أسامة حمدان يكشف أسرار 7 أكتوبر وبداية معركة التحرير

قراءة تحليلية في حديث أسامة حمدان عن خلفيات 7 أكتوبر، وأهداف العملية، ودور يحيى السنوار، ومعايير النصر والهزيمة، ومستقبل المقاومة والمفاوضات.

أسامة حمدان يكشف أسرار 7 أكتوبر وبداية معركة التحرير
أسامة حمدان يكشف أسرار 7 أكتوبر وبداية معركة التحرير
تنبيه منهجي: هذه المقالة تلخّص وتحلّل ما ورد على لسان القيادي الفلسطيني أسامة حمدان في حوار بودكاست، مع عرض أسئلة المذيع وسياق النقاش.

مقابلة تبحث عن معنى 7 أكتوبر لا عن وصفه فقط

تقدّم الحلقة حوارًا سياسيًا مباشرًا مع أسامة حمدان، القيادي في حركة حماس وأحد المتحدثين البارزين باسمها، حول عملية 7 أكتوبر، وما سبقها من ظروف، والنتائج التي يرى الضيف أنها ترتبت عليها، إضافة إلى مستقبل الحرب والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ومصير المقاومة وسلاحها.[1] لا يكتفي الحوار بالسؤال عن تفاصيل يوم واحد؛ بل ينتقل سريعًا إلى سؤال أوسع: كيف تقرأ حركة حماس ذلك اليوم داخل مسار طويل من الحصار والاحتلال والمفاوضات والضغوط الإقليمية؟

منذ بدايته، يكشف الحوار عن اختلاف بين معيارين للتقييم. المذيع يطرح سؤالًا عسكريًا وواقعيًا: هل كان من الأفضل الحفاظ على الوضع القائم في غزة وتجنّب استفزاز قوة تتلقى دعمًا أمريكيًا وغربيًا واسعًا؟ أما حمدان فيجيب من زاوية استراتيجية وسياسية مختلفة، قوامها أن الوضع السابق لم يكن مستقرًا أصلًا، وأن غزة كانت تواجه تهديدًا مركبًا: حصارًا مستمرًا، ومشروعًا إسرائيليًا معلنًا، وضغوطًا لتصفية القضية الفلسطينية، واستعدادات عسكرية يقول إن الحركة رصدتها قبل العملية.[1]

بهذا المعنى، لا يعرض الضيف 7 أكتوبر بوصفه حادثة منفصلة، بل بوصفه نقطة تحوّل في معركة يعتبرها ممتدة. وفي المقابل، يضع المذيع أمامه الكلفة الإنسانية والسياسية والعسكرية الهائلة التي ترتبت على الحرب، ويسأل عن المعيار الذي يمكن من خلاله إعلان هزيمة حماس أو انتصارها. وبين السؤالين يتشكل جوهر الحلقة: هل يقاس النصر بالنتيجة النهائية، أم بالقدرة على تغيير قواعد الصراع والاستمرار فيه؟

أولًا: رواية ما قبل 7 أكتوبر — تراكمات لا لحظة منفردة

يبدأ حمدان تفسيره بالتأكيد على أن القرار لم ينشأ، بحسب روايته، من فراغ أو من رد فعل آني. فهو يتحدث عن «مجموعة من العوامل» تراكمت قبل 7 أكتوبر، ويربطها بما يصفه بمشروع إسرائيلي معلن يهدف إلى ضم القدس والضفة الغربية، وإفراغ غزة من سكانها، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة أو التهجير، ثم إنهاء القضية الفلسطينية خارج أي اتفاق يضمن حقوق الفلسطينيين.[1]

ويضع الضيف «الاتفاقيات الإبراهيمية» داخل هذا الإطار السياسي. فبحسب قراءته، لم تكن تلك الاتفاقيات مجرد ترتيبات لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بل جزءًا من مسار إقليمي يتجاوز القضية الفلسطينية ويهمّشها تدريجيًا. وفي هذه الرواية، كان الخطر لا يكمن في عملية عسكرية محتملة فحسب، وإنما في إعادة ترتيب المنطقة بطريقة تجعل القضية الفلسطينية ملفًا ثانويًا، أو تحوّلها إلى قضية قابلة للإدارة بدل أن تبقى قضية تحرر وحقوق وطنية.[1]

