يحيى السنوار في عيون رفاقه الأسرى

شهادات نادرة للأسرى الفلسطينيين حول شخصية يحيى السنوار داخل السجون الإسرائيلية، تكشف تفاصيل حياته الاجتماعية، علاقته بالفصائل، ورحلته من الأسر إلى الاستشهاد.

يحيى السنوار في عيون رفاقه الأسرى
يحيى السنوار في عيون رفاقه الأسرى

تحقيق توثيقي: مسيرة القائد الذي حول السجن إلى مدرسة وجبهة

لم تكن سنوات الأسر الـ 22 مجرد محنة أو فترة غياب قسري، بل كانت "المرحلة التكوينية الكبرى" التي صقلت وعي يحيى السنوار وبلورت رؤيته الاستراتيجية. فمن داخل زنازين الاحتلال، نسج السنوار نموذجاً فريداً للمقاوم المثقف، والقائد المتواضع، والمنظر الاستراتيجي. تروي شهادات رفاق دربه الأسرى صورة رجل لم يستسلم للأسر، بل حوّله إلى ورشة للفكر وجبهة للمواجهة. وانتهت رحلته كما بدأت؛ بالاشتباك المباشر والمواجهة حتى النفس الأخير.

العقلية الأمنية الاستباقية ودراسة العدو

كان حس السنوار الأمني استثنائياً؛ إذ نقل الخبرات المتقدمة التي اكتسبها من جهاز "مجد" إلى قلب السجون، محولاً الزنزانة إلى وحدة تحليل استخباراتي مصغرة حيث لم يقتصر هدفه على تأمين خطوط التواصل بين الأسرى فحسب، بل تجاوزه إلى فهم عميق للعدو، فأتقن اللغة العبرية في وقت قياسي ليقرأ الصحف الإسرائيلية ويستمع إلى إذاعاتهم، محاولاً فك شيفرة المجتمع والذهنية الإسرائيلية من الداخل.

"لم يكن تعلمه للعبرية مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت أداة تحليل استراتيجي. كان يحلل لنا الشخصية الإسرائيلية، عقلية الجندي، حجج الإعلام، ونقاط الضعف في الرواية الصهيونية، وكان يردد: 'من يفهم عدوه يهزمه'. كان يرى في السجن جبهة قتال حقيقية لتطوير العقل قبل السلاح."

— الأسير المحرر وليد الهودلي

الوجه الإنساني والتواضع القيادي الراسخ

رغم مكانته كقائد بارز، كان السنوار نموذجاً للتواضع والمشاركة الفعالة، ففي السجن، رفض أي تمييز معيشي أو احترامي عن بقية الأسرى، وشارك بنفسه في أعمال التنظيف والطبخ (السخرة) التي كانت تُفرض عليهم، معتبراً ذلك مبدأً ثابتاً. وتحول إلى "قاضي صلح" داخل الأسر، يلجأ إليه الجميع لفض النزاعات بحكمة وهدوء، معتمداً على شرعية أخلاقية أكثر منها تنظيمية.

"كان يغضب إذا ناداه أحد بلقب 'القائد' داخل السجن. كان حريصاً على غسل أواني الطعام بنفسه ومشاركة أصغر الأسرى في أصعب المهام اليدوية. قال لي مرة: 'القائد الذي ينفصل عن جماعته في المعاناة، ينفصل عنهم في القيادة'. كان سلوكه يربك السجّانين أنفسهم."

— الأسير المحرر توفيق أبو نعيم

الوحدة الوطنية الميدانية وتحالف "العمالقة"

آمن السنوار بعقيدة "الوحدة الميدانية" العملية فوق الخلافات السياسية، فبنى داخل السجن، علاقات استراتيجية متينة مع قادة الفصائل الأخرى، أبرزهم مروان البرغوثي من فتح وأحمد سعدات من الجبهة الشعبية وكان دوره محورياً في تنسيق المواقف خلال الإضرابات عن الطعام والمواجهات الجماعية مع إدارة السجون، حيث كان يضع خط التضامن الأسري فوق أي انتماء تنظيمي ضيق.

"في أقسى فترات العزل الانفرادي، كان السنوار يجد وسيلة لإرسال رسائل الصمود والتضامن. كان يقول: 'هنا لا يوجد فصائل، هنا يوجد أسرى'. لقد كان مهندس تحالف 'العمالقة' داخل السجن، الذي جعل من مطالبنا موحدة وقوية."

— الأسير المحرر عصمت منصور

الصمود في وجه المحن ومشهد الختام البطولي

واجه السنوار اختباراً قاسياً مع المرض داخل السجن (ورم في الدماغ)، لكنه تحوّل إلى نموذج للصمود النفسي، فرفض طلب معاملة طبية خاصة أو أي تسهيلات قد تُفسر على أنها ضعف، وكان يواسي رفاقه القلقين على صحته، وهذه القوة النفسية ذاتها هي التي مهدت لمشهده الأخير في رفح، حيث استشهد وهو مشتبك بالسلاح، محققاً رغبته بأن تكون نهايته "شهادة فوق الأرض، لا تحتها".

"حتى وهو يعاني من آلام الورم، كان يواسينا نحن الذين نقف متوجسين على صحته. صموده النفسي والأخلاقي كان يربك إدارة السجن. كان يظهر قوة جسدية ونفسية تفوق الشباب. لا عجب أن خرج من السجن ليكمل مسيرة الصمود نفسها، حتى اللحظة الأخيرة."

— الأسير المحرر وصفي كبها

انتهت رحلة يحيى السنوار الجسدية مشتبكا مع جنود الاحتلال في رفح، لتجد "رواية السجن" التي كتبها بدمه وتضحياته وإرادته، فصلها الأخير في ساحة المعركة. لقد حوّل مسيرة الأسر من قصة سلبية إلى ملحمة تكوين خالدة، تاركاً إرثاً يثبت أن المقاومة ليست فعل السلاح فحسب، بل هي فعل الإرادة، والمعرفة، والوحدة، والتواضع.