دونالد ترامب يراجع خطة إيران ويشكك في "تنازلات" طهران
ترامب يعرب عن تشككه في مقترح إيران لإنهاء الحرب، مؤكداً أن طهران لم تدفع الثمن الكافي، وسط استمرار الحصار البحري وتحريض إسرائيلي لاستئناف القتال الشامل.
دونالد ترامب يفتح ملف المفاوضات مع إيران وسط تشكيك في "نوايا طهران"
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من التكهنات السياسية والعسكرية بعد أن أعلن عبر منصته "تروث سوشيال" أنه بصدد مراجعة بنود الخطة التي أرسلتها طهران مؤخراً إلى واشنطن. ورغم فتح الباب أمام المراجعة الدبلوماسية، إلا أن ترامب لم يخفِ تشككه العميق في إمكانية قبول هذه المقترحات، مشيراً بلهجة حادة إلى أن إيران "لم تدفع بعد الثمن الكافي لما فعلته بالإنسانية والعالم خلال السنوات الـ47 الماضية". وتأتي هذه التصريحات في لحظة فارقة من الصراع، حيث تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على إيران شهرها الثالث، مع استمرار الحصار البحري الذي تفرضه البحرية الأمريكية على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة الطاقة العالمية.
وفي منشوره الذي تابعه الملايين، أضاف ترامب: "سنرى ما إذا كانت إيران مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية، لكنني لست متفائلاً. لقد اعتادوا على المماطلة والخداع لعقود". ويعكس هذا الخطاب استراتيجية "الضغط الأقصى" التي يتبناها ترامب، والتي يبدو أنها تحولت من العقوبات الاقتصادية إلى المواجهة العسكرية المباشرة. وتزامن هذا المنشور مع تقارير دبلوماسية كشفت عن تقديم إيران اقتراحاً منقحاً عبر وسطاء باكستانيين، وهو المقترح الذي وصفه ترامب في وقت سابق بأنه "غير مرضٍ"، رغم استمرار بعض الاتصالات الهاتفية التي تهدف لمنع الانفجار الشامل في المنطقة.
مأزق الحرب المفتوحة: هل فشلت القوة العسكرية في تطويع طهران؟
على المقلب الآخر من المشهد، تبرز تحليلات أمريكية تحذر من أن القوة العسكرية الغاشمة لم تنجح حتى الآن في تغيير الموقف التفاوضي لإيران. ويرى المحلل السياسي الأميركي ألكسندر لانجلويس، المحرر في مجلة "الديمقراطية في المنفى"، أن مسار الحرب يكشف فشلاً واضحاً في تحقيق الأهداف السياسية المرسومة. فبعد تسعة أسابيع من القتال العنيف، لا تزال طهران متمسكة بشروطها الأساسية، بل إنها بدأت في تكييف قدراتها العسكرية مع الواقع الجديد، حيث تداولت الأنباء أن إيران تكثف جهود استخراج الصواريخ والذخائر من تحت الأنقاض لمواجهة تصعيد محتمل، مما يشير إلى أن قدرة النظام على الصمود لم تنكسر بعد.
ويشير لانجلويس إلى أن قرار ترامب إلغاء زيارة مبعوثيه إلى إسلام آباد عقب انهيار المفاوضات غير المباشرة يعكس تعثراً سياسياً موازياً للفشل الميداني. إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية؛ فمن جهة، هناك ضغوط اقتصادية هائلة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات التضخم مع اقتراب انتخابات الكونغرس، ومن جهة أخرى، هناك كلفة باهظة للعمليات المستمرة، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفة الحرب على إيران تتجاوز 50 مليار دولار وسط خسائر فادحة في المعدات واللوجستيات الأمريكية.
