قراءة في المشهد السياسي والاعلامي لاغتيال الاعلامية شيرين ابو عاقلة .

تابعت بقلبي وعقلي كل التغطيات الاعلامية والتصريحات السياسية المتعلقة باغتيال الصحفية شيرين ابو عاقلة ، كنت أحاول ان أرى ماوراء المشهد ، وما بين سطور الاعلام

مايو 13, 2022 - 18:51
قراءة في المشهد السياسي والاعلامي لاغتيال الاعلامية شيرين ابو عاقلة .
قراءة في المشهد السياسي والاعلامي لاغتيال الاعلامية شيرين ابو عاقلة .

تابعت بقلبي وعقلي كل التغطيات الاعلامية والتصريحات السياسية المتعلقة باغتيال الصحفية شيرين ابو عاقلة ، كنت أحاول ان أرى ماوراء المشهد ، وما بين سطور الاعلام ، فتوصلت الى نتيجة واحدة ، ان كل ما صدر من تصريحات ومعظم التغطيات الاعلامية كانت مركبا وطيئا للاستعراض ، او تسجيل نقاط ومواقف ، الجهة الوحيدة الصادقة في هذا المشهد ، هي قبضات المشيعين وهتافاتهم ، وأصدق الدموع هي دموع الاطفال والنساء على شيرين الراحلة . 

شيرين حالة خاصة ، ليس لانها شيرين ، بل لانها على مدار اكثر من عقدين تطل علينا لتخبرنا بصدق ما يحدث في فلسطين ، كان لها حضور انساني وفي ملامحها وصوتها صدق ، جعل جميع المتابعين ممن تعنيهم فلسطين يفتحون لها مساحة خاصة في قلوبهم ، وراها الناس في قرى فلسطين ومخيماتها وهي تجوع وتعطش ، نامت في بيوتهم وشاركتهم موائدهم المتواضعة . وبحثت معهم عن قتلاهم بين الانقاض ، وشاهدت دماء الاطفال والنساء وهي تتدفق ساخنة من الاجساد ، كما شاهدت البنادق وزخات الرصاص وهي تعصف بالاجساد والبيوت . وربما بكت مع الباكين وحزنت مع المحزونين ، وهذه المواقف والمشاعر لا يمكن نقلها عبر الكاميرا ، لذلك عرفها اهل فلسطين بشكل مختلف وبعيون مختلفة عن عيون وقلوب القابعين امام الشاشات . 

هذه الخصوصية لشيرين هي من أعلى شانها وافرد لها هذه المساحة من الحب في القلوب . فكان الحزن عليها استثنائيا .

رصدت كغيري المشهد الاعلامي وسجلت الملاحظات التالية : 

قناة الجزيرة تعاملت مع الحدث وكان شيرين فقط عضو في أسرة الجزيرة ، ولم تربط في اي نشرة او تحليل او تعليق بين ماحدث لشيرين وبين القضية الأكبر وهي قضية الاحتلال ، فشخصنت الواقعة ، وسجلت مجموعة من الأهداف للجزيرة ، حيث بدت شيرين وكانها اعلامية للجزيرة بمعزل عن وطنها وقضيتها ، فتحولت الشهيدة الى مادة دعائية للجزيرة اكثر منها شهيدة بنت قضية ، لها جذور وانتماء ، هما سبب صمودها وفقدان حياتها ، وليس الجزيرة ، لقد أضافت شيرين الى أخلاقيات المهنة إضافات لا تتاح لأي اعلامي ، وهي انها بنت هذا التراب ، وبنت هذا الشعب المظلوم . وليست ابنة الجزيرة فحسب .

