في ذكرى رحيل ابنته "جنان".. د. منير البرش يوثق ليلة قصف منزله وانهيار المنظومة الصحية بشمال غزة
أحيا الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، ذكرى مرور عام على استشهاد ابنته "جنان" وعشرة من أفراد عائلته، بسردية مؤثرة نشرها عبر صفحته الرسمية، كشف فيها عن تفاصيل ليلة الحادي والعشرين من ديسمبر 2023، والتي وصفها بأنها "أقسى ما يمكن أن يمر به إنسان
غزة – (خاص)
أحيا الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، ذكرى مرور عام على استشهاد ابنته "جنان" وعشرة من أفراد عائلته، بسردية مؤثرة نشرها عبر صفحته الرسمية، كشف فيها عن تفاصيل ليلة الحادي والعشرين من ديسمبر 2023، والتي وصفها بأنها "أقسى ما يمكن أن يمر به إنسان".
وروى البرش كيف قضى ساعاته الأخيرة قبل الفاجعة، حيث كان يقود الجهود الطبية في شمال غزة وسط انهيار المستشفيات واعتقال الكوادر الصحية، ومن بينهم الدكتور عدنان البرش. وأشار إلى أنه كان يمارس عمله الإعلامي والمهني تحت الرصاص الكثيف حتى اللحظات الأخيرة قبل توجهه إلى منزل شقيقته طلباً للراحة.
وفي تفاصيل إنسانية مفجعة، وصف الدكتور منير اللحظات التي سبقت الغارة، حيث كانت ابنته الصغرى "جنان" تمازح شقيقتها "ملاك" لتفوز بالنوم في حضن والدها. وقال البرش: "نظرت إليّ مبتسمة كأنها تقول: انتصرتُ في النهاية.. كانت تلك آخر لحظة عاشتها معي، قبل أن تحيل غارة من طائرة F-16 المكان إلى نار وفرق بيننا الأبد".
من مدير طبي إلى جريح تحت الأنقاض
ووثق المنشور لحظات النجاة القاسية، حيث وجد الدكتور نفسه عالقاً تحت الركام، ممسكاً بحديد السقف الساخن لمنع السقوط في حفرة الصاروخ، حتى تمكن أبناؤه من سحبه رغم إصابته البالغة في قدمه وظهره.
وفي مفارقة تراجيدية، ذكر البرش أنه نُقل لتلقي العلاج في "النقطة الطبية" التي كان قد أشرف على تأسيسها قبل ساعات فقط من استهدافه، ليكون هو وعائلته "أول نزلاء" هذه النقطة.
ضريبة الاستهداف المستمر
ولم تتوقف المأساة عند ذلك الحد، حيث أكد البرش أن الاحتلال أعاد قصف المنزل مرة أخرى بعد نجاته، مما أدى إلى استشهاد شقيقته وزوجها وأبنائها، بينما لا تزال شقيقته الأخرى تتلقى العلاج في مصر جراء إصابة بالغة.
تأتي هذه الشهادة لتسلط الضوء من جديد على الاستهداف الممنهج للكوادر الطبية وعائلاتهم في قطاع غزة، وتحول القيادات الصحية من مقدمين للخدمة إلى ضحايا مباشرين للحرب.
نص المنشور الكامل كما ورد عن د. منير البرش:
في مثل هذا اليوم… 21 ديسمبر 2023
في مثل هذا اليوم، الحادي والعشرين من ديسمبر عام 2023، مرَّ على قلبي أقسى ما يمكن أن يمرّ به إنسان.
في تلك الليلة، فقدتُ روحي… فقدتُ ابنتي جنان، تلك الجميلة الملائكية التي كانت قطعةً من قلبي تمشي على الأرض.
عدتُ في ساعةٍ متأخرة إلى بيت أختي، منهك القوى، مثقل الجسد والروح.
كنتُ خارجًا لتوّي من أيامٍ عصيبة، محاصرًا من مستشفى إلى آخر، شاهِدًا على اعتقال د. عدنان البرش، واستشهاد عددٍ كبير من الكوادر الصحية، وانهيار آخر معاقل المنظومة الصحية في شمال غزة.
في الصباح، عدنا إلى مركزنا الصحي بعد استهدافه في الليلة السابقة.
أصلحنا ما أمكن إصلاحه، وأعدنا تشغيله، لكن الاحتلال كان يركّز نيرانه علينا بلا توقف.
