رحيل "أولدريتش أميس".. الجاسوس الذي هز أركان الاستخبارات الأمريكية
أُسدل الستار على حياة أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الحرب الباردة، بوفاة أولدريتش أميس، ضابط وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) السابق والجاسوس الذي وصف بأنه "الأعلى أجراً في التاريخ"
واشنطن - غرف الأخبار
توفي أولدريتش أميس، أحد أكثر العملاء المزدوجين تدميراً في تاريخ الولايات المتحدة، عن عمر ناهز 84 عاماً في سجن بماريلاند، لينهي بذلك حياةً قضاها بين أروقة التجسس وقبضان السجون، بعد أن تسبب في مقتل العديد من العملاء وكشف أسرار استراتيجية حساسة لموسكو.
من "ابن الوكالة" إلى أخطر جواسيسها
لم يكن أميس غريباً عن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)؛ فقد كان والده يعمل بها، وانضم هو نفسه إليها في عام 1962. ورغم سجلٍ مهني لم يخلُ من الإخفاقات والزلات - كنسيان حقيبة وثائق سرية في قطار - إلا أنه تدرج في المناصب حتى تولى رئاسة قسم مكافحة التجسس في الشعبة السوفيتية، وهو منصب وضعه في قلب العمليات الأكثر سرية.
الدوافع: المال والزوجة الثانية
بدأ التحول الجذري في حياة أميس عام 1985، مدفوعاً بضغوط مالية خانقة وديون تراكمت بعد زواجه الثاني من "ماريا ديل روزاريو"، الملحقة الثقافية السابقة في السفارة الكولومبية. ولتلبية نمط حياة باذخ وفواتير هاتف دولية باهظة، دخل أميس السفارة السوفيتية في واشنطن ليعرض خدماته مقابل المال، حيث تقاضى في نهاية المطاف نحو 4.6 مليون دولار من جهاز (KGB).
الضربة القاضية والعمى الاستخباري
بسبب المعلومات التي قدمها، نجح السوفيت في كشف وتصفية ما لا يقل عن 10 من كبار العملاء الذين كانوا يعملون لصالح الغرب، ومن بينهم ضابط الكي جي بي الشهير "أوليغ غورديفيسكي". هذه المعلومات أدت إلى ما وصفه الخبراء بـ "العمى التام" للاستخبارات الأمريكية داخل الكتلة الشرقية لسنوات، حيث جفت منابع المعلومات الموثوقة من داخل الكرملين.
الخديعة والسقوط
رغم الشكوك التي حامت حوله بسبب ثرائه المفاجئ - حيث اشترى منزلاً نقداً بقيمة 540 ألف دولار وسيارة "جاكوار" فاخرة لا تتناسب مع راتبه الحكومي - إلا أنه نجح في خداع جهاز كشف الكذب "البوليغراف" مرتين. وبرر ذلك لاحقاً بقدرته على بناء "رابط ودي" مع الفاحصين، مما جعلهم يطمئنون له نفسياً.
انتهت مغامرته في فبراير 1994 حين أُلقي القبض عليه وعلى زوجته، وصرح حينها بعبارته الشهيرة للضباط: "إنكم ترتكبون خطأً كبيراً.. قبضتم على الرجل الخطأ". لكنه أقر بالذنب لاحقاً وحُكم عليه بالسجن المؤبد، فيما قضت زوجته 5 سنوات في السجن.
برحيل أولدريتش أميس في 5 يناير الجاري، تُطوى صفحة رجل ظل يُدرّس ملفه كأكبر ثغرة أمنية في تاريخ الـ (CIA)، ويبقى رحيله تذكيراً بواحد من أكثر الانتهاكات الاستخباراتية ضرراً في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب.