أبو دهمش . قصة من الواقع والاسماء مستعارة .

الزمن منتصف القرن التاسع عشر ، نظام الالتزام الاقتصادي للدولة العثمانية ، قدم امتيازات هائلة للملتزمين وعزز الاقطاع ، وسحق صغار الفلاحين ، ولم يبق من الأرض إلا ما زهد فيه الإقطاعيون

أبو دهمش . قصة من الواقع والاسماء مستعارة .

الزمن منتصف القرن التاسع عشر ، نظام الالتزام الاقتصادي للدولة العثمانية ، قدم امتيازات هائلة للملتزمين وعزز الاقطاع ، وسحق صغار الفلاحين ، ولم يبق من الأرض إلا ما زهد فيه الإقطاعيون ، من موارس بعيدة ، وجبال تكلفة إصلاحها اكثر بكثير مما تنتج ، لذلك تكالب عليها المرابعيون وصغار المزارعين وكدوا فيها استصلاحا وتعزيلا مع أولادهم وتمكنوا من تثبيت ملكيتهم لها .

كانت العائلات القوية من حيث العدد ، او تلك التي تقدم الخدمات للاقطاعيين وتسهل مهماتهم ، وتعلن الولاء والطاعة للاقطاع والولاة ، او تتحول إلى سوط في أيديهم تتغول على الأراضي المشاع وتضم الى ملكيتها ما تستطيع من الأراضي ، وكان لابد من بلطجي لكل عائلة يبطش بضعاف الناس او يخوض صراعا مع بلطجي آخر من عائلة أخرى في سبيل السيطرة على الأراضي . في مثل هذه الظروف لمع نجم إبو دهمش .

هما أخوان واحد ( سويهي ) ثعلب خبيث ، ذو نفس طويل ، وقدرة هائلة على تشكيل العلاقات اشتهر في زمنه باسم غبيش ، مع ان اسمه الحقيقي غير ذلك تماما . 

تقاسم ابو دهمش الأدوار مع أخيه غبيش ، فالأول للبلطجة والقتل والتخويف ، والثاني للاستحواذ على تأييد المتنفذين من الاقطاعيين والجندرما ، كان يكرمهم ويصنع لهم الولائم ، ولا يمانع أن يمسك بلجام فرس احدهم حتى ينزل عنها ، بل كان يجتهد في إضحاكهم بعد كل وليمة ، فيجلب لهم أخرسا وأطرشا من قطاريزه ، ويشبكهم في خلاف يتحول بعد لحظات إلى مباطحة ، فيقهقهون حتى تسمعهم الكلاب فتعوي ، والديكة فتصيخ ، خاصة رئيس الجندرمة ذو الصوت الدجاجي ، الذي كانت قهقهته شهقات نسوية وزعيق تجعل الديكة تتوهم انه أحدها .

اما ابو دهمش ، فكانت بارودته تلازمه ليل نهار ، ويمضي نهاره وجزءا من الليل على ظهر فرسه يطوف على الأراضي التي وضع يده عليها ، وسلمها لاخيه غبيش ، بطش بالكثيرين ، وكان الكل يخشاه ويكرهه ، ولكنه لم يكن يحسب حسابا لأحد ، لأن غبيش كان يحمي ظهره عند الحكومة ، وكانت أعقد المشاكل تحل بوليمة تتلوها بعض الخراف وجرار الزيت . 

مضي زمن تمكن ابو دهمش من تثبيت ملكية العائلة لمساحات متصلة من الأراضي، وعندما كان يتعذر اتصال واحدة بأخرى يقايضها غصبا مع مزارع بسيط ويجبره على القبول مهما بلغ الغبن في المقايضة .

في أواخر القرن التاسع عشر ، استطاع الاخوان تثبيت الأراضي ، وتم تسجيل ملكيتها للاخوين . ولكن أحد الحاقدين ، تمكن من ( ابو دهمش ) وغرز الشاعوب في حلقه ، وضاع دمه بين عشرات الحاقدين والمظلومين والكارهين ، وعلى الرغم من اجتهاد رئيس الجندرما في التحقيق والبحث ، وتعليق المشتبه فيهم على أشجار الزيتون ، وتربيطهم بحطاتهم والتسلية بجلدهم الا ان احدا منهم لم يعترف .

لم يعقب ابو دهمش ذكورا ، وترك بنتين ، سارع اخوه غبيش بتزويجهما لولدين من أولاده الخمسة ليضمن ان لا يشاركه احد بما استحوذ عليه من الأراضي ، وأصبح كل شيء ملكه وملك أولاده . وأصبح نصف اقطاعي له في كل ناحية ارض ، حتى وراء بيوت الناس ، وفي ساحاتهم .

كانت سياسة غبيش ان يستكثر من الاولاد ، فتزوج اربعة نساء ، حتى ارملة أخيه اصبحت إحدى زوجاته ولكن القدر شاء ان يرزقه بالبنات اكثر من الاولاد ، تزوجت البنات في عدة قرى مجاورة ، وكان يكرر على مسامع بناته انه من العار مشاركة الاخوان الذكور في الميراث بعد عمر طويل . واستكانت البنات ، ومضى الزمن ، ومات غبيش ، وهرم الابناء والبنات ، وأصبح أحفاد غبيش من بناته وأبنائه يتجاوزون المائة . 

اما الأحفاد من الابناء الذكور فقد تقاسموا وورثوا ، واما الأحفاد أبناء البنات فقد حرموا كما حرمت أمهاتهم . 

ولكنهم اخيرا تمردوا ، وطالبوا بحقوق أمهاتهم . وتضخمت ملفات حصر الإرث المتراكم ، ولكن في النهاية ، تفرق ما جمعه غبيش ، وما قضى من أجله ابو دهمش بين عشرات الأحفاد . وكأنك يا ابو دهمش ما غزيت .

اما غبيش الذي لم يترك ارملة من أقاربه الا وتزوجها ليحصر كل الأملاك بيديه . فقد توزعت املاكه كلها ، ومن كثرة الأحفاد كانت تبلغ حصة احدهم في المارس الواحد عدة أمتار مربعة . ولا احد منهم يترحم عليه بسبب الظلم الذي اوقعه على أمهاتهم. 

د. احمد عرفات الضاوي .