جائزة "القلم الذهبي للحرية" لعام 2026 تتوج تضحيات صحفيي قطاع غزة ضد حرب الإبادة
منحت الرابطة العالمية للصحف جائزة "القلم الذهبي للحرية" لعام 2026 لمصوري وكالات الأنباء العالمية في قطاع غزة، تقديراً لبطولتهم في توثيق حرب الإبادة الإسرائيلية.
في حَدث إعلامي وحقوقي بارز بارز، أعلنت الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار (WAN-IFRA) عن منح جائزة "القلم الذهبي للحرية" المرموقة لعام 2026 لمصوري الفوتوغراف ومخرجي الفيديو التابعين لوكالات الأنباء العالمية الثلاث الكبرى: وكالة فرانس برس (AFP)، وأسوشيتد برس (AP)، ورويترز (Reuters)، العاملين في قطاع غزة. ويأتي هذا التكريم الدولي الرفيع توهيجاً للدور الأسطوري الذي لعبه هؤلاء الصحفيون الفلسطينيون في توثيق فصول حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني في القطاع منذ أكتوبر 2023، مخاطرين بحياتهم كل لحظة لنقل الحقيقة البشعة إلى مجتمع دولي يصم آذانه، وفي ظل منع الاحتلال الإسرائيلي الممنهج والتعسفي لدخول الطواقم الصحفية الأجنبية للتغطية.
تكريم في مرسيليا وتجسيد لبطولات الميدان
ومن المقرر أن تحتضن مدينة مرسيليا الساحلية العريقة جنوب فرنسا حفل تسليم الجائزة يوم الاثنين المقبل، وذلك على هامش أعمال المؤتمر العالمي الـ 77 لوسائل الإعلام الإخبارية. وتحمل هذه الدورة رمزية خاصة بفضل هذا التكريم الذي يُنصف حراس الحقيقة في أخطر بقعة على وجه الأرض حالياً. وبما أن الجائزة مُنحت للأطقم العاملة في الميدان، فقد تم اختيار ثلاثة من المصورين الفلسطينيين البارزين الذين جسدوا بآلامهم وعدساتهم معاناة شعبهم، لتمثيل زملائهم الأبطال واستلام الجائزة في فرنسا نيابة عن كل رفاق القلم والكاميرا الذين ما زالوا يصارعون الموت في غزة، أو الذين ارتقوا شهداء.
والمصورون الذين سيقفون على منصة التكريم هم: محمد سالم (ممثلاً عن وكالة رويترز)، وفاطمة شبير (ممثلة عن وكالة أسوشيتد برس)، ومحمد البابا (ممثلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية). وتعتبر منصات التواصل الاجتماعي والوكالات العالمية شاهدة على آلاف الصور والمقاطع التي أنتجها هؤلاء الزملاء، والتي أصبحت مراجع تاريخية وقانونية تدين مجازر الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين العزل والأطفال والنساء.
محمد البابا: الجائزة تكريم للشهداء والمعتقلين أولاً
وفي مقابلة خاصة ومؤثرة مع شبكة الجزيرة، أكد المصور الفلسطيني المخضرم محمد البابا، الذي قضى سبعة أشهر متواصلة ومريرة يوثق المجازر وأهوال الحرب في غزة قبل أن يتمكن من مغادرة القطاع قسراً، أن هذه الجائزة تحمل دلالات إنسانية ومهنية وعظيمة جداً في هذا التوقيت الفارق. وقال البابا، بلهجة تكسرها الأسى على فراق الأحبة ويملؤها الفخر بصمود الزملاء: "هذه الجائزة لا تختص أبداً بالمصورين الأحياء فقط، أو الذين تمكنوا من الخروج، بل هي تشمل الكل بلا استثناء".
وأضاف البابا موضحاً الفلسفة الحقيقية لهذا التكريم: "هذه الجائزة تشمل الصحفيين الذين استشهدوا وهم على رأس التكريم وفي مقدمة الصفوف، والجرحى الذين يحملون أوسمة الحرب على أجسادهم، والمعتقلين القابعين في زنازين الاحتلال، والمختفين قسرياً، وبالتأكيد الزملاء الذين لا يزالون صامدين في غزة يواصلون التغطية تحت القصف والجوع، وهؤلاء هم حقاً رأس الحربة".
صور هزت الضمير العالمي وغيرت الذهنية الصحفية
وشدد البابا خلال حديثه على الأثر التاريخي والإستراتيجي لعدسات الصحفيين الفلسطينيين التي نجحت في اختراق الحصار وتجاوز الرواية الإسرائيلية الكاذبة، لتهز الرأي العام العالمي وتخرج الملايين في عواصم الغرب والشرق تنديداً بالعدوان. وأوضح قائلاً: "لولا الصور ولولا أفلام الفيديو والدماء التي سُفكت لتصويرها، لما كان هذا التغيير الدراماتيكي الذي نشهده في مواقف الشعوب وحتى بعض الحكومات في العالم. هذه الأعمال البطولية ساهمت بشكل مباشر وحاسم في تغيير أذهان العالم والذهنية الصحفية العالمية التي كانت تنظر للنزاع بعين واحدة".
وتأتي هذه الجائزة المرموقة في وقت عصيب وصفت فيه الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار صحفيي غزة بأنهم "ضحايا لهذا النزاع الدموي بقدر ما هم مؤرخون لحرب مدمرة اندلعت من حولهم واستهدفتهم بشكل مباشر". إن "القلم الذهبي للحرية" ليس مجرد مجسم معدني، بل هو اعتراف دولي بقدسية الرسالة التي يحملها الصحفي الفلسطيني بوجه آلة القتل الصهيونية.
أكثر من 260 شهيداً: ضريبة الدم الغالية للصحافة الفلسطينية
ولا يمكن الحديث عن هذا التكريم دون استحضار الثمن الباهظ والفادح الذي دفعه ويلي دفعه الجسم الصحفي الفلسطيني. فوفقاً لأحدث تقارير منظمة "مراسلون بلا حدود" ومنظمات حقوقية فلسطينية ودولية، فإن عدد الصحفيين والعاملين في قطاع الإعلام الذين استشهدوا بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023 قد تجاوز 260 صحفياً وصحفية. هذا الرقم المرعب يمثل تصفية ممنهجة لشهود العيان ومحاولة يائسة من الاحتلال لطمس الحقيقة واغتيال الرواية الفلسطينية.
لقد استهدف الاحتلال الإسرائيلي منازل الصحفيين، ومقراتهم، وخيامهم في المستشفيات، وحتى سياراتهم التي تحمل شارات الصحافة بوضوح، في انتهاك صارخ ومستمر للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحفيين في مناطق النزاع. وتأتي جائزة "القلم الذهبي للحرية" لتؤكد مجدداً أن دماء هؤلاء الشهداء لم تذهب سدى، وأن صرختهم المدوية عبر كاميراتهم قد وصلت للعالم، وستبقى شاهدة أبداً على صمود شعب وإجرام احتلال.
المصدر: يلا نيوز نت