أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، المأساة المستمرة. (١)

لقد عانى اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ نكبتهم عام ١٩٤٨ وحتى اليوم من الإقصاء والإستثناء من نصوص القانون اللبناني، فلا هم يعاملون معاملة المواطن اللبناني كونهم ليسوا مواطنين لبنانيين، ولا هم يعاملون معاملة الأجانب كونهم ليسوا مواطنين لبلد أجنبي، ولا هم يعاملون معاملة اللاجئ كون لبنان لم يوقع الإتفاقية الخاصة باللاجئين لعام ١٩٥١ ولم يسن قوانينه الخاصة للتعامل مع اللاجئين.

أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، المأساة المستمرة. (١)
أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، المأساة المستمرة. (١)

بحسب بيانات الأونروا هنالك أكثر من 470,000 لاجئ مسجلون لدى الأونروا في لبنان، يقدر أن 180,000 منهم يسكنون في البلاد، وحوالي 45% منهم يعيشون في المخيمات الإثنا عشرة المنتشرة في البلاد وهي: نهر البارد، البداوي، ضبية، شاتيلا، برج البراجنة، مار الياس، عين الحلوة، الرشيدية، برج الشمالي، البص، ويفل (الجليل)، المية ومية. وبحسب تعبير الأونروا على موقعها الرسمي "تعاني تلك المخيمات من ظروف مزرية وتتسم بأنها مكتظة وسيئة المساكن والبطالة [وبالبطالة] والفقر وغياب سبل الوصول إلى العدالة." 

ويقيم باقي اللاجئين في المدن والقرى اللبنانية وفي تجمعات غير معترف بها من الأونروا هي: المعشوق، جبل البحر، شبريحا، البرغلية، القاسمية، الواسطة، العيتانية، أبو الأسود، عدلون، الغازية، الناعمة، سعد نايل، ثعلبايا وغيرها.

لقد عانى اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ نكبتهم عام ١٩٤٨ وحتى اليوم من الإقصاء والإستثناء من نصوص القانون اللبناني، فلا هم يعاملون معاملة المواطن اللبناني كونهم ليسوا مواطنين لبنانيين، ولا هم يعاملون معاملة الأجانب كونهم ليسوا مواطنين لبلد أجنبي، ولا هم يعاملون معاملة اللاجئ كون لبنان لم يوقع الإتفاقية الخاصة باللاجئين لعام ١٩٥١ ولم يسن قوانينه الخاصة للتعامل مع اللاجئين.

في ظل تلك الإشكاليات، تميزت الحقبة بين ١٩٤٨ و١٩٦٩ بالتعامل القمعي مع المخيمات الفلسطينية من خلال الأجهزة الأمنية وخصوصاً الشعبة الثانية (جهاز أمني لبناني) التي كانت تتدخل بأدق تفاصيل الحياة اليومية للاجئين خارج أي نطاق قانوني يؤمن لهم الحد الأدنى من الحماية. كما تميزت الحقبة ايضاً باستغلال اليد العاملة الفلسطينية في المهن الصعبة والشاقة وباجور زهيدة ودون أية ضمانات صحية وإجتماعية أو تعويضات نهاية خدمة. 

إلى جانب ذلك كان لبنان ينعم بنهضة اقتصادية متصاعدة تعود أسبابها إضافة إلى إستخدام اليد العاملة الفلسطينية، إلى تدفق أموال الأثرياء الفلسطينيين بعد نكبة عام ١٩٤٨ إلى البنوك اللبنانية مستفيدين من النظام الاقتصادي الحر، كما تعود ايضاً إلى انتقال ذوي الكفاءات في مختلف المجالات العلمية والإقتصادية والفنية إلى لبنان ومساهمتهم في إنعاش الإقتصاد. كما أن تحول طرق التجارة البحرية من فلسطين إلى لبنان بعد النكبة قد أسهم بشكل كبير في نهضة الاقتصاد في لبنان. 

وبعد عام ١٩٦٩ ودخول فصائل المقاومة إلى المخيمات وتوقيع اتفاقية القاهرة عمان، ونتيجة ظروف داخلية متعددة، تفاعلت الأمور بشكل سيء في لبنان مما أدى عام ١٩٧٥ إلى وقوع حرب أهلية انخرطت فيها الفصائل الفلسطينية كطرف مساند للحركة الوطنية اللبنانية. وقد عانت المخيمات الفلسطينية كما جميع المناطق اللبنانية من المعارك التي استمرت ١٥ عاماً متواصلة. 

