بقايا الألواح لمحمد محمود الدروبي

عنوان كتاب جديد لمحمّد محمود الدروبي (مواليد عمان 1970) وأستاذ الأدب العربي بجامعة آل البيت (الأردن) من منشورات (خطوط وظلال/عمّان، 2021).

بقايا الألواح لمحمد محمود الدروبي
بقايا الألواح: محمّد محمود الدروبي

عنوان كتاب جديد لمحمّد محمود الدروبي (مواليد عمان 1970) وأستاذ الأدب العربي بجامعة آل البيت (الأردن) من منشورات (خطوط وظلال/عمّان، 2021).

لقّب الدروبي نفسه على صفحة العنوان الداخلية بـ (عمرو بن بحر)، وهو اسم الجاحظ الأديب العربي العباسي (ت255هــ) مؤلّف (البيان والتبيين) و(الحيوان) و(البخلاء) وغيرها من الكتب الموسوعية الجامعة.

الجاحظ له دور بارز في ترسيخ صورة المؤلف النثري في مقابل المثقف الشفوي (الخطيب) وفي مقابل شخصية (الشاعر) الحاضرة بقوّة في الموروث العربي.

وقد سبق للدروبي أن عبر عن انتمائه الجاحظي في بحث متميز دافع فيه عن الجاحظ ودفع عنه جملة من التهم التي وجّهت إليه، وأسهم كذلك في نشر بعض ما لم ينشر من رسائله.

وعندما يتخذ الدروبي في كتابه الجديد من اسم الجاحظ لقبا له، فإنه يتطلّع إلى بلاغة الجاحظ وامتلائه المعرفي، فيصاحب تأثيره النثري في أسلوبه المنطلق الذي حرّر اللغة وأطلقها نحو آفاق رحبة، ويقبس من عقله الذي لا يَقبل الأمور بسهولة، بل يُقبل على الحِجاج مستمتعًا به كأنه رياضة من رياضاته المحبّبة.


صنّف المؤلّف كتابه تحت اسم (شذرات منثورة) وضمّنه (500) شذرة، تغرف جميعًا من جماليات اللغة العربية وتفيد من طرائق السلف في نثرهم الجميل.

لكل شذرة رقم وعنوان، ولكل منها بنية خاصة تظهر في طريقة الافتتاح والختام، وتظهر في اكتمال الشذرة واستقلالها ووحدتها الفنية والموضوعية، حتى لو كانت جملة واحدة، ولو كان (الدروبي) من أهل الحداثة وما بعدها لسمّى شذراته شعرًا أو قصائد نثر، ولكنه التزم حدود الكياسة والحصافة فسلك نفسه في نهج الجاحظ مفضّلا تصنيف (النثر) على الشعر، إيمانا بأن مكانة الناثر لا تقل عن مكانة الشاعر، ومن جهة ثانية كأنه يرى أن شروط الشعر ومكوناته مختلفة عما كتبه ورقّشه في هذه الشذرات. 


في الشذرات فيوض وخلاصات لتجارب تقرب من الحكمة أحيانًا، وتتزيّا باليوميات والذكريات حينًا آخر، يختلط فيها الخاص بالعام، والشخصي بالموضوعي، والذاتي بالجماعي، وفيها بعض لمحات من القصص، والحكايات الموجزة، والتوقيعات، والأمثال، والحكم، وطرائق العرب في الجدل والأجوبة المسكتة، وصياغة المفارقة اللغوية لكشف الزيف والتناقض في المواقف والسلوكات، وفيها قدر عال من الإشارات الثقافية التي توظّف المعرفة التراثية لصالح الدلالة المعاصرة، مما يفتح الكتاب على بلاغة التناص، فمن دون هذه البلاغة لن تصل إلى القارئ الإشارات الجميلة إلى تعبيرات ولمحات تراثية كثيرة اغتنت بها بها الشذرات.


أعجبني الكتاب حقا، في إفادته من فكرة الألواح التي تفتح التأويل على عالم المخطوطات والكتابة على الطين والحجر وسعف النخيل..

إنه يذكرنا بمبدأ الكتابة والمحو، وبالكتابات القديمة المنسية، يعيدنا لمْحًا إلى ألواح سومر وموسى، وإلى مخطوطات البحر الميت، وإلى اللغة وبلاغة الكلمات التي قد تليّن الحجر بما تحمله من أثر، وقد تجعل من الطين قلبًا نابضًا بالحبّ وشهوة الحياة.

-  (تعليقة كتبها، محمد عبيد الله، إثر مطالعته لكتاب (بقايا الألواح) لمحمد الدروبي، 21/4/2021).