيء إلى بشر وشجر، كجزء من طبيعة فلسطين.<br />وإذا اعتقدنا، كما أشرنا، أن ولادة صديق الكاتب تصلح لأن تكون سيناريو فيلم سينمائي، فإننا نعتقد أيضاً بأن بستان سامر تصلح لأن تكون مادة خصبة في أدب الأطفال، التي تصوّر علاقة الإنسان بأرض وطنه.<br />أما الكاتب حسن عبد الله، فيعود إلى بداية حياته الأدبية، عندما كتب عن أثر المكان في مسيرته:&nbsp;<br />"في السنوات الأولى من طفولتي/ حملتني والدتي إلى الكروم/ وهمست في أذن شجرة زيتون، أبشري فقد جئتك اليوم بعزوتي/ وهزت جسمي الغض وقالت:/ وهبتك للزيتون والحنون والفراش/ ثم غاصت في التراب..". &nbsp;</p>
<p><br />جهاد أحمد صالح</p>]]> </content:encoded>
</item>

<item>
<title>السكاكيني والنشاشيبي: مدرستان في النقد الأدبي الصحيح</title>
<link>https://yallanews.net/alsakakiniu-walnashashibi</link>
<guid>https://yallanews.net/alsakakiniu-walnashashibi</guid>
<description><![CDATA[ 
            <p></p>
<p>خضعت فلسطين، هذا القطر الصغير للسيادة التركية، ووقع في ظلام نظام إقطاعي بغيض، وامتدّ الركود الذي أصاب حياة أهله قروناً(1) حتى جاء في نهاية الحكم العثماني أيام السلطان عبد الحميد حيث "التقى العرب والأتراك على هدف واحد الغاية منه تحطيم الحكم الحميدي ممثل الإقطاعية الاستبدادية المطلقة حتى يتاح للعناصر البورجوازية التركية كسر شوكة السلطان المستبد. وكان العرب يرمون من وراء ذلك إلى إيجاد مقوّمات خاصة بالشعوب العربية تضمن لهم السيادة القومية السياسية والاقتصادية"(2) وبدأت طلائع التنبيه واليقظة تظهر على الناس... ولكن بعد إسقاط الحكم الحميدي الإقطاعي داخل تركيا، ورجحان الكفة بجانب الاتجاه البورجوازي، عاد الاتحاديون المنتصرون إلى التمسك بنظام السلطنة الإمبراطوري، إذ رأوا فيه النظام الذي يضمن لهم النهب والاستمرار، فنتج عن ذلك فقدان التقارب التركي العربي، وظهر للعرب أن اضطهادهم انتقل من يد السلطان ممثل الاستبداد الإقطاعي المطلق إلى يد العناصر البورجوازية التركية التي آزرها أول الأمر، وهذا ما دفع العرب إلى مكافحة كل أشكال السيطرة التركية متخذين أهدافاً تتناسب ومختلف الأوضاع التاريخية... لأن النزعة القومية (الطورانية) التي أنتهجها الاتحاديون الأتراك استفزت الشعور القومي في شعوب الإمبراطورية جميعاً. وقد صاحب ذلك ظهور الرأسمالية في التربة العربية، تلك البذور التي نثرها ازدهار الاستعمار الغربي في مطلع القرن العشرين، حيث أخذ يندسّ في الأقطار العربية، وقد رأى في هذه البلاد أخصب الأسواق للرأسمال الغربي(3).<br />وكما كان العرب بنتهزون فرصة التناقض بين المصالح التركية والمصالح الأوروبية ويجدون في ذلك منفذاً لدعم صفوفهم وتنظيم حركاتهم، كانت الدول الأوروبية ترقب التناقض بين المصالح التركية والمصالح العربية، وتتخذ الحيطة لتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالحها الاستعمارية، وأغراضها الاستثمارية(4).&nbsp;<br />ومنذ أن أنفرد الإنجليز بفلسطين وهم يحاولون إيهام العالم بأن القضية الفلسطينية قضية معقّدة، ويحاولون أن يوجدوا فيها أطرافاً متعددة، ولقد دخل العالم معهم في دوّامة، وكاد العالم العربي يدخل في الدوامة نفسها، مستغلّة الصراع الفلسطيني &ndash; الإسرائيلي. ركّزت، مثل غيرها في الغرب، في صورة الفلسطيني" باعتبارها الأرض المقدّسة نتاج النصوص التاريخية على الفترات التوراتية والصليبية والحديثة (ولا سيما بعد الاحتلال البريطاني سنة 1917م) لأنها عُدّت ذات صلة مباشرة بالتاريخ الأوروبي في الوقت نفسه، ساد تجاهل مئات الأعوام من الحكم العربي الإسلامي"(5).