تخلل تلك الفترة أحداث دامية في جميع المناطق اللبنانية كان من بين نتائجها تدمير مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا في ضواحي العاصمة بيروت بشكل كامل وسقوط ما يزيد عن ٣٠٠٠ شهيد فلسطيني، ليضاف ذلك إلى مخيم ثالث هو مخيم النبطية كان عدوان الطائرات الإسرائيلية قد دمره بشكل كامل ايضاً عام ١٩٧٤ حيث تم تهجير ساكنيه إلى بقية المخيمات على الأراضي اللبنانية. 

وفي عام ١٩٨٢ اجتاحت قوات العدوان الصهيوني لبنان وصولاً إلى العاصمة بيروت، ومع الخسائر الفادحة التي تكبدها الفلسطينيون واللبنانيون في الممتلكات والارواح نتيجة القصف المتواصل بالطائرات واستخدام أسلحة محرمة دولياً مثل القنابل العنقودية والفراغية، مع كل ذلك وبعد انتهاء القتال وانسحاب القوات العسكرية الفلسطينية من بيروت إثر اتفاقية "فيليب حبيب" ارتكب جيش العدوان بالتشارك مع ميليشيات لبنانية مجزرة بشعة في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين ومنطقة صبرا اللبنانية المجاورة بعد أن كانت قد أصبحت خالية من السلاح والمقاتلين، واختلفت التقديرات حول عدد الخسائر بين ١٠٠٠ و ٣٥٠٠ شهيد أكثرهم من الفلسطينيين.

هدف الاجتياح كان ضرب البنى التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، أي البيئة الفلسطينية اللبنانية الحاضنة للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. 

رغم كل تلك المآسي ينظر الفلسطينيون ومعهم اللبنانيون إلى تلك الفترة بأنها كانت الأفضل من الناحية الاقتصادية بسبب كميات الأموال الكبيرة التي كانت تضخها منظمة التحرير الفلسطينية في السوق اللبناني. ومع خروج المنظمة من لبنان عام ١٩٨٢ بدأ الإقتصاد اللبناني بالانهيار تدريجياً حيث إرتفع سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة اللبنانية مئات الأضعاف خلال ثماني سنوات. 

لقد قدمت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأم المتحدة (الأونروا) مساعداتها للاجئين الفلسطينيين في لبنان التي تشمل التعليم والاستشفاء والغذاء على مدى عقود منذ عام ١٩٥٠ مما اعانهم على الصمود في وجه التحديات الصعبة، ورغم أن تلك المساعدات لم تكن بالمستوى الكافي لتأمين الحياة الكريمة للاجئين الفلسطينيين استمر تقليص تلك المساعدات حتى وصلت اليوم إلى حدود الرمزية، وباتت الوكالة شعاراً سياسياً أكثر من كونها مؤسسة إغاثة إنسانية وخدماتية. 

إن هذه الحالة التي يعيشها اللاجئ الفلسطيني في لبنان مضافاً إليها الضيق الاقتصادي التي بات يعاني منه لبنان بشكل عام شكلت تهديداً للسلم الأهلي فيه، مما استدعى عام ٢٠٠٥ قيام الحكومة بتشكيل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، وهي لجنة لبنانية بحتة ليس فيها تمثيل فلسطيني وكان من المفترض، نظرياً، أن تقابلها لجنة فلسطينية للحوار الفلسطيني اللبناني ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. 

كان للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني مبادرات عديدة أهمها التدخل الإيجابي والفعال لإعادة إعمار مخيم نهرالبارد بعد تدميره بالكامل عام ٢٠٠٧ خلال الحرب بين الجيش اللبناني ومجموعات فتح الإسلام الدينية المتطرفة. 

وفي الجانب المقابل وحتى اليوم لم تتشكل لجنة فلسطينية للحوار مع الجانب اللبناني في ظل انقسامات سياسية فلسطينية عميقة الجذور، واقتصرت العلاقة مع لجنة الحوار اللبنانية على لقاءات موسمية تفرضها الظروف ويخوض غمارها عن الطرف الفلسطيني "سياسيون" من غير ذوي الإختصاص في القضايا قيد البحث. 

ومع ذلك فقد بادرت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني (لجنة لبنانية تتبع الحكومة) إلى تنظيم حوار لبناني داخلي حول الوجود الفلسطيني في لبنان عام ٢٠١٥ استمر لعامين، تمخض الحوار عام ٢٠١٧ عن ورقة عمل تحت عنوان "رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان" صدرت عن "مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان"، وهي لجنة تتكون من ممثلين عن الكتل النيابية اللبنانية والتي بدورها تمثل أبرز الأحزاب اللبنانية. أقرت هذه اللجنة ورقة عمل ومجموعة توصيات موجهة إلى الحكومة اللبنانية، اعتمدت فيها على إطار عمل يتكون من ثلاثة بنود:

١- الالتزام بالدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني.
٢- الإلتزام بمنظومة حقوق الإنسان بصفتها المرجعية العالمية للتعامل مع حقوق الأفراد والجماعات والبلدان.
٣- الحرص على المصالح الوطنية اللبنانية العليا التي تجسّد السيادة والاستقلال والعيش المشترك.

