رمادُ الخرائطِ وسياداتٌ قيدَ الرَّهن: دمشقُ وأنقرة في فلكِ "الفيتو" الإقليمي
كيف تقرأ دمشق وأنقرة تحولات السيادة المشروطة وظلال الفيتو الإقليمي والأمريكي في ظل التوترات الأمنية الأخيرة؟ تقرير تحليلي يكشف أبعاد المشهد.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تنهضُ سوريةُ من ركامِ عقودٍ مضت لتجدَ نَفسَها أمامَ جغرافيا مثقلةٍ بالديونِ السياسية، وحكومةِ إدارةٍ مرحليةٍ لم ترثِ الأرضَ فحسب، بل ورثتْ معها خطوطاً حمراء رسمتْها عواصمُ القرارِ بالبارودِ والتكنولوجيا. وحينَ تتقاطعُ خطوطُ الهاتفِ بين تل أبيب ودمشق ناقلةً وعيداً حاسماً من رأسِ "الموساد" لوزيرِ الخارجيةِ السوريّ يحذّرُ فيهِ من مغبَّةِ احتضانِ قواعدَ تركية، فإنَّ النقاشَ يتجاوزُ نفيَ المسؤولينَ أو إثباتَ وجودِ القواعدِ من عدمهِ؛ ليرتطمَ مباشرةً بصلبِ السؤالِ الوجودي: هل سوريةُ الجديدةُ دولةٌ كاملةُ السيادة، أم أنَّ كبرياءَها الوطنيَّ باتَ معلّقاً على حبالِ المصالحِ الصهيو-أمريكية؟
إنَّ المشهدَ السرياليَ الذي تجلَّى في سماءِ مطارِ "أبو الظهور"، حيثُ رصدتِ الراداراتُ التركيةُ حركةَ المقاتلاتِ الإسرائيليةِ وهي تنقضُّ على هدفِها دونَ أن تجرؤَ أنقرةُ على تفعيلِ مضاداتِها أو حظرِ أجوائِها بـ"فيتو" أمريكيٍّ صارم، يُعرّي طبيعةَ العلاقاتِ في الإقليم. هنا يتضحُ أن التبريراتِ والنفيَ المستمرَ الصادرَ عن دمشق وأنقرة لـ"واشنطن" و"بروكسل" وتل أبيب ليسَ مجردَ مناوراتٍ دبلوماسيةٍ عابرة، بل هو اعترافٌ ضمنيٌّ بنمطٍ جديدٍ من "السيادةِ المشروطة". لقد تحوَّلَ المفهومُ التقليديُ للاستقلالِ إلى معادلةِ "واقعيةٍ أمنية"، تُجبرُ الجوارَ الإقليميَّ على تقديمِ صكوكِ براءةٍ وطمأنةٍ للقوى الفائقة، تفادياً لضرباتٍ مجهِضةٍ قد تئدُ العهدَ السوريَّ الانتقاليَّ في مهدِه.
وفي عمقِ هذهِ التوازنات، تتبدى الاستراتيجيةُ التركيةُ كحساباتٍ نفعيةٍ محصورةٍ في هواجسِها الذاتية. فلم يكنْ همُّ أنقرةَ يوماً من دعمِ المعارضةِ وإسقاطِ النظامِ السابقِ تمكينَ دمشقَ عسكرياً في مواجهةِ العدوِ التاريخي، بقدرِ ما كانَ اندفاعاً لمحاصرةِ تمددِ الأكرادِ في الشمالِ السوريِ واحتوائهم. لقد قَبِلتْ تركيا، رغمَ ثقلِها الإقليمي، أن تتحركَ تحتَ سقفِ المسموحِ بهِ أمريكياً وإسرائيلياً، تاركةً العمقَ السوريَّ مكشوفاً أمامَ الاستباحةِ الجوية، ما دامَ أمنُ حدودِها المباشرِ خارجَ دائرةِ الخطر.
تستمرُّ سوريةُ الانتقاليةُ في تلمُّسِ طريقِها نحو الاستقرار، محكومةً ببراغماتيةٍ قاسيةٍ تجعلُ من طمأنةِ الخصومِ ممرَّاً إلزامياً للبقاء. وطالما بقيتِ العواصمُ الفاعلةُ قادرةً على إملاءِ شروطِها من خلفِ الستار، ستبقى السيادةُ السوريةُ منقوصةً ومؤجلة، ريثما تكتملُ صياغةُ عقدٍ وطنيٍّ متحررٍ من رهنِ التفاهماتِ السريةِ والإملاءاتِ العابرةِ للحدود.