إيران.. ملامح التعددية الإثنية وخارطة التوزيع القومي
تحليل معمق للتركيبة السكانية في إيران، يستعرض التوزيع الجغرافي للقوميات الكبرى مثل الفرس والآذريين والأكراد، ويوضح دور هذا التنوع في صياغة المشهد السياسي والثقافي للدولة.
تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً فريداً للدولة التي تضم داخل حدودها مزيجاً بشرياً استثنائياً؛ فهي ليست مجرد كتلة صماء من القومية الفارسية كما قد يتصور البعض، بل هي نسيج معقد من اللغات والأعراق والمذاهب التي تشكلت عبر آلاف السنين.
هذا التنوع يمنح البلاد ثراءً ثقافياً هائلاً، لكنه يضع صانع القرار أمام تحديات مستمرة للحفاظ على التوازن بين الهوية الوطنية الجامعة والخصوصيات الإثنية.
التوزيع القومي وقوة المركز
تتركز القومية الفارسية، التي تمثل الثقل السكاني الأكبر، في المناطق الوسطى والمدن التاريخية الكبرى، حيث تقود اللغة الفارسية المشهد الثقافي والتعليمي.
ومع ذلك، يبرز الآذريون في الشمال الغربي كقوة اقتصادية وسياسية كبرى، وهم المكون الأكثر اندماجاً في هيكل الدولة القيادي، مما يخلق نوعاً من الاستقرار في المناطق الحيوية القريبة من الحدود التركية والقوقاز.
القوميات الكبرى
الفرس: يشكلون نحو 61%، يتحدثون الفارسية، ويتركزون في المركز.
الآذريون: نحو 16-24%، يتحدثون لغة تركية، ولهم نفوذ تجاري واسع.
الأكراد: نحو 10%، يتركزون في المناطق الجبلية الغربية ولهم إرث ثقافي لغوي عريق.
التنوع على الأطراف والبعد الاستراتيجي
في المناطق الحدودية، تبرز قوميات مثل العرب في خوزستان (الأحواز)، حيث تتركز موارد الطاقة والنفط، والبلوش في الجنوب الشرقي، والتركمان في الشمال.
هذا التوزيع الجغرافي يجعل من قضايا التنمية الاقتصادية في "الأطراف" ملفاً مرتبطاً بشكل مباشر بالأمن القومي الإيراني، حيث تسعى الدولة باستمرار لتعزيز مفهوم المواطنة لتجاوز الفوارق العرقية أو المذهبية.
المكونات الحدودية
العرب: يتركزون في خوزستان، ويمثلون عمقاً استراتيجياً في منطقة الخليج وموارد الطاقة.
البلوش: يقطنون سيستان وبلوشستان، ويتميزون بروابط اجتماعية تمتد عبر الحدود مع باكستان.
اللور: يسكنون جبال زاغروس، وهم من أقدم المكونات الأصيلة في الهضبة الإيرانية.
الانصهار في الهوية الوطنية
رغم هذا التباين اللغوي والعرقي، تظل الهوية الإيرانية بوتقة تنصهر فيها هذه المكونات. فالرابط التاريخي والديني، بالإضافة إلى اللغة الفارسية كقاسم مشترك، لعبت دوراً حاسماً في الحفاظ على وحدة البلاد أمام العواصف السياسية.، ويبقى مستقبل هذا النسيج رهناً بمدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين المركزية الإدارية والاعتراف بالتعددية الثقافية التي تمنح إيران لونها الخاص في المنطقة