كيف ابتلعت الصين "عقل" الصناعة الألمانية؟ قصة صفقة "كوكا" التي أعجزت أوروبا
في عام 2016، شهدت الساحة الاقتصادية العالمية واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل في العصر الحديث، حينما وضعت شركة "ميديا" (Midea) الصينية يدها على جوهرة التاج الصناعي الألماني، شركة "كوكا" (Kuka) المتخصصة في صناعة الروبوتات والأتمتة.
في عام 2016، شهدت الساحة الاقتصادية العالمية واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل في العصر الحديث، حينما وضعت شركة "ميديا" (Midea) الصينية يدها على جوهرة التاج الصناعي الألماني، شركة "كوكا" (Kuka) المتخصصة في صناعة الروبوتات والأتمتة. لم تكن هذه مجرد عملية استحواذ تجارية عادية، بل كانت "فخاً قانونياً" محكماً كشف عن هشاشة القوانين الأوروبية أمام الطموح التكنولوجي الصيني المتصاعد.
صفقة "قانونية" أعجزت القارة العجوز
دخلت الصين من الباب الذي لا يمكن لأوروبا إغلاقه: باب السوق الحر والمنافسة وحقوق المساهمين. لم تستخدم شركة "ميديا" شعارات سياسية أو استراتيجية، بل رفعت العرض المالي وضمنت موافقة كبار المستثمرين، مع تقديم التزامات رسمية بالحفاظ على الوظائف والمقرات والإدارة الألمانية.
على الورق، كانت الصفقة مثالية لدرجة جعلت أي رفض سياسي يبدو اعتداءً على مبادئ الاقتصاد الحر التي طالما دافعت عنها ألمانيا. وقعت برلين في الفخ؛ فإما الالتزام بقواعد السوق أو كشف التناقض بإغلاق الباب في وجه مستثمر أجنبي لمجرد كونه صينياً. اختارت ألمانيا الصمت، وكان الصمت بمثابة موافقة غير معلنة.
لماذا "كوكا"؟ أكثر من مجرد حديد
تكمن خطورة "كوكا" في كونها ليست مجرد مصنع للروبوتات، بل هي "عقل" الأتمتة في العالم. روبوتات الشركة تعمل في قلب خطوط إنتاج عمالقة مثل "مرسيدس بنز"، "بي إم دبليو"، "فولكس فاجن"، وحتى في قطاع الطيران مع "إيرباس".
الاستراتيجية الصينية: من الشراء إلى الهيمنة
لم تكن الصين في عجلة من أمرها؛ فبعد اكتمال الاستحواذ، تحولت الملكية تدريجياً من إدارية إلى سيطرة استراتيجية هادئة، قبل أن تُسحب الشركة من البورصة وتختفي تفاصيلها عن أعين الرأي العام.
استخدمت بكين "كوكا" لإعادة بناء مصانعها وتدريب كوادرها، ثم أطلقت منافسين محليين قادرين على إنتاج روبوتات أقل سعراً وبجودة تقترب من القمة. وبحسب بيانات الاتحاد الدولي للروبوتات، وصل المخزون التشغيلي للصين من الروبوتات الصناعية إلى أكثر من 1.22 مليون روبوت في عام 2021.
دروس متأخرة ومستقبل غامض
حاولت ألمانيا التحرك لإيقاف مثل هذه الصفقات، لكن تحركها جاء متأخراً وبعد فوات الأوان. لقد أدركت أوروبا أن التفوق الصناعي ليس إرثاً دائماً، بل يمكن أن يُباع ويُشترى.
"إذا كانت كوكا قد مرت، فكم كوكا أخرى يمكن أن تمر قبل أن يتغير ميزان الصناعة العالمي إلى الأبد؟"