اما الفضائيات الاخرى والمنصات الاعلامية ، فمرت على خبر استشهادها كخبر عادي ، دون أن تلقي الضوء على ملابسات وظروف ودلالات اغتيالها ، وحدها الميادين غطت الحدث انطلاقا من بعد أعمق يتعلق بالاحتلال ، وان الاغتيال هو امتداد لممارسة طويلة من فجور الاحتلال وان شيرين هي واحدة من الاف الشهداء ، وان مسلسل القمع والقتل ما يزال مستمرا حتى لحظة تشييع الجثمان . بمعنى ان شيرين هي بنت قضيتها وليست بنت الجزيرة فقط .

تصريحات راس هرم السلطة ، استدعت الغثيان ، فما كاد لسانه ينزلق لتوصيف الجيش الاسرائلي بجيش الاحتلال ، حتى استدرك وألغى ما كاد يقوله ، فوصفه بالجيش الاسرائيلي ، فلم يطاوعه قلبه ان يصفه بجيش الاحتلال ، على الرغم من ان لسانه قال نصف التوصيف ثم استخدم الفرامل على لسانه .  

دول ( الاعتدال) او سمها ماشئت ، لم يصدر منها اي تعليق على المشهد الدموي في فلسطين عموما ، ولا على مشهد اغتيال شيرين ، وكانت فرصة سانحة لهم ليقولوا كلمة حق . أسوة بالدبلوماسية الغربية ، على الاقل . بل كان فرصة لينفوا عن انفسهم سمة الاستلاب المطلق . في لحظة انسانية لن يلومهم عليها احد .

جامعة الدول العربية لم تتوقف عند الواقعة او عند أي واقعة مصاحبة لتقول كلمة ، وكان الامر مسوغا ولو من الجانب الإنساني. 

كل التصريحات الدبلوماسية من برلمانيين غريبين ، تحدثت عن واقعة الاغتيال متجاهلة ما يحدث من احتلال وقتل يومي وفصل عنصري وتجويع وهدم ، وكل التصريحات جاءت في سياق واقعة كأنها محلية ، وجريمة عادية ارتكبها شخص غامض . مع ان الأيام ستكشف ان مرتكب هذه الحماقة كان يحمل قائمة مهام من أعلى المستويات .

كان مشهد اعتراض الجنازة وقمع حاملي نعش الشهيدة ، يدل على فجور وحمق وغباء ، وكان امام هذا الاحتلال فرصة ان يسجل نقطة لصالحه لو تغاضى مؤقتا امام حرمة الموت ، ولكن الفاجر لا يهمه ما يقال عنه ، فقد تجاوز كل المراحل الانسانية ، وبخاصة في غياب المحاسبة .

شيرين رحلت مقتولة من اجل وطنها وقضيتها ، ودفنت في القدس مثل اجدادها ، والشعب الفلسطيني وحده من ذرف دموعا صادقة عليها ، وبقية الدموع كاذبة او منافقة ، إذا كان راس الهرم قد منحها وساما ، فالشعب قد افسح لها في القلوب والشوارع والازقة والذاكرة الجمعية مساحة تتسع لآلاف النصب والاوسمة .

شيرين كان اسما عاديا ، ولكنه سيصبح له دلالات اخرى لا يعرفها غير الشرفاء والمناضلين . 

د. احمد عرفات الضاوي

د.احمد عرفات الضاوي احمد عرفات الضاوي كاتب فلسطيني من الاردن. صدر له : دراسة في ادب احمد فارس الشدياق وصورة الغرب فيه . مطابع الدستور . عمان الأردن 1994، مجموعة كهف الارانب وقصص أخرى للفتيان . رابطة الكتاب الاردنيين . 1994، التراث في شعر الرواد . دبي . مطابع البيان .1998 .، المسرحية الشعرية احلام الطفل العربي وزارة الثقافة .عمان .2003، رواية للفتيان بعنوان خذوني إلى السماء .امانة عمان الكبرى عام 2003، بوح الزيتون .سيرة وزارة الثقافة .عمان 2019.، الرواية المنشورة . الدلال حسن . دار يافا للنشر . عمان .2018.