يضيف حمدان أن تقديرات الحركة، كما يعرضها في المقابلة، تضمنت معلومات عن نوايا إسرائيلية للعدوان على قطاع غزة، واستعدادات مسبقة لا تقوم على قرار لحظي، بل على استطلاع وعمل استخباري وجمع معلومات. وهو يربط ذلك بالواقع العسكري المحيط بالقطاع، مشيرًا إلى وجود تشكيلات عسكرية إسرائيلية قوية وقوات محتشدة حول غزة على مدار الساعة. وهذه النقطة تؤدي دورًا أساسيًا في منطقه: إذا كان الخطر قائمًا قبل العملية، فإن الاكتفاء بالحفاظ على الوضع السابق لا يعني بالضرورة تجنّب الحرب، بل قد يعني انتظارها في ظروف أكثر سوءًا.[1]

غزة في صورة «الحصار البطيء»

في المستوى الاجتماعي والإنساني، يرفض حمدان التصوير الذي يقدّم غزة على أنها كانت تعيش حياة مستقرة أو مريحة قبل 7 أكتوبر. ويستخدم لغة شديدة الكثافة لوصف الحصار، معتبرًا أن القطاع كان يعيش ما يشبه الموت البطيء والصامت. هذه العبارة ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا في حديثه، بل هي الأساس الذي يبني عليه تبريره لضرورة التحرك؛ إذ يرى أن استمرار الوضع القائم كان يحمل في داخله تآكلًا تدريجيًا للقدرة على الصمود وللحضور السياسي للقضية.[1]

«غزة كانت تموت ببطء، تموت بصمت مطبق يغلف الجريمة الإسرائيلية.»
أسامة حمدان في الحوار.[1]

ومن خلال هذا الوصف، ينقل الضيف النقاش من سؤال: «لماذا بدأت العملية؟» إلى سؤال آخر: «هل كان الوضع السابق قابلًا للاستمرار أصلًا؟». غير أن هذا الانتقال لا يلغي السؤال المقابل عن مسؤولية القرار وعن تبعاته على المدنيين؛ وهو السؤال الذي يعود إليه المذيع في أجزاء لاحقة من المقابلة، عندما يتحدث عن تدمير المساكن والجوع والنزوح وانهيار شروط الحياة.

ثانيًا: لماذا لم تُحفظ القوة للدفاع بدلًا من المبادرة؟

السؤال الأكثر مباشرة في الحوار هو ما إذا كانت حماس قد أخطأت في المبادرة. فالمذيع يفترض أن قوة مثل إسرائيل، بما تملكه من دعم أمريكي وغربي، كان يمكن أن تُواجَه باستراتيجية دفاعية تحفظ قدرات الحركة وتؤجل المواجهة إلى وقت أكثر ملاءمة. ويطرح احتمال أن يحدث تغيير سياسي في إسرائيل أو الولايات المتحدة، بما يجعل الانتظار خيارًا أقل كلفة من فتح مواجهة واسعة.[1]

يرد حمدان بأن السؤال، في تقديره، يصعب طرحه بالمنطق نفسه بعد وقوع العملية، لكنه يقبل مناقشته واقعيًا. جوهر إجابته أن المبادرة حققت، وفق قراءته، نتائج سياسية وعسكرية لم يكن يمكن تحقيقها بمجرد انتظار الهجوم. وهو لا يقول إن العملية حققت التحرير الكامل، بل يكرر بوضوح أن 7 أكتوبر «فتح معركة التحرير» ولم ينجز التحرير النهائي.[1]

هذه الصياغة تكشف عن الفرق بين «الهدف النهائي» و«التحول المرحلي». فالعملية، بحسب خطاب الضيف، لا تُقاس فقط بالمساحة التي سيطر عليها المهاجمون في الساعات الأولى، ولا بالنتيجة العسكرية المباشرة، بل بما أحدثته من صدمة في صورة إسرائيل، وما أعادته إلى مركز النقاش العالمي حول القضية الفلسطينية، وما تسببت فيه من إعادة تعريف لموقع المقاومة في الوعي الفلسطيني.