البند الأول يرتبط بشماعة "التوطين" التي اعتاد السياسيون اللبنانيون على تعليق جميع سياساتهم تجاه اللاجئين الفلسطينيين عليها، فحتى ذلك الوقت استمر رهاب التوطين ليكون هو الذريعة الناجعة لحرمان اللاجئ الفلسطيني من حقوقه. والتوطين هو مصطلح ورد في الدستور اللبناني دون أن يكون له تعريف قانوني محدد مما جعله مطاطاً وجاهزاً للاستخدام عند الطلب وبالتأكيد في غير مصلحة اللاجئين.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها قدمت مجموعة العمل في ورقتها إلى الحكومة اللبنانية اقتراحاً لتعريف "التوطين" بأنه "إعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الجنسية اللبنانية بشكل جماعي، بعضهم أو كلهم، من خارج السياق القانوني بموجب قرار سياسي مفروض في سياق تسوية إقليمية أو دولية، خلافاً للدستور، سواء تم ذلك دفعة واحدة أو بالتدرج". وكذلك حصرت تعريف اللاجئ الفلسطيني بثلاث فئات هي:

١- اللاجئون المسجلون لدى وزارة الداخلية والبلديات،
٢- لاجئو عام 1948 المسجلّون لدى وكالة الأونروا في لبنان،
٣- اللاجئون الفلسطينيون الذين حدّدتهم السلطات اللبنانية ضمن فئة فاقدي الأوراق الثبوتية.

إن هذا التعريف الواضح للتوطين وللاجئ الفلسطيني والصادر بالتوافق بين ممثلي جميع شرائح المجتمع اللبناني هو سابقة أولى تصب في مصلحة اللاجئين وهو المدخل لسن قوانين مناسبة لتنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان. 

والبند الثاني في إطار عمل المجموعة والمتعلق بالإلتزام بمنظومة حقوق الإنسان العالمية، هو الوسيلة لإيجاد مقاربة قانونية مناسبة لإقرار وتقنين حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في ظل تمنّع لبنان عن توقيع الاتفاقية الخاصة باللاجئين لعام ١٩٥١ نظراً للاعباء المترتبة على ذلك والتي لا يستطيع لبنان تحملها. 

وعليه، فقد خلصت مجموعة العمل فيما يخص البعد المعيشي إلى "أن يتم رفع القيود غير الضّرورية على منح وتمتّع اللاجئين الفلسطينيين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك حق العمل والحماية الاجتماعية، على أن يجري تنظيم ممارسة هذه الحقوق، وتجلياتها الملموسة، من خلال التشريع والسياسات العامة التي تراعي هذه الحقوق بما لا يتعارض مع مصلحة لبنان العليا وقدراته الواقعيّة ومصالح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

وأكدت مجموعة العمل على "حق اللاجئ الفلسطيني بالسكن اللائق، وضرورة مقاربة مسألة حق التملك، ومعالجة القضايا العالقة بعد صدور القانون 296/2001 الذي حرم اللاجئ الفلسطيني من حق التملك بما لا يتعارض مع أحكام الدستور ومصالح لبنان العليا وحقوق الإنسان."

كما أكدت المجموعة على "حق اللاجئين الفلسطينيين في العمل المدني، بما في ذلك تأسيس الجمعيات غير السياسية، وترى أنه يساهم في تنمية مجتمعهم وترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يخدم مصلحة لبنان ومصلحة اللاجئين الفلسطينيين معاً."

و "ترى مجموعة العمل أن رفض التوطين وتأييد حق العودة وجهان مترابطان للموقفين اللبناني والفلسطيني، حيث أن التوطين ليس مطلباً فلسطينياً ولا لبنانياً، بل هو مطلب إسرائيلي يحظى بدعم بعض القوى الدولية النافذة. عليه، فإن الأطراف اللبنانيين والفلسطينيين، وغيرهم من الأطراف الداعمين للبنان وللحق الفلسطيني هم في موقع مشترك في مواجهة هذا الخطر الخارجي."

من الناحية النظرية تمكنت ورقة العمل هذه من وضع حلول عملية وجذرية لأزمة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان توازن فيها بين الحقوق الإقتصادية والإجتماعية للاجئين الفلسطينيين وبين المصالح السياسية والإقتصادية للدولة اللبنانية. ولكن لم ينفذ أي شيئ من ذلك على أرض الواقع.

-يتبع-

حسام شعبان

إضغط هنا للإطلاع على الرؤية اللبنانية الموحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان.