مع قصيدة محمود درويش: يطير الحمام يحط الحمام

حين تقرأ نصوص الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش، تندهش وتهتز لفرادته وشموليته وعمقه، ومن قصائده الجميلة الرائعة المبهرة "يطير الحمام.. يحط الحمام" التي يغنيها مارسيل خليفة

مارس 22, 2022 - 15:18
مارس 22, 2022 - 15:21
مع قصيدة محمود درويش: يطير الحمام يحط الحمام

حين تقرأ نصوص الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش، تندهش وتهتز لفرادته وشموليته وعمقه، ومن قصائده الجميلة الرائعة المبهرة "يطير الحمام.. يحط الحمام" التي يغنيها مارسيل خليفة، وتتسم لغتها بالسلاسة والصفاء، ويأتي المشهد الحسي فيها على سجيته، ما ساعده على اقتناص اللحظة الجمالية والوثوب إلى جوهر الأشياء، فيقول:

يطير الحمامُ

يطيرُ الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ

فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ ...

صباحك فاكهةٌ للأغاني

وهذا المساءُ ذَهَبْ

ونحن لنا حين يدخل ظِلٌّ إلى ظِلِّه في الرخامِ

وأُشْبِهُ نَفْسِيَ حين أُعلِّقُ نفسي

على عُنُقٍ لا تُعَانِقُ غَيرَ الغَمامِ

وأنتِ الهواءُ الذي يتعرَّى أمامي كدمع العِنَبْ

وأنت بدايةُ عائلة الموج حين تَشَبَّثَ بالبرِّ

حين اغتربْ

وإني أُحبُّكِ، أنتِ بدايةُ روحي، وأنت الختامُ

يطير الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

أنا وحبيبيَ صوتان في شَفَةٍ واحدهْ

أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشاردهْ

وندخل في الحُلْمِ، لكنَّهُ يَتَبَاطَأُ كي لا نراهُ

وحين ينامُ حبيبيَ أصحو لكي أحرس الحُلْمَ مما يراهُ

وأطردُ عنه الليالي التي عبرتْ قبل أن نلتقي

وأختارُ أيَّامنا بيديّ

كما اختار لي وردةَ المائدهْ

فَنَمْ يا حبيبي

ليصعد صوتُ البحار إلى ركبتيّ

وَنَمْ يا حبيبي

لأهبط فيك وأُنقذَ حُلْمَكَ من شوكةٍ حاسدهْ

وَنَمْ يا حبيبي

عليكَ ضفائر شعري، عليك السلامُ

يطيرُ الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

رأيتُ على البحر إبريلَ

قلتُ: نسيتِ انتباه يديكِ

نسيتِ التراتيلَ فوق جروحي

فَكَمْ مَرَّةً تستطيعينَ أن تُولَدي في منامي

وَكَمْ مَرَّةً تستطيعين أن تقتليني لأصْرُخَ: إني أحبُّكِ

كي تستريحي?

أناديكِ قبل الكلامِ

أطير بخصركِ قبل وصولي إليكِ

فكم مَرَّةً تستطيعين أن تَضَعِي في مناقير هذا الحمامِ

عناوينَ روحي

وأن تختفي كالمدى في السفوحِ

لأدرك أنَّكِ بابلُ، مصرُ، وشامُ

هذه القصيدة لم يكتبها درويش من فراغ، وعندما قال "أعد لي الأرض كي أستريح فإني أحبكِ حد التعب"، فقد كتبها وخاطب فيها امرأة تدعى حياة الجيني، وهي مترجمة مصرية، رآها في إحدى الأمسيات الشعرية التي دعي إليها، فوجدها هناك تضحك وتمازح رفاقها وتتحدث مع أصدقائها، فتعرف عليها وتبادلا بعض الكلمات الجميلة، وفي هذه اللحظة خفق قلبه وارتعش صدره، وكان درويش متزوجًا من رنا قباني بنت اخت الشاعر السوري نزار قباني فانفصل عنها وطلقها بعد ثلاث سنوات. وهكذا بدأت قصة حبه مع هذه المرأة، التي أعجب بها وتزوجها فيما بعد في منتصف الثمانينات، فعاش معها أيضًا ثلاث سنوات، وخلال هذه الفترة كتب قصيدته هذه "يطير الحمام"، وعندما سمع مارسيل خليفة بهذه القصيدة طلب من درويش أن يغنيها، فرفض درويش في البداية لأنها كانت قصيدة شخصية، لكنه وافق بعد ذلك أن يغنيها مارسيل.

وعن سبب انفصال درويش وحياة الجيني، يقول بعض أصدقائه أن درويش كان ضد الزواج لأنه باعتقاده إنه يعطله عن شعره وكتاباته، وثمة أمر آخر أفصح عنه درويش بنفسه، فقال:" لا أريد أن أجلب لاجئًا جديدًا للبلاد".

والقصيدة كقصائد درويش في الحب والوجد، مثل "مقهى صغير هو الحب" و"ريتا والبندقية"، يبث فيها لواعج الحب تجاه أنثى بعينها، ويدمج فيها جدليًا بين عشقه للمرأة وحبه للأرض الوطن، وفي كل قصائده في العشق يحضر الوطن بصورة مباشرة.

وتكشف هذه القصيدة عن مقدرة درويش على توليد المعاني، وابتكار الصور الشعرية الجديدة، واللجوء للاستعارات وتكثيف الدلالات، بتوظيف لعبة من الألعاب الشعبية للتعبير عن حبه للمرأة والوطن المغتصب السليب.

وما يسم القصيدة البناء الفني المحكم، وعمق الرؤية الفكرية والغنائية المدهشة العذبة، وقدرة درويش على توظيف التراث الشعبي، للتعبير عن الهم العام من خلال التجربة الذاتية الخاصة، هذا فضلًا عن أن القصيدة غنية بالدلالات عن الحب والأرض والأمل والتفاؤل، ويتجلى ذلك بقوله:

يطيرُ الحمامُ

يَحُطُّ الحمامُ

أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ

فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ ...

صباحك فاكهةٌ للأغاني

وهذا المساءُ ذَهَبْ

وفي الإجمال، هذه القصيدة نص مميز بجماله، ورقة ما فيه من حروف معطرة للحبيبة التي سكنته، وسحر الكلمات، وحبر سري للكتابة، وقد استفاد درويش من اللعبة الشعبية البسيطة "طار الحمام حط الحمام" في تدوين قصيدته، التي تُعد من أجمل القصائد في الشعر الفلسطيني والعربي الحديث.

شاكر فريد حسن اغبارية صحفي وكاتب فلسطيني مقيم في فلسطين .. السيرة الذاتية ولدت في التاسع والعشرين من آذار 1960 في قرية مصمص بالمثلث الشمالي، نشأت وترعرعت بين أزقتها واحيائها وشوارعها، أنهيت فيها تعليمي الابتدائي والاعدادي، والتعليم الثانوي في كفر قرع. لم أواصل التعليم الجامعي نتيجة الظروف والاوضاع الاقتصادية الصعبة حينئذ. التحقت بسلك العمل واشتغلت بداية كساعي بريد في قرية مشيرفة، وفي بقالة بمدينة الخضيرة، ثم في الأشغال العامة، وفي مجال الصحافة مراسلًا لصحيفة الاتحاد الحيفاوية، ثم تفرغت للعمل الثقافي والكتابة. شغفت بالكلمة وعشقت القراءة ولغة الضاد منذ صغري، تثقفت على نفسي وقرات مئات الكتب والعناوين في جميع المجالات الأدبية والفلسفية والاجتماعية والتراثية والفلسفية، وجذبتني الكتب الفكرية والسياسية والتاريخية والبحثية والنقدية. وكان ليوم الأرض ووفاة الشاعر راشد حسين أثرًا كبيرًا على تفتح وعيي السياسي والفكري والثقافي. وكنت عضوًا في لجنة احياء تراث راشد حسين، التي عملت على اصدار أعماله الشعرية والنثرية وإحياء ذكراه. وكذلك عضوًا في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين برئاسة المرحوم سميح القاسم. بدأت الكتابة منذ نعومة اظفاري، ونشرت أولى محاولاتي وتجاربي الكتابية في مجلة " لأولادنا " للصغار، وفي مجلة " زهرة الشباب " للكبار، وفي مجلة " مجلتي "، التي كانت تصدر عن دار النشر العربي، بعدها رحت أنشر في مجلة المعلمين " صدى التربية " وفي صحيفة " الانباء " ومجلة " الشرق " لمؤسسها د. محمود عباسي، وفي مجلة " المواكب ". بعد ذلك تعرفت على الصحافة الفلسطينية في المناطق المحتلة العام 1967، وأخذت انشر كتاباتي في صحيفة " القدس " و " الشعب " و" والفجر " و " الميثاق "، وفي الدوريات الثقافية التي كانت تصدر آنذاك كالفجر الأدبي والبيادر الادبي والكاتب والشراع والعهد والعودة والحصاد، ومن ثم في صحيفتي " الأيام " و " الحياة الجديدة. هذا بالإضافة إلى أدبيات الحزب الشيوعي " الاتحاد " و " الجديد " و " الغد ". وكذلك في صحيفة القنديل التي كانت تصدر في باقة الغربية، وفي الصحف المحلية " بانوراما " و " كل العرب " و " الصنارة " و " الأخبار " و " حديث الناس " و" الآداب " النصراوية التي كان يصدرها الكاتب والصحفي الراحل عفيف صلاح سالم، وفي طريق الشرارة ونداء الأسوار والأسوار العكية ومجلة الإصلاح، وفي صحيفة المسار التي اكتب فيها مقالًا أسبوعيًا، بالإضافة إلى عشرات المواقع الالكترونية المحلية والعربية والعالمية ومواقع الشبكة الالكترونية. تتراوح كتاباتي بين المقال والتعليق والتحليل السياسي والنقد الأدبي والتراجم والخواطر الشعرية والنثرية. وكنت حصلت على درع صحيفة المثقف العراقية التي تصدر في استراليا.