ثالثًا: النتائج الأربع التي ينسبها حمدان إلى العملية

يقول حمدان إن العملية حققت منذ يومها الأول أربع نتائج واضحة. وفي عرضه، تتوزع هذه النتائج على أربعة مستويات: عسكري، وإقليمي، وأمريكي، وفلسطيني، ثم يضيف إليها مبدأً يتعلق بكيفية تقييم المعارك الجارية. ويمكن تلخيص البنية التي يقدمها الحوار في الجدول التالي، مع التأكيد أن هذا تلخيص لقراءة الضيف لا حكم مستقل على الوقائع.

المستوى خلاصة ما يقوله حمدان دلالة الطرح داخل الحوار
عسكري انكسار هيبة الجيش الإسرائيلي بوصفه جيشًا قادرًا على حماية إسرائيل وفرض مظلة أمنية إقليمية ضرب صورة الردع الإسرائيلي، بحسب رواية الضيف
أمريكي ودولي انكشاف الاعتماد الإسرائيلي على التدخل والدعم الأمريكيين نقل الولايات المتحدة، في خطابه، من صورة الراعي للسلام إلى صورة الطرف المنخرط في الحرب
فلسطيني تقويض خطاب العجز والهزيمة والقبول بالاندماج في المشروع الصهيوني إعادة وضع التحرر، لا مجرد التعايش، في مركز الوعي السياسي الفلسطيني
منهجي لا يمكن إصدار حكم نهائي على معركة لا تزال مستمرة التمييز بين تحسين الأداء أثناء القتال وتقييم النتيجة بعد نهايته

1. كسر صورة الردع الإسرائيلي

يرى حمدان أن النتيجة الأهم تمثلت في انهيار صورة الجيش الإسرائيلي كقوة لا يمكن اختراقها، أو كجيش يضمن أمن إسرائيل ويستطيع أن يؤدي دور المظلة الأمنية في المنطقة. وهو يربط هذه الصورة بالمشاريع الإقليمية التي كانت تمنح إسرائيل دورًا أمنيًا متزايدًا، معتبرًا أن نجاح مقاتلين فلسطينيين في الوصول إلى مواقع داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية شكّل صدمة استراتيجية، بغض النظر عن مآلات الحرب التي تلت ذلك.[1]

في هذا الجزء، لا يتعامل حمدان مع العملية باعتبارها مجرد اشتباك محدود، بل باعتبارها ضربة لصورة القوة. فالجيوش لا تعمل بالسلاح وحده، بحسب المنطق الذي يقدمه، وإنما تعمل أيضًا بالردع وبالاعتقاد العام بأنها قادرة على حماية حدودها ومواطنيها. وعندما تتعرض هذه الصورة للانهيار، يصبح ترميمها هدفًا سياسيًا وعسكريًا بحد ذاته.

2. إظهار الاعتماد على الولايات المتحدة

ينتقل الحوار بعد ذلك إلى الدور الأمريكي. ويقول حمدان إن مشهد اليوم الأول كشف، في تقديره، عجز إسرائيل عن إدارة الرد العسكري بمفردها، وإن التدخل الأمريكي كان عاملًا أساسيًا في تمكينها من مواصلة الحرب. ويستند في حديثه إلى تصريحات ينسبها إلى قادة إسرائيليين وأمريكيين حول حجم الدعم العسكري والذخائر التي وصلت إلى إسرائيل.[1]

لا يقدّم الحوار توثيقًا مستقلًا لهذه التصريحات داخل الحلقة، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها جزءًا من حجة المتحدث لا بوصفها نتائج تحقق صحفي نهائي. لكن دلالتها في سياق المقابلة واضحة: حمدان يريد القول إن 7 أكتوبر لم يكشف هشاشة إسرائيل وحدها، بل كشف أيضًا طبيعة التحالف الذي تستند إليه، وأعاد تعريف الولايات المتحدة من وسيط محتمل إلى طرف مباشر في الصراع.

3. إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني

أما النتيجة الثالثة، فيضعها حمدان في مجال الوعي الفلسطيني. فهو يقول إن خطابًا من الهزيمة كان قد بدأ بالانتشار، يقوم على فكرة أن الفلسطينيين عاجزون ومحاصرون، وأن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو الانخراط في المشروع الإسرائيلي أو القبول بوضع الأقلية أو الدولة ثنائية القومية ضمن شروط القوة القائمة. ويعتبر أن العملية قوّضت هذا الخطاب وأعادت القضية إلى سؤال التحرر.[1]

هنا يظهر البعد الأيديولوجي والسياسي للخطاب بوضوح. فالمقصود بالنصر، وفق هذه الرؤية، ليس فقط السيطرة على أرض أو إلحاق خسارة بالخصم، بل تغيير تعريف الممكن سياسيًا. إذا انتقل المجتمع من الاعتقاد بأن الصراع انتهى إلى الاعتقاد بأنه ما زال مفتوحًا، فإن ذلك يُعدّ، في منطق المتحدث، نتيجة استراتيجية حتى لو لم يتحقق الهدف النهائي.

«السابع من أكتوبر لم يحقق التحرير، هذا صحيح، ولكن السابع من أكتوبر فتح معركة التحرير.»
أسامة حمدان في الحوار.[1]

4. التحذير من تقييم الحرب في منتصفها

يصرّ حمدان على أن المعركة لا يمكن تقييمها وهي لا تزال جارية. ويقرّ بأهمية المراجعة، لكنه يميّز بين مراجعة الأداء أثناء المعركة، بهدف تصحيح الأخطاء وتحسين القدرة على الاستمرار، وبين إصدار حكم نهائي على النتيجة. ومن وجهة نظره، لا يمكن تقييم مسار كامل من خلال جولة واحدة أو خلال لحظة احتدام.[1]

هذه الفكرة ليست عسكرية فقط، بل هي أيضًا أداة خطابية للدفاع عن استمرار المقاومة. فكل نتيجة سلبية أثناء الحرب تُعاد، وفق هذا المنطق، إلى خانة الخسارة المرحلية، بينما يؤجل الحكم على النصر أو الهزيمة إلى ما بعد انتهاء المسار. وبهذا يصبح الزمن عنصرًا أساسيًا في تعريف النتيجة: ما يبدو هزيمة في لحظة قد يتحول، في قراءة لاحقة، إلى جزء من مسار أطول.

رابعًا: قرار 7 أكتوبر — قرار مؤسسي أم حلم شخصي ليحيى السنوار؟

يطرح المذيع تفسيرًا شخصيًا للعملية، فيسأل عما إذا كان القرار قد ارتبط بحلم راود يحيى السنوار خلال سنوات سجنه، أو برغبة ثأرية دفعته إلى المخاطرة بمصير أكثر من مليوني فلسطيني. ويشير السؤال إلى احتمال أن يكون السنوار قد حقق ما أراده شخصيًا ثم مضى شهيدًا، بينما بقي المجتمع يدفع كلفة القرار.[1]

يرفض حمدان هذا التفسير، ويبدأ من آلية اتخاذ القرار داخل الحركة. يقول إن شخصًا، مهما كانت مكانته، لا يستطيع أن يجرّ المؤسسة إلى قرار لا تتخذه هي، ويميّز بين القرار الاستراتيجي بالمواجهة، الذي يعود إلى المستوى القيادي والمؤسسي، وبين تحديد ساعة الصفر وشكل العملية، اللذين يربطهما بالقيادة العسكرية.[1]

تكشف هذه الإجابة عن رغبة في نقل مسؤولية القرار من مجال السيرة الفردية إلى مجال المؤسسة. فبدلًا من تقديم 7 أكتوبر بوصفه اندفاعة قائد واحد، يعرضه حمدان بوصفه نتيجة فلسفة عامة للحركة، باعتبارها حركة مقاومة ترى مواجهة الاحتلال جزءًا من مبرر وجودها. وفي الوقت نفسه، لا ينفي دور السنوار، لكنه يرفض اختزاله في الثأر الشخصي.

