خارج ثنائية الموت البطيء والسريع: نحو استراتيجية جامعة للتحرر

خارج ثنائية الموت البطيء والسريع قراءة استراتيجية تحليلية في مسارات التحرر الوطني والخيارات البديلة

خارج ثنائية الموت البطيء والسريع: نحو استراتيجية جامعة للتحرر
خارج ثنائية الموت البطيء والسريع: نحو استراتيجية جامعة للتحرر

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تنشأ المآسي الكبرى في تاريخ الشعوب الواقعة تحت الاحتلال حين يُختزل الصراع في مفاهيم تبسيطية تُخير الإنسان بين خيارين أحلاهما مر. فبين رهانٍ معزول على دبلوماسية بلا أنياب، وقَفْزةٍ في المجهول بغير توازن قوى، يقع الفكر السياسي في فخ الثنائيات القاتلة. إن الدبلوماسية المعزولة عن أي ميزان قوى ميداني لا تعدو أن تكون أداة لإدارة المشهد واستدامة الواقع القائم، حيث تُتحول الطاولة إلى مظلة تُغطّي الاستيطان والتمدد وتغيير معالم الأرض، بينما يتسرب الوقت من بين أيدي أصحاب الحق لحساب الأمر الواقع.

وفي المقابل، فإن الحديث عن أدوات المقاومة يستوجب التمييز الدقيق بين شرعية الحق القانوني ومقتضيات الفاعلية الاستراتيجية. إن الكفاح المسلح ليس خياراً يقع خارج المظلة الدولية، بل هو حق مكفول وموثق في أدبيات القانون الدولي؛ حيث أكد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3103 الصادر عام 1973، والبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977، على مشروعية كفاح الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي بكافة الوسائل المتاحة، بما فيها النضال المسلح، لنيل حقها غير القابل للتصرف في تقرير المصير. بيد أن هذا الحق المبدئي يظل محكوماً بالالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض التمييز التام بين المدنيين والمقاتلين وتطالب بحظر استهداف غير المقاتلين من أي طرف.(أتفهم احيانا أن الواقع الصهيوني يخلط بين المدني والعسكري فكل مواطن في الكيان أكان رجلا ام امرأة هو جندي احتياط لكن يظل التصنيف الدولي أنهم مدنيين). 

غير أن الخطأ المنهجي يكمن في اختزال مفهوم القوة في الفعل العسكري وحده أو المراهنة عليه بعيداً عن الرؤية الوطنية الشاملة. فالقوة التي لا تسندها استراتيجية كبرى ولا تحميها حسابات دقيقة لديناميكيات القوى الإقليمية والدولية قد تمنح الاحتلال غطاءً يستثمره لفرض تدمير شامل وتهجير جماعي. صحيح أن المحتل لا يبحث عن ذرائع لكيل بطشه، وأن الجريمة تظل قراراً سياسياً وأخلاقياً يتحمل هو مسؤوليته المباشرة، إلا أن الحكمة الوطنية تقتضي عدم تقديم الأوراق التي يُغطي بها عدوانه أمام العالم، والحرص على حماية بيئة الصمود المجتمعي.

إن القراءة المنصفة للواقع الدولي تفرض علينا كذلك الامتناع عن التعميم؛ فالاعتقاد بأن العالم أجمع اصطف خلف الجريمة يغفل تحولات عميقة في الوعي الإنساني والمواقف الشعبية عبر القارات، كما يغفل الدور التراكمي للمؤسسات القانونية والمحاكم الدولية. إن هذه الأطر القانونية لا تُحرر أرضاً بمفردها، لكنها تضع أوتاداً في جدار الشرعية الدولية، وتنزع عن الاحتلال غطاءه الأخلاقي، وتصنع عزلة سياسية تضيق معها خياراته على المدى البعيد.

إن الفخ الحقيقي الذي يجب الفكاك منه هو الانصياع للرواية التي تفرض الاختيار بين الموت البطيء تحت وطأة التهويد الهادئ، أو الموت السريع تحت المدافع. الصمود الوطني الحقيقي يتأسس على خيار ثالث: استراتيجية تحررية جامعة تتكامل فيها المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والاقتصادية والميدانية المشروعة والكفاح المسلح المدروس العواقب، وترفض التعدي على "المدنيين" لتبقى البوصلة الأخلاقية ناصعة، وتتخلى عن الرهانات السياسية العقيمة على الأطراف الدولية الانحيازية ولا تساوم على الحقوق مقابل الدعم المالي. إن الدولة والحرية لا تُمنحان كصدقة على موائد المفاوضات، ولا تُنتزعان بضربة خاطفة واحدة تجلب الكوارث، بل تُبنيان بتراكم هادئ وصارم للقوة والشرعية والصمود، وبالوحدة الوطنية الحقيقية التي تجعل من كل فرد شريكاً في معركة البقاء والتحرير.