مستقبل العصابات المسلحة في مناطق "الخط الأصفر" بقطاع غزة

مستقبل العصابات المسلحة في مناطق "الخط الأصفر" بقطاع غزة
مستقبل العصابات المسلحة في مناطق "الخط الأصفر" بقطاع غزة

أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، اليوم الخميس، ورقة تقدير موقف جديدة تتناول مستقبل العصابات المسلحة التي نشأت داخل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” في قطاع غزة، في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرة والتحولات الميدانية والسياسية التي تشهدها الساحة الفلسطينية.

وحاولت الورقة تجاوز الوصف الميداني الظرفي لهذه المجموعات، لتطرح سؤالًا استشرافيًا مركزيًا: “ما مستقبل العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر؟ وما مصير هذه المنطقة ذاتها في ضوء المتغيرات الراهنة؟”.

وأشارت الورقة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لجأ إلى تشكيل أو رعاية مجموعات مسلحة محلية كأداة تكتيكية تهدف إلى خلق بيئة فوضى أمنية واجتماعية داخل القطاع، وإضعاف المقاومة وحاضنتها الشعبية، اختبار بدائل غير مباشرة لإدارة غزة دون تحمل كلفة الاحتلال المباشر.

وأكدت الدراسة أن هذه العصابات، رغم ما مُنح لها من حماية ودعم ميداني، فشلت في التحول إلى ظاهرة مستقرة أو مقبولة اجتماعيًا، وبقيت منبوذة شعبيًا ومجتمعيًا من مختلف أطياف المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك العائلات والعشائر، التي بادرت في حالات عديدة إلى رفع الغطاء عنها.

وخلصت الورقة إلى أن مستقبل هذه العصابات يظل مرهونًا ببقاء الاحتلال داخل مناطق الخط الأصفر، وأن أي إعادة انتشار أو انسحاب إسرائيلي سيضع هذه المجموعات أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: “التفكك السريع، الانخراط في صراعات داخلية، أو التحول إلى عبء أمني حتى على الجهات التي دعمتها”.

فيما يلي نص الورقة

تقدير موقف-المركز الفلسطيني للدراسات السياسية

الملخص التنفيذي

تتناول هذه الورقة مستقبل العصابات المسلحة الناشطة في مناطق «الخط الأصفر» بقطاع غزة، باعتبارها ظاهرة وظيفية مرتبطة بإدارة الفوضى في سياق الحرب وما بعدها، لا كحالة انفلات عابر، وتنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن هذه العصابات، رغم استفادتها من بيئة ميدانية استثنائية، تفتقر إلى أي حاضنة مجتمعية، وتواجه إجماعًا فلسطينيًا واسعًا على نبذها، ما يضع مستقبلها موضع شك بنيوي.

تحلل الورقة العلاقة بين هذه العصابات ومحاولات توظيفها في إعادة تشكيل المشهد الأمني في غزة، وتربط بين مآلاتها ومصير مناطق الخط الأصفر، بوصفها ساحة اختبار لمعادلة الصراع بين الفوضى المفروضة من الخارج والرفض المجتمعي الداخلي، وتقدّم الورقة قراءة استشرافية لسيناريوهات محتملة، ترجّح في مجملها محدودية قابلية هذه الظاهرة للاستدامة، مع التحذير من محاولات إعادة تدويرها سياسيًا أو أمنيًا ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، وتخلص إلى أن إفشال هذا النموذج يتطلب مقاربة شاملة تعزّز العامل المجتمعي والإعلامي إلى جانب المعالجة السياسية والأمنية.

مقــدمــــة

لم تكن ظاهرة العصابات المسلحة التي نشأت داخل مناطق ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” في قطاع غزة نتاجًا عرضيًا للفوضى التي خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية، بقدر ما كانت جزءًا من مقاربة إسرائيلية مدروسة لإدارة المشهد الأمني والاجتماعي في القطاع، عبر توظيف وكلاء محليين يعملون في بيئة خارجة عن القانون، وتحت مظلة الحماية العسكرية المباشرة.

غير أنّ هذه المقاربة، التي سعت من خلالها الحكومة الإسرائيلية إلى هندسة فوضى قابلة للضبط والتحكم، اصطدمت منذ بداياتها بجملة من العوامل البنيوية والسياسية والمجتمعية التي حدّت من قدرتها على التحول إلى واقع مستدام.

مع تطور المشهد الميداني، وظهور مستجدات سياسية وأمنية تتصل باتفاقات التهدئة، وترتيبات “اليوم التالي”، ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل قطاع غزة، بات السؤال الأهم لا يتعلق فقط بطبيعة هذه العصابات أو أدوارها الراهنة، وإنما بمستقبلها المحتمل، وبمصير البيئة التي نشأت فيها، وعلى رأسها مناطق الخط الأصفر نفسها.

فاللافت في التجربة الراهنة أنّ هذه العصابات، على اختلاف مسمياتها ومناطق انتشارها، فشلت في اكتساب أي شكل من أشكال القبول أو الشرعية المجتمعية، وظلت منبوذة من مختلف أطياف المجتمع الفلسطيني، رغم ما يعانيه من انقسامات سياسية وتباينات اجتماعية، وهو ما يجعل من الإجماع الشعبي على رفض هذه الظاهرة عاملًا حاسمًا في تقويض قدرتها على الاستمرار أو التحول إلى بديل أمني أو إداري، كما راهن الاحتلال.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أنّ مستقبل العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر مرتبط عضويًا بمستقبل هذه المناطق ذاتها، وبقدرة الاحتلال على الإبقاء على بيئة فوضى محمية عسكريًا.

وتجادل الورقة بأن هذه الظاهرة، مهما أُعيد تدويرها أو تغيير مسمياتها، تبقى أداة تكتيكية مؤقتة، محكومة بالفشل على المدى المتوسط، في ظل الرفض المجتمعي، وضغط المقاومة، واحتمالات تغيّر الواقع الميداني والسياسي في قطاع غزة.

وهنا يبدو واضحًا أن السؤال المركزي للورقة يمكن صياغته كالآتي:

ما مستقبل العصابات المسلحة التي يرعاها الاحتلال الإسرائيلي داخل مناطق “الخط الأصفر” في قطاع غزة، في ظل التحولات الميدانية والسياسية الراهنة، وما مآلات هذه المناطق كأداة إسرائيلية لإدارة الفوضى والتحكم الأمني؟

الخط الأصفر: من إجراء عسكري مؤقت إلى رهان سياسي–أمني مأزوم

شكّل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” أحد أبرز الابتكارات الميدانية التي اعتمدها جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على قطاع غزة، باعتباره مساحة عازلة تجمع بين الوظيفة العسكرية المباشرة والدور الأمني غير المباشر، فعلى المستوى الظاهر، قُدِّم الخط الأصفر كإجراء أمني مؤقت يهدف إلى حماية تحركات الجيش وتقليل احتكاكه المباشر بالمقاومة داخل المناطق المكتظة بالسكان، غير أنّ تطور دوره لاحقًا كشف عن تحوّله إلى رهان سياسي–أمني أوسع، يسعى الاحتلال من خلاله إلى إعادة هندسة المشهد الداخلي في غزة.

لم يكن الهدف من الخط الأصفر مقتصرًا على الفصل الجغرافي أو تأمين الحدود، بل تجاوزه إلى محاولة خلق بيئة فوضى مُدارة، تُمنع فيها القوى الفلسطينية الرسمية والمجتمعية من أداء أدوارها، وتُفتح في المقابل المساحة أمام فاعلين محليين مسلحين يعملون كوكلاء غير مباشرين للاحتلال، وفي هذا السياق، وفّر الخط الأصفر الحاضنة المكانية والأمنية لظهور العصابات المسلحة، عبر الحماية العسكرية، وغضّ الطرف عن أنشطتها، واستخدامها كأدوات تنفيذية منخفضة الكلفة.

غير أنّ هذا الرهان اصطدم بجملة من الإشكاليات البنيوية، فالخط الأصفر، بوصفه منطقة مفروضة بالقوة العسكرية، افتقر منذ البداية إلى أي مقومات للاستقرار الذاتي، فهو لا يحظى بأي شرعية سياسية، ولا بقبول مجتمعي، ولا بقدرة على إنتاج نظام أمني محلي متماسك، بل على العكس، تحوّل إلى مساحة رخوة، تعتمد بالكامل على الوجود العسكري الإسرائيلي، ما جعل أي محاولة لبناء قوى محلية داخله رهينة لهذا الوجود ومهددة بالانهيار فور تراجعه.

ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات التهدئة، وإعادة الانتشار، واحتمالات تقليص الوجود العسكري الإسرائيلي داخل قطاع غزة، برزت إشكالية جوهرية: هل يستطيع الخط الأصفر الاستمرار كأداة فاعلة في غياب الحضور العسكري المباشر؟

تشير المعطيات إلى أن الإجابة تميل إلى النفي؛ إذ إنّ أي تراجع في مستوى السيطرة العسكرية يعني تلقائيًا تفكك البنية الأمنية الهشة التي قام عليها الخط، وفقدان العصابات المسلحة للحماية التي مكّنتها من الظهور أصلًا.

إلى جانب ذلك، فشل الخط الأصفر في تحقيق أحد أهدافه الضمنية، والمتمثل في عزل المقاومة عن حاضنتها الاجتماعية، أو خلق واقع اجتماعي بديل قابل للتطويع، فقد ظلّ المجتمع الفلسطيني، رغم معاناته وضغوط الحرب، متماسكًا في موقفه الرافض لتحويل هذه المناطق إلى فضاء للفوضى أو العمالة أو الجريمة المنظمة، وهو ما حرم الخط الأصفر من أي عمق اجتماعي يمكن البناء عليه.

وعليه، يمكن القول إن الخط الأصفر لم يتحول إلى منطقة نفوذ مستقرة، بل ظلّ فضاءً مؤقتًا عالي الهشاشة، مرتبطًا بزمن العمليات العسكرية لا بزمن السياسة، ومع تعقّد المشهد الميداني، وتآكل جدوى الرهان على الوكلاء المحليين أو بالأحرى عملاء الاحتلال، بات هذا الخط عبئًا أمنيًا وسياسيًا على الاحتلال أكثر منه أداة فعالة لإدارة غزة أو التأثير في مستقبلها.

انطلاقًا من ذلك، يصبح مستقبل العصابات المسلحة داخل الخط الأصفر سؤالًا تابعًا لا سابقًا: فبانتهاء وظيفة الخط أو تراجع دوره، تتآكل بالضرورة وظيفة هذه العصابات، وتنكشف حدود قدرتها على البقاء خارج مظلة الاحتلال، أو التحول إلى فاعل مستقل في معادلة غزة المعقدة.

العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر: أداة مؤقتة في بيئة غير قابلة للاستدامة

لم تُنشأ العصابات المسلحة التي نشطت داخل مناطق الخط الأصفر بوصفها قوى محلية ذات مشروع أو بنية قابلة للاستمرار، بل كأدوات وظيفية مؤقتة، جرى توظيفها في لحظة فراغ أمني قسري فرضه الاحتلال بفعل التدمير المنهجي لمؤسسات الحكم المحلي، واستهداف أجهزة الأمن والشرطة، ومنع أي شكل من أشكال التنظيم المدني أو المجتمعي، ومنذ لحظة نشأتها، ارتبط وجود هذه العصابات ارتباطًا عضويًا بالحماية الإسرائيلية المباشرة، وبالبيئة الاستثنائية التي أتاحها الخط الأصفر.

غير أنّ هذه العصابات، رغم تنوع مسمياتها وتوزعها الجغرافي، تشترك في سمات بنيوية واحدة تجعل مستقبلها محدودًا ومأزومًا، فهي تفتقر إلى العقيدة التنظيمية، ولا تمتلك هيكلًا قياديًا مستقرًا، كما أنها عاجزة عن إنتاج شرعية اجتماعية أو سياسية، سواء عبر الإنجاز الأمني أو عبر تقديم خدمات للسكان. وعلى العكس، ارتبط حضورها في الوعي الجمعي الفلسطيني بممارسات نهب، واعتداء، وفوضى، وتخابر، ما جعلها تُصنّف مجتمعيًا باعتبارها امتدادًا مباشرًا للاحتلال لا كفاعل محلي مستقل.

وتُعدّ مسألة النبذ المجتمعي الشامل العامل الأكثر تأثيرًا في تقويض مستقبل هذه العصابات، فعلى خلاف محاولات الاحتلال الرهان على التناقضات الداخلية الفلسطينية، أظهرت هذه الظاهرة قدرة المجتمع الفلسطيني، بمختلف مكوناته السياسية والعائلية والعشائرية، على إنتاج إجماع نادر ضدها. ولم يقتصر هذا الرفض على المستوى الخطابي، بل تُرجم عمليًا عبر رفع الغطاء العائلي، ورفض توفير أي حاضنة اجتماعية، واعتبار الانخراط في هذه العصابات خروجًا على القيم الوطنية والاجتماعية الجامعة.

إلى جانب ذلك، كشفت التجربة العملية أنّ هذه العصابات عاجزة عن العمل خارج مظلة الاحتلال، فغياب الحماية العسكرية الإسرائيلية، أو تراجعها، لا يؤدي فقط إلى إضعاف قدرتها على الحركة، بل يضع عناصرها في مواجهة مباشرة مع مجتمع يرفضهم، ومع مقاومة تعتبرهم أدوات تخريب داخلي، وهو ما يجعل أي حديث عن إمكانية تحوّل هذه العصابات إلى بديل أمني أو إداري في قطاع غزة حديثًا يتجاهل معطيات الواقع الاجتماعي والسياسي.

كما أنّ محاولات إعادة تدوير هذه المجموعات، سواء عبر تغيير مسمياتها، أو دمجها في أطر أمنية جديدة، تصطدم بإرث ثقيل من الممارسات والسلوكيات التي يصعب تجاوزها، فضلًا عن فقدان الثقة المجتمعية العميق، فالتجربة الفلسطينية، تاريخيًا، أظهرت أن القوى التي تنشأ في كنف الاحتلال وتعمل تحت حمايته، تبقى أسيرة لهذه العلاقة، وغير قادرة على إعادة تعريف نفسها لاحقًا كفاعل وطني مقبول.

وعليه، يمكن القول إن العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر ليست ظاهرة قابلة للتطور أو الترسخ، بل نتاج ظرف استثنائي مرشح للانحسار، ومع أي تحول في وضع الخط الأصفر، أو أي تغيير في مستوى السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ستجد هذه العصابات نفسها أمام أحد خيارين: التفكك التدريجي، أو التحول إلى خلايا هامشية محدودة التأثير، تفتقر إلى القدرة على تغيير موازين القوى أو التأثير في مستقبل قطاع غزة.

سيناريوهات المستقبل: مصير العصابات المسلحة ومناطق الخط الأصفر

في ضوء المعطيات الميدانية والسياسية الراهنة، يمكن رسم عدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبل العصابات المسلحة التي نشأت داخل مناطق الخط الأصفر، ارتباطًا بمآلات هذه المناطق نفسها، وبطبيعة الوجود العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة، ولا تمثل هذه السيناريوهات مسارات متساوية الاحتمال، بل تتفاوت من حيث فرص التحقق والتأثير، تبعًا لجملة من المتغيرات الداخلية والخارجية.

السيناريو الأول: تفكك العصابات بانحسار أو زوال الخط الأصفر (السيناريو المرجّح)

يقوم هذا السيناريو على فرضية تراجع الدور الوظيفي للخط الأصفر، سواء عبر انسحاب جزئي أو كامل لقوات الاحتلال، أو إعادة انتشار تقلّص من مستوى الحماية العسكرية المباشرة التي وفّرت الغطاء لوجود العصابات المسلحة، في هذه الحالة، تفقد هذه المجموعات العنصر الحاسم الذي مكّنها من العمل أصلًا، والمتمثل في الحماية الإسرائيلية.

مع غياب هذه الحماية، تجد العصابات نفسها في مواجهة ثلاثة ضغوط متزامنة: ضغط المقاومة، والضغط المجتمعي، وغياب الغطاء العائلي والعشائري، وهو ما يدفع باتجاه تفككها التدريجي، سواء عبر الانسحاب الفردي لعناصرها، أو عبر انهيار بنيتها التنظيمية الهشة، أو عبر سلوك مسارات “التوبة” وتسليم السلاح بحثًا عن النجاة الشخصية.