السنوار بين تجربة السجن ودراسة الخصم

يقدّم حمدان صورة السنوار بوصفه قائدًا استخدم سنوات سجنه في دراسة إسرائيل ومعرفة نقاط ضعفها. ووفق روايته، لم تكن سنوات السجن فترة انتظار سلبي، بل تحولت إلى مساحة للتعلم والتحليل وبناء تصور عن كيفية مهاجمة الخصم. ويقول إن الخطوات التي سبقت العملية جاءت ضمن هذا السياق.[1]

كما يرفض فكرة أن السنوار كان يخطط للشهادة فقط. فالقائد، بحسب الوصف الذي يقدمه حمدان، كان يعتبر نفسه مشروع شهيد، لكنه كان في الوقت نفسه يخطط للنصر. ويستدل على ذلك بوجوده في الخطوط الأولى، وبقوله إن صورًا ولقطات أخرى قد تكون أكثر دلالة مما عُرض للجمهور.

وتتجاوز هذه الصورة الجانب العسكري إلى الجانب الرمزي؛ إذ يربط حمدان حضور السنوار في الميدان بطرح سؤال عن شرعية وجود إسرائيل ومستقبلها. وهو يعتقد أن السؤال لم يعد مطروحًا لدى الفلسطينيين وحدهم، بل بدأ يظهر داخل إسرائيل وفي وعي الإسرائيليين أنفسهم. وهذه، في تصوره، بداية تراجع للمشروع الإسرائيلي، وإن كانت هذه النتيجة تظل توقعًا وتحليلًا سياسيًا صادرًا عن الضيف.[1]

خامسًا: متى تكون حماس مهزومة؟ سؤال النصر والهزيمة

من أكثر أجزاء الحوار حساسية السؤال الذي يطرح فيه المذيع معيارًا عمليًا للهزيمة. فالمعارضون، كما يشرح، قد يقولون إن حركات المقاومة تفسر النصر بطريقة غير عقلانية؛ إذ يكفيها أن تبقى قادرة على الكلام، بينما يعيش شعبها وسط الدمار والنزوح والجوع وفقدان المساكن. ثم يسأل: ما الحدث الذي يمكن عنده إعلان هزيمة حماس؟[1]

يجيب حمدان بأن الهزيمة تبدأ عندما يفكر الإنسان بمنطق الهزيمة، وأن اعتبار التضحية نفسها انكسارًا يعني، في نظره، قبول تعريف الخصم للنتيجة. ثم يميّز بين نوعين من النصر. الأول هو النصر المطلق، ويشمل تحرير القدس والأقصى وإقامة دولة فلسطينية؛ ويقرّ بأن هذا الهدف لم يتحقق بعد. والثاني هو الانتصار بالنقاط، أي إنجاز بعض الأهداف والتقدم داخل مسار طويل.[1]

هذا التمييز يمنح الخطاب قدرة على استيعاب الخسائر دون الاعتراف بالهزيمة النهائية. فالنصر المطلق مؤجل، بينما يمكن تسجيل المكاسب الجزئية في مراحل مختلفة. وفي المقابل، يضع حمدان الاستسلام معيارًا أساسيًا للهزيمة: ما دام الاستعداد للمواجهة قائمًا، فإن الحرب لم تُحسم نهائيًا ضد المقاومة، حتى لو تراجعت وتيرة القتال أو ارتفعت الكلفة.

