غزة في قلب العاصفة…الشتاء يطفئ الشمس وآخر ما تبقى من الكهرباء
بينما تتلبد سماء غزة بالغيوم إيذانا باشتداد المنخفض الجوي الذي يجتاح القطاع، جارفا معه ما تبقى من خيام بالية، يجد السكان أنفسهم أمام تحدٍ جديد، والمتمثل في تأمين مصدر للكهرباء لشحن هواتفهم وحواسيبهم، بعد أن تعطلت منظومات الطاقة الشمسية عن العمل نتيجة غياب الشمس خلف السحب الكثيفة.
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي يعتمد أهالي غزة على أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية والتجارية كمصدر أساسي للكهرباء -وإن كان محدوداً- لتشغيل الحد الأدنى من الأجهزة الضرورية.
وذلك عقب توقف محطة التوليد الوحيدة عن العمل بقرار من وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف غالانت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من قطع خطوط الكهرباء القادمة من داخل الخط الأخضر، التي كانت تغذي القطاع جزئيا.
خسائر إنسانية ومعيشية متراكمة
تفاقمت الأزمة مع فرض الاحتلال قيودا مشددة على إدخال الوقود، الأمر الذي شل عمل المولدات الكهربائية التي كانت تعد خيارا احتياطيا لدى السكان والمؤسسات. ومع الارتفاع الكبير في أسعار الوقود داخل القطاع، بات تشغيل المولدات أمرا شبه مستحيل بالنسبة للمواطن العادي.
وتؤثر أزمة الكهرباء بشكل مباشر على حياة مليوني إنسان، لاسيما فئات واسعة تعتمد على الكهرباء في التعليم والعمل والتواصل مع العالم الخارجي، فالطلبة الجامعيون على سبيل المثال يعجزون عن تقديم الامتحانات الإلكترونية أو إعداد مشاريعهم الدراسية، بينما يضطر الصحفيون والمصممون والعاملون عن بُعد للبحث لساعات طويلة عن مصدر كهرباء لشحن أجهزتهم، دون جدوى في كثير من الأحيان.
خطر فقدان الوظائف
نشوى الأسطل، والتي تعمل مصممة لصالح إحدى الشركات في دول الخليج العربي، تقول "هذا اليوم الثالث الذي أتعطل فيه عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء. أبلغت الشركة بعجزي عن مواصلة العمل بسبب ظروف الطقس، إلا أنهم حذروني من أن استمرار التعطل قد يعرضني لفقدان وظيفتي".
مشيرة في حديث لـ"قدس برس" إلى أن زملاء آخرين يعيشون الظروف ذاتها، ويحاولون العمل من داخل سياراتهم أو تحت الأمطار قرب نقاط الشحن.
الطاقة الشمسية… أمل محدود في الشتاء
بدوره، يشير بسام القوقا، صاحب نقطة شحن، إلى أن فصل الشتاء يشكل تحديا كبيرا بالنسبة لنا لأن إنتاجية الألواح الشمسية تنخفض بشكل حاد مع غياب الشمس. ويقول لـ"قدس برس": "حاولنا التنسيق لإدخال أنظمة طاقة شمسية متطورة من ألمانيا تعمل على الضوء فقط، والمعروفة باسم (Double Face)، إلا أن الاحتلال رفض السماح بدخولها".
ويضيف أن الألواح الشمسية تنتج في الأيام المشمسة ما بين 90–95% من قدرتها، بينما تنخفض هذه النسبة في الأيام الغائمة إلى أقل من 30%، مؤكدا أن هذا التراجع الكبير يجعل أغلب نقاط الشحن عاجزة عن تلبية احتياجات الناس في ذروة المنخفضات الجوية.
ازدحام طويل وتوتر يومي
وتشهد نقاط الشحن القليلة المتبقية داخل القطاع ازدحاما لافتا، حيث يقف العشرات في طوابير تمتد لساعات، يحملون بين أيديهم الهواتف وبطاريات الإنارة. وتتحول هذه الطوابير أحيانا إلى مشادات بسبب الإلحاح الكبير لكل شخص على الحصول على القليل من الكهرباء قبل حلول المساء.
ويؤكد القوقا أن بعض العائلات تضطر لاختيار جهاز واحد فقط يمكن شحنه في اليوم، بينما يبقى باقي أفراد الأسرة بلا وسيلة للتواصل أو الإنارة، مشيرا إلى أن الوضع "لم يعد يُحتمل".
فيما لا تقف الأزمة عند حدود الجانب المعيشي، بل تترك أثرا نفسيا كبيرا على السكان. تقول إحدى الطالبات الجامعيات إنها تشعر بـ"التشتت والإرهاق المستمر"، مضيفة: "كلما بدأنا التأقلم مع طريقة جديدة للدرس والعمل، يظهر تحدٍّ آخر، لا أعرف كيف يمكننا متابعة تعليمنا في ظل هذه الظروف".
من جانبه، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو مليون ونصف المليون نازح يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية تُجسّد واحدة من أخطر الكوارث عالميًا.
وقال المتحدث باسم المكتب، إسماعيل الثوابتة، إن "مئات آلاف العائلات تقيم في خيام مهترئة بفعل تداعيات حرب الإبادة والظروف المناخية"، مضيفًا أن أكثر من 125 ألف خيمة تضررت أو اهترأت بالكامل وفقدت قدرتها على توفير المأوى والحماية.
وكشف الثوابتة لـ"قدس برس" أن القطاع يحتاج إلى 300 ألف خيمة جديدة لتلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، بينما لم يدخل سوى 20 ألف خيمة فقط، أي ما يعادل 7 بالمئة من الاحتياج الفعلي، وهو نقص فادح يضع النازحين أمام ظروف معيشية لا تُطاق.
وشدد على أن الخيام الحالية هشّة ولا تقي من البرد والرياح والأمطار الغزيرة، مشيرًا إلى أن المنخفض الجوي السابق أغرق عشرات آلاف الخيام وحوّل المخيمات إلى مناطق غارقة بالكامل.