يرجّح هذا السيناريو جملة من المؤشرات، أبرزها:

انعدام القبول المجتمعي لهذه العصابات.
هشاشة بنيتها القيادية والتنظيمية.
اعتمادها الكامل على الاحتلال في التسليح والحماية.
فشلها في التحول إلى فاعل أمني مستقل أو مقبول.
وبناءً عليه، يُعدّ هذا السيناريو الأكثر اتساقًا مع التجربة الفلسطينية التاريخية، ومع أنماط فشل الوكلاء المحليين الذين يعملون في كنف الاحتلال.

السيناريو الثاني: محاولة إعادة تدوير العصابات ضمن ترتيبات سياسية أو أمنية (سيناريو عالي الخطورة وضعيف الاستدامة)

يفترض هذا السيناريو سعي الاحتلال، وربما أطراف فلسطينية وإقليمية، إلى إعادة إنتاج هذه العصابات بأسماء أو أطر جديدة، في سياق ترتيبات “اليوم التالي”، سواء عبر دمجها في تشكيلات أمنية محلية، أو إسناد أدوار شرطية محدودة لها، بذريعة ملء الفراغ الأمني ومنع عودة سيطرة المقاومة.

ورغم خطورة هذا السيناريو سياسيًا وأمنيًا، إلا أنّ فرص نجاحه تبقى محدودة، لأسباب بنيوية تتصل بطبيعة هذه المجموعات وسجلها السابق، فإعادة التدوير لا تلغي الذاكرة المجتمعية، ولا تمحو إرث التعاون مع الاحتلال أو الممارسات الإجرامية المرتبطة بهذه العصابات، كما أنّ أي محاولة لفرضها كقوة أمنية، ستواجه رفضًا شعبيًا واسعًا، وقد تتحول إلى عامل تفجير داخلي بدلًا من تحقيق الاستقرار.

كما أن هذا السيناريو يفترض قدرة الاحتلال على فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد داخل غزة، وهو افتراض يصطدم بواقع المقاومة، وبالتعقيدات السياسية الإقليمية والدولية، وبصعوبة تسويق مثل هذه الصيغة حتى لدى بعض الأطراف الداعمة للاحتلال.

السيناريو الثالث: بقاء العصابات كخلايا تخريب محدودة التأثير (سيناريو محتمل ضعيف الأثر)

يفترض هذا السيناريو أن تنجح بعض بقايا هذه العصابات في البقاء على شكل خلايا صغيرة، تعمل في الظل، وتؤدي أدوارًا محدودة في التخابر، أو إثارة الفوضى الموضعية، أو تنفيذ عمليات تخريبية متفرقة، دون القدرة على الظهور العلني أو السيطرة المكانية.

ورغم أن هذا السيناريو قابل للتحقق جزئيًا، إلا أن تأثيره يظل محدودًا، نظرًا لغياب الحاضنة الاجتماعية، ولارتفاع كلفة العمل السري في بيئة مجتمعية شديدة الحساسية تجاه العمالة والتخريب الداخلي. كما أن هذا النمط من النشاط يظل مرهونًا بالدعم الاستخباري الإسرائيلي، ما يجعله عرضة للانكشاف والتفكيك في أي لحظة.

الترجيح العام

تشير مجمل المؤشرات إلى أن السيناريو الأول هو الأرجح، مع احتمالات تداخل محدودة مع السيناريو الثالث، خاصة في المدى القصير، أما السيناريو الثاني، فرغم ما يحمله من مخاطر نظرية، إلا أنه يفتقر إلى مقومات النجاح والاستدامة، ويصطدم بعوائق مجتمعية وسياسية وأمنية عميقة.

وعليه، يمكن القول إن العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر تمثل ظاهرة طارئة مرتبطة بمرحلة استثنائية من الحرب، وليست مكونًا قابلًا للاستمرار في معادلة غزة المستقبلية، كما أن الخط الأصفر ذاته، بوصفه أداة لإدارة الفوضى، يواجه حدودًا بنيوية تجعله أقرب إلى الرهان الفاشل منه إلى النموذج القابل للتعميم.

دلالات رئيسيــــة

تكشف القراءة الاستشرافية لمستقبل العصابات المسلحة في مناطق الخط الأصفر، ولمآلات هذه المناطق ذاتها، عن جملة من الدلالات التي ينبغي التوقف عندها، ليس فقط لفهم طبيعة التحدي الراهن، بل لصياغة مقاربة فلسطينية أكثر فاعلية في مرحلة ما بعد الحرب، وفي مواجهة محاولات الاحتلال إعادة إنتاج الفوضى بأدوات محلية.