&nbsp;<br />ولهذا لن نتطرق إلى البحث المعقّد الذي أراده الإنجليز للقضية، ويكفي أن نؤكد "أن تكون قضية نزاع بين شعب أصلي يطالب بحقه الطبيعي في الحرية والاستقلال، وبين سلطة استعمارية مستبدة تسيطر على جميع مقدرات البلاد وتضعها في أوضاع وظروف سياسية واقتصادية تسبب لها الارتباكات والاظطرابات، وقد خلقت السياسة الاستعمارية البريطانية &ndash; تدعمها في ذلك السياسة الأميركية &ndash; سلسلة من التعقيدات في الحياة العربية الفلسطينية، فجعلت من الولايات المتحدة طرفاً رسمياً في القضية، واتخذت من اليهود وسيلة لترسيخ سيطرتها على البلاد ولخدمة الإستراتيجية الاستعمارية، وجعلت توهم الناس بأنها تعالج القضية وتبغي حلها(6).&nbsp;<br />وهكذا خرجت فلسطين من قيود الحكم العثماني الاستبدادي الإقطاعي، ووقعت في شباك الاستعمار الانجليزي وضيعته الاستعمار الصهيوني، ومن وراء ذلك كلّه الاستعمار الأميركي، لتكون نقطة ارتكاز يحافظون بواسطتها على مراكزهم الاستعمارية في الشرق الأدنى(7).&nbsp;<br />يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي: "وكل هذه الأدوار التي مرّت بالبلاد العربية، شارك هذا القطر (فلسطين) بنصيبه الوافي: فكان له في الأدوار الأولى ممثلون في عهد التنظيمات، وكان له من يمثّله في كل حزب أو جمعية أو مؤتمر، وكان له نواب في مجلس (المبعوثان) العثماني، يرفعون أصواتهم جريئة في النقد والاحتجاج والمعارضة، ولم يعرف هذا الوطن الصغير طعم الاستقرار السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، في هذه العهود، سواء أكان ذلك في عهد الحكم العثماني أم عهد الانتداب الإنكليزي الصهيوني، وقد صبغ ذلك كلّه نضال بلون خاص، ووجّه حياته الأدبية والثقافية وجهة معينة(8). ..</p>
<p>لقراءة الدراسة كاملة، يرجى الضغط على الرابط في الأسفل</p>
<p>الكاتب والباحث جهاد صالح</p>        <br><br>
    <strong>المصدر: <a href="https://yallanews.net/alsakakiniu-walnashashibi">صحيفة يلا نيوز نت</a></strong>
    <p>تاريخ النشر: 2021-01-26</p>
]]></description>
<enclosure url="https://yallanews.net/uploads/images/202101/image_750x_60107630d1571.webp" length="20382" type="image/jpeg"/>
<pubDate>Tue, 26 Jan 2021 20:16:42 +0200</pubDate>
<dc:creator>جهاد صالح</dc:creator>
<media:keywords>خضعت, فلسطين, القطر, الصغير, للسيادة, التركية, ووقع, ظلام, نظام, إقطاعي, بغيض, وامتدّ, الركود, أصاب, حياة</media:keywords>
<content:encoded><![CDATA[<p></p>
<p>خضعت فلسطين، هذا القطر الصغير للسيادة التركية، ووقع في ظلام نظام إقطاعي بغيض، وامتدّ الركود الذي أصاب حياة أهله قروناً(1) حتى جاء في نهاية الحكم العثماني أيام السلطان عبد الحميد حيث "التقى العرب والأتراك على هدف واحد الغاية منه تحطيم الحكم الحميدي ممثل الإقطاعية الاستبدادية المطلقة حتى يتاح للعناصر البورجوازية التركية كسر شوكة السلطان المستبد. وكان العرب يرمون من وراء ذلك إلى إيجاد مقوّمات خاصة بالشعوب العربية تضمن لهم السيادة القومية السياسية والاقتصادية"(2) وبدأت طلائع التنبيه واليقظة تظهر على الناس... ولكن بعد إسقاط الحكم الحميدي الإقطاعي داخل تركيا، ورجحان الكفة بجانب الاتجاه البورجوازي، عاد الاتحاديون المنتصرون إلى التمسك بنظام السلطنة الإمبراطوري، إذ رأوا فيه النظام الذي يضمن لهم النهب والاستمرار، فنتج عن ذلك فقدان التقارب التركي العربي، وظهر للعرب أن اضطهادهم انتقل من يد السلطان ممثل الاستبداد الإقطاعي المطلق إلى يد العناصر البورجوازية التركية التي آزرها أول الأمر، وهذا ما دفع العرب إلى مكافحة كل أشكال السيطرة التركية متخذين أهدافاً تتناسب ومختلف الأوضاع التاريخية... لأن النزعة القومية (الطورانية) التي أنتهجها الاتحاديون الأتراك استفزت الشعور القومي في شعوب الإمبراطورية جميعاً. وقد صاحب ذلك ظهور الرأسمالية في التربة العربية، تلك البذور التي نثرها ازدهار الاستعمار الغربي في مطلع القرن العشرين، حيث أخذ يندسّ في الأقطار العربية، وقد رأى في هذه البلاد أخصب الأسواق للرأسمال الغربي(3).<br />وكما كان العرب بنتهزون فرصة التناقض بين المصالح التركية والمصالح الأوروبية ويجدون في ذلك منفذاً لدعم صفوفهم وتنظيم حركاتهم، كانت الدول الأوروبية ترقب التناقض بين المصالح التركية والمصالح العربية، وتتخذ الحيطة لتوجيهها الوجهة التي تخدم مصالحها الاستعمارية، وأغراضها الاستثمارية(4).&nbsp;<br />ومنذ أن أنفرد الإنجليز بفلسطين وهم يحاولون إيهام العالم بأن القضية الفلسطينية قضية معقّدة، ويحاولون أن يوجدوا فيها أطرافاً متعددة، ولقد دخل العالم معهم في دوّامة، وكاد العالم العربي يدخل في الدوامة نفسها، مستغلّة الصراع الفلسطيني &ndash; الإسرائيلي. ركّزت، مثل غيرها في الغرب، في صورة الفلسطيني" باعتبارها الأرض المقدّسة نتاج النصوص التاريخية على الفترات التوراتية والصليبية والحديثة (ولا سيما بعد الاحتلال البريطاني سنة 1917م) لأنها عُدّت ذات صلة مباشرة بالتاريخ الأوروبي في الوقت نفسه، ساد تجاهل مئات الأعوام من الحكم العربي الإسلامي"(5).&nbsp;<br />ولهذا لن نتطرق إلى البحث المعقّد الذي أراده الإنجليز للقضية، ويكفي أن نؤكد "أن تكون قضية نزاع بين شعب أصلي يطالب بحقه الطبيعي في الحرية والاستقلال، وبين سلطة استعمارية مستبدة تسيطر على جميع مقدرات البلاد وتضعها في أوضاع وظروف سياسية واقتصادية تسبب لها الارتباكات والاظطرابات، وقد خلقت السياسة الاستعمارية البريطانية &ndash; تدعمها في ذلك السياسة الأميركية &ndash; سلسلة من التعقيدات في الحياة العربية الفلسطينية، فجعلت من الولايات المتحدة طرفاً رسمياً في القضية، واتخذت من اليهود وسيلة لترسيخ سيطرتها على البلاد ولخدمة الإستراتيجية الاستعمارية، وجعلت توهم الناس بأنها تعالج القضية وتبغي حلها(6).&nbsp;<br />وهكذا خرجت فلسطين من قيود الحكم العثماني الاستبدادي الإقطاعي، ووقعت في شباك الاستعمار الانجليزي وضيعته الاستعمار الصهيوني، ومن وراء ذلك كلّه الاستعمار الأميركي، لتكون نقطة ارتكاز يحافظون بواسطتها على مراكزهم الاستعمارية في الشرق الأدنى(7).&nbsp;<br />يقول الدكتور عبد الرحمن ياغي: "وكل هذه الأدوار التي مرّت بالبلاد العربية، شارك هذا القطر (فلسطين) بنصيبه الوافي: فكان له في الأدوار الأولى ممثلون في عهد التنظيمات، وكان له من يمثّله في كل حزب أو جمعية أو مؤتمر، وكان له نواب في مجلس (المبعوثان) العثماني، يرفعون أصواتهم جريئة في النقد والاحتجاج والمعارضة، ولم يعرف هذا الوطن الصغير طعم الاستقرار السياسي، أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، في هذه العهود، سواء أكان ذلك في عهد الحكم العثماني أم عهد الانتداب الإنكليزي الصهيوني، وقد صبغ ذلك كلّه نضال بلون خاص، ووجّه حياته الأدبية والثقافية وجهة معينة(8). ..</p>
<p>لقراءة الدراسة كاملة، يرجى الضغط على الرابط في الأسفل</p>
<p>الكاتب والباحث جهاد صالح</p>]]> </content:encoded>
</item>

</channel>
</rss>