د. حسام أبو صفية: حكاية الطبيب الذي يرفض الانكسار في غياهب المعتقلات
خلف الجدران الصماء، وفي غياهب المعتقلات، يطوي اليوم الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، عاماً كاملاً منذ لحظة اعتقاله.
خلف الجدران الصماء التي لا ينفذ إليها ضوء، وفي غياهب المعتقلات التي تفتقر لأدنى معايير الإنسانية، يطوي اليوم الطبيب الفلسطيني الاستشاري حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، عاماً كاملاً من التغييب القسري.
سنةٌ كاملة مرت والمبضع الذي أنقذ آلاف الأرواح من موت محقق مكبلٌ بالأصفاد، والسماعة التي طالما نبضت بالرحمة وحب الناس بقيت معلقة في زوايا مستشفاه الحزين ببيت لاهيا، كشاهدٍ صامت على جريمة استهداف الوعي والطب.
الحارس الأخير في "كمال عدوان"
قبل عام من الآن، لم يكن الدكتور حسام مجرد كادر إداري يدير صرحاً طبياً، بل كان "الرئة الوحيدة" التي يتنفس من خلالها شمال قطاع غزة المحاصر. في وقت تهاوت فيه القلاع الصحية واحدة تلو الأخرى، وقف أبو صفية كالجبل، رافضاً مغادرة مستشفاه رغم التهديدات المباشرة والقصف الذي لم يهدأ.
في مشهدٍ تراجيدي لن ينساه التاريخ، وبينما كان يلملم جراح النازحين ويدقق في كشوفات المصابين، تم اقتياده من وسط زملائه ومرضاه. لم تشفع له "الحماية الدولية" المفترضة للمنشآت الصحية، ولا النداءات الإنسانية التي أطلقتها المنظمات الحقوقية؛ لقد كان القرار واضحاً: إسكات صوت الحق الطبي الذي فضح بمهنيته مآسي الحصار والمجاعة.
يُتمٌ مهني وإنساني في أروقة المشفى
منذ لحظة اختطافه، يعيش مستشفى كمال عدوان حالة من "اليتم المركب". فالدكتور حسام لم يكن مجرد مدير، بل كان "الحكيم" بمعناه الشامل؛ طبيب الأطفال البارع الذي يداوي أجساد الصغار النحيلة، والقائد الميداني الذي يثبت عزائم طواقمه حين تشتد الغارات ويشتعل الأفق بالنيران.
باعتقاله، فُقدت بوصلة طبية نادرة؛ حيث ترك غيابه فجوة هائلة في تخصصات جراحة الأطفال والعناية المركزة، وهي التخصصات التي يفتقر إليها الشمال المنكوب. اليوم، مئات الأطفال الذين كانوا يرون في وجهه البشوش ويديه الحانيتين طوق النجاة الوحيد وسط دوامة الحرب والمجاعة، يتساءلون بصمت: "أين رحل الطبيب الذي كان يعدنا بأن نكون بخير؟".
محاكمة الرسالة الإنسانية
إن مرور سنة على اعتقال أبو صفية ليس مجرد رقم في تقويم الزمن، بل هو جرح مفتوح يسلط الضوء على قضية مئات الكوادر الطبية الفلسطينية القابعة في السجون. هذا الاعتقال ليس احتجازاً لشخص، بل هو محاكمة علنية للرسالة الإنسانية برمتها.
بينما يستمر العالم في الاحتفال بـ "يوم الصحة العالمي" وإصدار المواثيق حول حقوق الإنسان، يقف هذا العالم نفسه صامتاً أمام طبيبٍ ذنبه الوحيد أنه انحاز لمهنته، ورفض ترك مرضاه يواجهون الموت بمفردهم. لقد اختار أبو صفية أن يموت معهم أو يحيا لأجلهم، فكان جزاؤه تغييباً أريد منه كسر إرادة القطاع الصحي بأكمله.
رمزية المعطف الأبيض
يبقى الدكتور حسام أبو صفية، رغم القيود، رمزاً لثبات "المعطف الأبيض" الذي لا تلوثه الضغوط ولا ترهبه الزنازين. إن غيابه الجسدي عن ردهات مستشفى كمال عدوان لم يمحُ أثره؛ فكل طفل تعافى على يديه، وكل ممرض تعلم منه الصبر، يرفعون اليوم نداءً واحداً: "الحرية للحكيم.. الحرية للإنسانية المكبلة".