فشل رهان الوكلاء المحليين
تؤكد التجربة أنّ العصابات المسلحة التي نشأت في كنف الاحتلال لم تنجح، ولن تنجح، في التحول إلى بديل أمني أو إداري مستدام في قطاع غزة، فغياب الشرعية المجتمعية، والاعتماد الكلي على الحماية العسكرية الإسرائيلية، يجعلانها أدوات مؤقتة، لا تصلح لبناء واقع مستقر.

  1. الإجماع المجتمعي الفلسطيني كعامل كاسر

على الرغم من الانقسام السياسي وتباينات المواقف، أظهر المجتمع الفلسطيني قدرة لافتة على إنتاج إجماع وطني–اجتماعي ضد هذه الظاهرة، ويُعدّ هذا الإجماع أحد أهم عناصر القوة الفلسطينية غير العسكرية، لما له من أثر مباشر في إفشال محاولات الاحتلال اختراق النسيج الداخلي.

  1. الخط الأصفر كفضاء فاشل لإدارة الفوضى

لم يتحول الخط الأصفر إلى نموذج قابل للتعميم أو الاستدامة، بل ظلّ مساحة هشّة مرتبطة بزمن العمليات العسكرية، ومع أي تغيير في مستوى السيطرة الإسرائيلية، يتآكل دوره وتنهار الأدوات المرتبطة به، وعلى رأسها العصابات المسلحة.

  1. خطورة محاولات إعادة التدوير

تكمن الخطورة الحقيقية ليس في بقاء هذه العصابات بصيغتها الحالية، بل في محاولات إعادة تدويرها ضمن ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية، تحت عناوين براقة مثل “ملء الفراغ الأمني” أو “إعادة بناء الأجهزة”، وهو ما قد يعيد إنتاج الفوضى بصيغة جديدة.

الخـــلاصــــــة

تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن العصابات المسلحة التي نشأت داخل مناطق الخط الأصفر تمثل ظاهرة طارئة مرتبطة بمرحلة استثنائية من الحرب، لا بمستقبل قطاع غزة، فهي أدوات وظيفية مؤقتة، افتقرت إلى الشرعية، وفشلت في اختراق المجتمع الفلسطيني، وبقيت رهينة الحماية الإسرائيلية، وعاجزة عن التحول إلى فاعل مستقل أو مستدام.

أما الخط الأصفر نفسه، فقد تبيّن أنه رهان أمني–سياسي محدود الجدوى، ارتبط بزمن العمليات العسكرية، ولم ينجح في فرض واقع بديل أو كسر معادلات المجتمع والمقاومة، ومع تغيّر الظروف، وتآكل هذا الرهان، تتآكل الأدوات المرتبطة به، وفي مقدمتها هذه العصابات.

وعليه، فإن مستقبل قطاع غزة لا يتسع لمثل هذه الظواهر، ولا يمكن أن يُبنى على أدوات الفوضى أو الوكلاء المحليين، ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع الفلسطيني، وقدرته على إفشال محاولات الاختراق، وعلى بناء مقاربات وطنية جامعة تحمي السلم الأهلي، وتُسقط رهانات الاحتلال، مهما تغيّرت أشكالها أو أدواتها.

التــوصيــــات

عدم تضخيم الظاهرة دون التقليل من مخاطرها بما قد يخدم أهداف الاحتلال في تضخيم دورها أو تسويقها كفاعل بديل.
تعزيز الإجماع المجتمعي وحمايته، عبر دعم موقف العائلات والعشائر، حماية النسيج الاجتماعي من محاولات الاختراق، وتجريم الظاهرة ووصمها وطنيًا دون مواربة.
رفض أي ترتيبات لإعادة تدوير العصابات، لما يحمله ذلك من مخاطر انفجار داخلي وفقدان للثقة، وإعادة إنتاج أدوات الاحتلال بأيدٍ فلسطينية.
الاستعداد لمرحلة ما بعد الخط الأصفر، بما يمنع أي محاولات فوضوية جديدة، سواء عبر إعادة تفعيل المؤسسات المدنية وترسيخ مرجعية أمنية وطنية واضحة.