بين صحوة الضمير العالمي وحرب الإبادة: قراءة موضوعية في مآلات السابع من أكتوبر
قراءة موضوعية في تداعيات السابع من أكتوبر ومآلاتها السياسية والجيوسياسية على القضية الفلسطينية والضمير العالمي.
بقلم: د. علاء أبوعامر
لا تندرِج هذه السطور في باب التبرير لعملية "طوفان الأقصى"، بل تُقدّم قراءةً موضوعيةً لحدثٍ استثنائيّ ما تزال ارتداداتُه وتداعياتُه تتفاعلُ على المستويين الإقليمي والدولي. لم يكن السابع من أكتوبر مجرد جولةٍ عسكرية عابرة، بل كان هزةً سياسيةً أطاحت بقواعد إدارة الصراع السابقة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي بعدما أُريد لها أن تُدفَن تحت ركام مسارات التهدئة والتطبيع المجاني.
لقد استطاعت غزة بدمائها المسكوبة وألمها الممتد—مُجبرَةً لا مخيّرة، إذ لم يقتنع أهلُها بالخنوع لهذا المصير القاسي—أن تُوقظ الضمير الإنساني من سباته الطويل، بعد أن اعتاد التعاطي مع فلسطين بوصفها قضية إنسانية مؤجلة إلى ما لا نهاية. ولم يعد الملف الفلسطيني شأناً إقليمياً محصوراً، بل تحول إلى رقمٍ صعب في الساحات السياسية والاستحقاقات الانتخابية عبر القارات؛ إلى حدٍّ شهدت فيه بعض الدول الغربية، كبريطانيا، صعود حراكاتٍ سياسية وشعبية تبنّت مواقف أكثر انحيازاً للحق الفلسطيني من بعض الفصائل والأحزاب الفلسطينية ذاتها، وهو تحول جيوسياسي وشعبي لم يكن ليخطر على بال أشد المتفائلين قبل سنوات قليلة.
وفي المقابل، فإن الصدمة الاستراتيجية العميقة التي أحدثها العمل العسكري لدى الاحتلال وحلفائه لا يمكن، بأي شكل من الأشكال، أن تُتخذ ذريعةً أو مسوغاً لحرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل الذي يشهده قطاع غزة. إن منهجية محو الحياة وتجريف المقومات الأساسية للوجود الإنساني لم تكن رد فعل انفعالياً أو وليدة لحظتها، بل هي التعبير الصريح عن العقيدة الصهيونية المرتكزة تاريخياً على التطهير العرقي وإلغاء الآخر؛ وهي سياساتٌ كانت تُمارَس بأساليب تدريجية ناعمة قبل الانفجار، ثم تجلّت بأبشع صورها المباشرة حين توفر لها الغطاء السياسي والدبلوماسي الدولي.
لقد أثبتت الوقائع المتلاحقة أن مسار المهادنة والانتظار السلبي لتنفيذ القرارات الدولية المعطلة لم ينتج سوى مزيدٍ من التغول الاستيطاني، وتدنيس المقدسات، ومضاعفة الحصار الاقتصادي الذي فرض موتاً بطيئاً على الشعب الفلسطيني. ومن هنا، فإن فهم جوهر ما جرى ينطلق من كونه تعبيراً عن استحالة استمرار ذلك الواقع الاستنزافي، ومواجهةً صريحة للعالم بضرورة إنهاء أصل الداء المتمثل في وجود الاحتلال.
تتجه التفاعلات الدولية والجيوسياسية المترتبة على هذا الحدث المفصلي نحو تشكيل واقع جديد يتجاوز المفاهيم القديمة؛ فقد كسرت الأحداث احتكارية الاحتلال للسردية الإنسانية أمام الرأي العام العالمي، وباتت ملاحقته قانونياً وسياسياً خياراً تُحرّكه المؤسسات العدلية والشعوب الحرة عبر العالم. وتتلخص أبرز نتائج المرحلة في ثلاث خلاصات رئيسة:
أولاً، أن صمود غزة رغم الكارثة الإنسانية أصلح الموقف الأخلاقي العالمي وجعل الحق الفلسطيني بوصلةً للحرية.
ثانياً، أن حجم الدمار أثبت للجميع أن سلوك الاحتلال ينطلق من عقيدة إلغائية أصلية وليست استجابة لحدث عابر.
ثالثاً، أن استثمار هذه المتغيرات يظل مرهوناً بقدرة المكونات الفلسطينية على بناء استراتيجية وطنية موحدة تجسر الفجوة بين الفعل المقاوم والحراك الدبلوماسي لتخفيف المعاناة عن المدنيين وحماية هذه التضحيات.
إن العبور الحقيقي نحو المستقبل يتطلب صياغة مشروع وطني جامع يستثمر الصحوة الشعبية الدولية المناهضة للاستعمار، ويحول الحراك الجماهيري والدبلوماسي إلى ضغط سياسي فعّال يُلزم القوى الكبرى بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية كاملة السيادة، بدلاً من الارتهان لخديعة "إدارة الأزمات" والحلول الجزئية المؤقتة.