مضيق هرمز ورهان الحصار: "أسطول الظل" يكسر الطوق
الحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على الموانئ الإيرانية كان يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على الاستسلام، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال الاستراتيجية. فرغم الوجود العسكري المكثف، لم تنجح واشنطن في إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية الآمنة، كما لم تنجح في منع إيران من تصدير نفطها عبر ما يعرف بـ "أسطول الظل"، خاصة إلى الأسواق الآسيوية مثل الصين. هذا الفشل في السيطرة المطلقة على الممرات المائية وضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج أمام حلفائها الذين يعانون من نقص إمدادات الطاقة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار سياسة الحصار قد يحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو السيناريو الذي تفضله طهران لقدرتها على التكيف مع الظروف الصعبة. إن رهان إدارة ترامب على إضعاف إيران عبر الضغط العسكري يبدو غير واقعي في ظل تشديد طهران لسيطرتها على نقاط الاختناق الملاحي، وهو ما يضع التجارة العالمية أمام شلل محتمل في أي لحظة. إن طهران لا تحتاج لإغلاق المضيق فعلياً، بل يكفيها التهديد المستمر لخلق حالة من الذعر في الأسواق العالمية، وهو ما تحقق بالفعل.
تحريض إسرائيلي وتأهب لاستئناف القتال الشامل
في غضون ذلك، يمارس الاحتلال الإسرائيلي دور المحرض الأساسي لعودة العمليات العسكرية بكامل قوتها. فقد صرح وزير الحرب في جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، بأن الحرب على إيران "قد تعود قريباً"، مدعياً أن الضربات السابقة أخرت البرنامج النووي الإيراني لسنوات. ويأتي هذا التصريح في وقت يرى فيه قادة الاحتلال أن أي اتفاق لا يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب بالكامل ووقف التخصيب هو "فشل ذريع". ويرى الاحتلال أن هذه اللحظة التاريخية يجب استغلالها للقضاء نهائياً على التهديد الإيراني، بغض النظر عن الكلفة الإنسانية أو الاقتصادية.
وتشير تقارير عبرية إلى أن الكابينيت الإسرائيلي ينتظر "الضوء الأخضر" من واشنطن لشن موجة جديدة من الهجمات الجراحية والواسعة. وفي اعتراف لافت، أقر مسؤول رفيع في جيش الاحتلال بأن استهداف مواقع الأمن الداخلي ونقاط تفتيش الباسيج كان يهدف لدفع الشارع الإيراني للاحتجاج، لكن هذه الاستراتيجية توقفت بعد فشلها في تحقيق اختراق سياسي داخلي. ورغم أن إدارة ترمب تعلن انتهاء الأعمال القتالية رسمياً ضد إيران في بعض البيانات الدبلوماسية، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى هدنة هشة جداً قد تنفجر في أي لحظة.
المفاوضات المتعثرة وجذور الأزمة في قرار 2018
تعود جذور هذا التأزم إلى قرار الرئيس ترامب عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي، وهو القرار الذي يراه المحلل لانجلويس حجر الزاوية في انهيار الاستقرار الإقليمي. اليوم، تحاول إيران المناورة عبر المقترح الذي سلمه وسطاء باكستانيون، والذي يتضمن تأجيل مناقشة الملف النووي إلى ما بعد التوصل لوقف دائم لإطلاق النار وفك الحصار عن مضيق هرمز. لكن هذا المقترح يصطدم بتعديلات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي يصر على أن يكون الملف النووي هو المبتدأ والمنتهى في أي مسودة تفاوضية.
إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في "مستنقع جديد" في الشرق الأوسط، حيث الأدوات العسكرية أثبتت محدوديتها في فرض إرادة سياسية كاملة على دولة بحجم إيران. ومع تصاعد نبرة التهديد من جانب "إسرائيل" وتشدد الموقف الإيراني، يبقى خيار العودة إلى القتال هو الأكثر ترجيحاً ما لم يتم التوصل إلى تسوية واقعية تعالج جذور الصراع. إن المنطقة بأسرها تقف اليوم على فوهة بركان، بانتظار قرار ترامب النهائي بشأن "التنازلات" الإيرانية التي يراها حتى الآن غير كافية لمسح "خداع العقود الماضية".
المصدر: يلا نيوز نت | تاريخ النشر: الأحد 3 مايو 2026