مأساة غزة.. الخذلان الذي لن يمحوه التاريخ

غزة 2026.. حين يصبح الجوع سلاحاً يباركه الصمت، وتتحول 'العروبة' إلى خطابات عزاء.

مأساة غزة.. الخذلان الذي لن يمحوه التاريخ
مأساة غزة.. الخذلان الذي لن يمحوه التاريخ

5 يناير 2026 | بقلم: باسم النادي

بين مطرقة القصف وسندان الجوع، يواجه الغزيون اليوم وجعاً أشدّ مضاضة من ترسانة الاحتلال: وجع الخذلان. فذاك 'العمق' الذي كان يُؤمل منه السند، تحول في نظر المحاصرين إلى صمتٍ مريب، وعجزٍ مُقنّع بكلمات تضامن وتعاطف جوفاء، ليتركهم وحيدين في مواجهة قدرهم.

ميثاق الخصومة

لم تكن كلمات الناطق باسم كتائب القسام، "أبو عبيدة"، مجرد تصريح عسكري، بل كانت تجسيداً لليأس من المنظومة الرسمية. حين وجه رسالته التي هزت الضمائر قائلاً:

"لا نطالبكم بالتحرك من أجلنا، فنحن قد بعنا أنفسنا لله.. نقولها للتاريخ وبكل مرارة وألم وأمام كل أبناء أمتنا.. يا قادة هذه الأمة الإسلامية والعربية.. ويا نخبها وأحزابها الكبيرة.. ويا علمائها.. أنتم خصومنا أمام الله عز وجل.. أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل نازح ومُشرّد وجريح ومُجوّع.. رقابكم مثقلة بعشرات الآلاف من الأبرياء الذين خُذلوا بصمتكم."

هذه العبارة تحولت إلى "مانشيت" محفور في قلوب النازحين، معلنةً أن موازين الحساب انتقلت إلى السماء؛ ففي غزة يسود اعتقاد بأن الصمت على الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج هو مشاركة فعلية في الجريمة.

مأساة "أميرة": الجوع في ظلال الصمت

داخل خيمة مهترئة في دير البلح، تجلس "أم غسان" تحتضن ثوب ابنتها "أميرة" التي فارقت الحياة نتيجة سوء التغذية. تقول الأم بصوت يخنقه القهر: "لم تكن أميرة بحاجة لصواريخ لتموت، كانت بحاجة فقط لعلبة حليب.. كنت أشاهد المساعدات تقف على مسافة كيلومترات وراء المعبر، بينما العواصم تحتفل.. هل دمنا رخيص إلى هذا الحد؟"

جغرافيا الخذلان: طرق بديلة ودماء نازفة

ما يضاعف مرارة الخذلان هو رؤية الغزيين لتناقضات المشهد؛ فبينما تُغلق المعابر أمام الطحين، تتدفق البضائع إلى دولة الإحتلال عبر طرق تجارية بديلة وتستمر الحياة طبيعية في بلدان يفترض أنها تنتمي العروبة والإسلام.

يقول الخمسيني "أبو رائد": "ما يذبحنا ليس الرصاص، بل الأخ الذي يرى عوراتنا تنكشف ولا يجرؤ على فتح معبر.. لقد وصلنا لمرحلة الاستغناء النفسي عن الجميع."

غزة اليوم هي الاختبار الأخير لما تبقى من ضمير؛ فإما تحرك ينقذ الأرواح، أو انتظار ليوم الحساب العظيم.. يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا يقبل فيه معذرة للظالمين