وأذكر أنني أجريت مقابلة مع قناة الجزيرة لأكثر من عشر دقائق، بينما كان إطلاق النار يستهدف مركز بيت الخير، وكان صدى الرصاص يُسمَع على الهواء أثناء المحادثة.
في ساعات الظهر، اتخذتُ قرار الخروج من المركز، وأبلغتُ جميع الطواقم.
كان قرارًا مفاجئًا، لكنه — بفضل الله — حمل الخير لكثيرين؛ إذ خرج عدد كبير من الناس من المنطقة بعدما أدركوا أن الاحتلال سيدخل جباليا لا محالة.
خرجنا ومعنا الناس، لكننا لم نغادر جباليا كما غادر الآخرون.
بقينا في مدرسة نُجهّز فيها نقطةً طبية لإنقاذ من يمكن إنقاذه، وبقيتُ مع الطواقم حتى ساعات الليل المتأخرة.
وصلتُ أخيرًا إلى بيت أختي.
وجدتُ الأولاد نائمين مع أمهم في ممر الشقة، فقلت لهم:
لماذا تنامون هنا؟ تعالوا وعودوا إلى الغرفة.
عدنا إلى الفراش… لكن جنان، شهيدتي، لم يرق لها أن تكون أختها ملاك هي من تنام في حضني.
تشاجرتا قليلًا، فملاك هي الأكبر، واستطاعت أن تنام.
كنتُ متعبًا… لكن سعيدًا بهما.
غير أن جنان — كما كانت دائمًا — لم تهدأ حتى نالت ما أرادت.
ألقت بنفسها بقوة بيني وبين أختها، ونظرت إليّ مبتسمة، كأنها تقول:
انتصرْتُ في النهاية.
كانت تلك آخر لحظةٍ عاشتها معي.
بعدها بلحظات، اهتزّت الأرض، وانقلب الليل نارًا.
قصفٌ عنيفٌ بطائرة F-16 شقّ المكان، وأخذ محبوبتي إلى حفرةٍ عميقة، وفرّق بيني وبينها إلى الأبد.
أفقتُ من شدة الانفجار وأنا ممسكٌ بحديد السقف، كان ساخنًا، أخشى أن أنزلق إلى تلك الحفرة.
لم أستطع التنفّس، ولا الكلام، ولا الحركة.
وفي تلك اللحظات — التي بدت لي أعوامًا — سمعتُ صوت ابني يصرخ:
"هذا أبي… أبوي عايش!"
اندفع نحوي مخاطِرًا بحياته، أمسك بي، ولم يستطع وحده.
استغاث بإخوته وأبناء عمّته، فجاؤوا وسحبوني، وكانت قدمي عالقة.
قلت لهم: اسحبوني ولا تلتفتوا…
فكُسرت قدمي، لكنني نجوت.
طلبتُ منهم بابًا مكسورًا ليحملوني عليه، فقد أدركت أن ظهري مصاب.
وبعد لحظات، وجدوا زوجتي الصابرة المحتسبة تحت الركام، مغمىً عليها،
ووجدوا الأطفال وقد تناثروا في المكان…
أما جنان، فكان جسدها في الحفرة التي صنعها الصاروخ، وقد غطّاها الركام.
في تلك اللحظة، استشهدت جنان…
واستشهدت ابنة أختي هيا،
وأُصيب أولاد أختي، وزوجتي، وابنتي ملاك، وابنتي لين.
كان التحدي: كيف يُنزَل جسدي من الطابق الثاني؟
تجمّع الجيران، ربطوني بالحبال على الباب، وأنزلوني على سلمٍ خارجي، وسط خوفٍ من قصفٍ جديد…
وقد حدث.
وُضِعتُ على الأرض، وغُطّيتُ كما يُغطّى الشهداء، حتى وصلت سيارة الإسعاف.
نُقلتُ إلى النقطة الطبية التي كنتُ قد ساهمتُ في إنشائها.
كنتُ أول نزيلٍ فيها… أنا وأسرتي المصابة.
وكعادة الاحتلال الغادر، عاد وقصف المنزل مرةً أخرى،
وكانت أختي وزوجها وأبناؤها قد عادوا إليه،
فاستشهدوا جميعًا، وأُصيبت أختي إصابةً بالغة، ما زالت تتلقى العلاج في مصر حتى كتابة هذه السطور.