إيران في عين العاصفة: قراءة في توازنات الردع وصراع الهيمنة الطاقوية
تتصاعد حدة التصريحات السياسية في المنطقة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جهوزيته للتدخل المباشر في الشأن الإيراني، وهو الأمر الذي تضعه طهران في سياق محاولات الاستغلال السياسي للاضطرابات الداخلية
تتسارع الخطى في مشهد التصعيد الإيراني-الأمريكي مع إعلان الرئيس دونالد ترامب جهوزيته للتدخل المباشر، وهو تصريح تضعه طهران في سياق محاولات الاستثمار السياسي في الاضطرابات الداخلية. وبالنظر إلى المعطيات الميدانية، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة ما جرى؛ فبينما يروج الإعلام الغربي لانتفاضة شاملة، تشير التقارير الميدانية إلى أن الأحداث التي استمرت عدة أيام، كانت محصورة في جيوب معينة نشطت فيها جماعات انفصالية مسلحة، حيث تم ضبط قنابل وأسلحة إسرائيلية الصنع، في حين حافظت العاصمة طهران على هدوئها، مما يعزز الرواية الرسمية بأن العنف كان "مؤطراً" ومهندساً من الخارج لاستهداف المراكز الأمنية ودور العبادة.
خداع الدبلوماسية ورهانات التغيير الفاشلة
تتعامل طهران مع تهديدات ترامب بحذر استراتيجي، واصفة إياه بـ "المخادع" الذي لا يؤمن جانبه، خاصة وأن سجل الرجل يحفل بالتناقضات؛ ففي الوقت الذي كان يتحدث فيه عن مفاوضات، كان يقر بقيادة عمليات عسكرية واستخباراتية ضد السيادة الإيرانية. ورغم محاولات الترويج لسقوط قريب للنظام، إلا أن المتابع للشأن الإيراني يلحظ تحولاً في الموقف الشعبي الذي يميل تاريخياً للاصطفاف خلف القيادة عند استشعار الخطر الوجودي. إن الرهان على "الداخل" يصطدم بواقع معقد، حيث يدرك الشارع أن الضغوط الاقتصادية ليست إلا نتاج عقوبات قاسية تهدف لكسر الإرادة السياسية لا لتحسين المعيشة.
معادلة الردع: الهايبر سونيك وقلب الطاولة
على الصعيد الدفاعي، لم تعد إيران تكتفي برد الفعل، بل انتقلت لتعزيز قدرات الردع عبر امتلاك تكنولوجيا الصواريخ الفرط صوتية (هايبر سونيك)، وهي أسلحة قادرة على اختراق أكثر المنظومات الدفاعية تطوراً في العالم. ورغم الخروقات التكنولوجية التي حققها التحالف المعادي (أمريكا وإسرائيل ودول غربية) عبر استخدام الذكاء الاصطناعي المتقدم واستهداف الشخصيات، إلا أن طهران أعادت تموضع قواتها وتغيير خططها العسكرية بشكل جذري. إن الرسالة الإيرانية واضحة: أي اعتداء عسكري سيعني فوراً "قلب الطاولة" في عموم المنطقة، وتحويل التهديد إلى زلزال جيوسياسي لا يمكن التنبؤ بنهايته.
من فنزويلا إلى إيران: معركة خنق "التنين" الصيني
في العمق، يتجاوز الصراع حدوده الجغرافية ليتحول إلى معركة سيطرة على "شرايين الحياة" العالمية. إن الربط بين ما يحدث في فنزويلا وما يخطط لإيران يكشف استراتيجية ترامب الحقيقية؛ وهي الهيمنة على موارد النفط لتعطيل العجلة الاقتصادية للصين. فمن خلال السيطرة على نفط القارة الأمريكية (فنزويلا) وخنق منابع الطاقة في الشرق الأوسط (إيران)، تهدف واشنطن لإيقاف "مصنع العالم" الصيني وضمان التفوق الاقتصادي الأمريكي للأجيال القادمة. بهذا المعنى، تصبح إيران السد المنيع الأخير أمام هيمنة طاقوية أمريكية مطلقة.
الجاهزية لكل الاحتمالات
ختاماً، تجد إيران نفسها في مواجهة مفتوحة تتطلب أعلى درجات الاستعداد. ومع التقارير الدولية التي تشير إلى سقوط ما بين 10 إلى 12 قتيلاً في أحداث العنف المسلح الأخيرة، تظل الدولة متمسكة بفرض الأمن الداخلي كأولوية قصوى. إن اللقاءات الأخيرة بين نتنياهو وترامب قد تفرز ضربات استباقية أو عمليات اغتيال جديدة، لكن طهران، بقدراتها الصاروخية وتماسكها الداخلي، تبدو مستعدة لكافة السيناريوهات، مؤكدة أن زمن التدخلات السهلة قد ولى، وأن أي مغامرة قادمة ستصطدم بواقع عسكري وتكنولوجي مختلف تماماً عما كان عليه قبل عقود.