«أما النصر المطلق الذي يتحدث عنه هؤلاء، تحرير الأقصى والقدس وإقامة دولة فلسطينية، فبالتأكيد نحن نقول إننا لم نصل له بعد وأن المقاومة لم تحققه بعد.»
أسامة حمدان في الحوار.[1]

سادسًا: الكلفة الإنسانية في قلب النقاش

لا يمر الحوار على سؤال النصر دون أن يصطدم بالكلفة الإنسانية. فالمذيع يضع أمام الضيف صورة شعب فقد المساكن، ونساء وأطفالًا يعيشون في ظروف قاسية، وأزمة جوع ونزوح واسعة. ويشكّل هذا السؤال الاختبار الأخلاقي الأصعب لأي خطاب عسكري: هل يمكن الحديث عن «تقدم» أو «نصر بالنقاط» في ظل هذا الحجم من الدمار والمعاناة؟[1]

لا ينكر حمدان وجود الأثمان، لكنه يعيد تفسيرها ضمن طبيعة الصراع مع إسرائيل. ويقول إن أحدًا لا يستطيع تحقيق انتصار من دون تضحيات، وإن قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية يُستخدمان، في نظره، لكسر وعي المجتمع وإجباره على التخلي عن المقاومة. ومن هنا، يربط بقاء الاستعداد للمواجهة بالقدرة على منع تحقق هذا الهدف.[1]

هذه الإجابة تبيّن أن الخلاف في الحوار لا يدور فقط حول الوقائع، بل حول معيار التقييم نفسه. فالمذيع يركّز على النتائج المادية المباشرة: المساكن، الضحايا، الجوع، والقدرة على حماية المجتمع. أما الضيف فيركّز على النتيجة السياسية بعيدة المدى: هل نجح الاحتلال في فرض الاستسلام؟ وهل فقد الفلسطينيون إرادة المقاومة؟ وبين المعيارين مساحة واسعة من الجدل الأخلاقي والسياسي لا تحسمها المقابلة.

المقارنة مع الضفة الغربية

لتدعيم فكرته، يشير حمدان إلى الضفة الغربية، حيث يقول إن غياب عملية عسكرية واسعة لم يمنع سقوط قتلى ووقوع اعتداءات على مدنيين ومزارعين ومتظاهرين، إضافة إلى إحراق منازل ومحاصرة قرى وهجمات ينفذها مستوطنون، وفق وصفه.[1]

وظيفيًا، يستخدم الضيف هذه المقارنة للقول إن عدم المقاومة المسلحة لا يضمن انتهاء العنف؛ فالاحتلال، في روايته، يعتدي على الفلسطيني سواء كان مقاتلًا أو مدنيًا، مؤيدًا للمقاومة أو معارضًا لها. لكن من المهم الفصل بين عرض هذا الاستدلال وبين إثبات جميع أرقامه وتفاصيله؛ فالحوار، في هذه النقطة، يقدّم رواية سياسية لا تقريرًا توثيقيًا مستقلًا.

سابعًا: ورقة القوة والتفاوض — ليست حاملة طائرات

في مقدمة الحلقة، يُطرح سؤال عن وسيلة القوة التي بقيت لدى حماس كي تفاوض بها إسرائيل، خصوصًا أن موازين القوة التقليدية تميل بصورة كبيرة إلى إسرائيل وحلفائها. ويقرّ حمدان بأن أوراق القوة الفلسطينية لا تساوي حاملة طائرات، لكنه يعترض على افتراض أن الانتصار لا يتحقق إلا بامتلاك السلاح نفسه الذي يملكه الخصم.[1]

تنقل هذه الإجابة النقاش من القوة المادية إلى القوة السياسية. فالأوراق التفاوضية، في هذا المنطق، قد تكون القدرة على الصمود، وامتلاك قرار ميداني، وإبقاء القضية حاضرة، ومنع تحويل الصراع إلى ملف منتهٍ. ولا يعني ذلك أن التفوق العسكري يصبح بلا أهمية، بل يعني أن الضيف يرفض اختزال موازين القوى في عدد الطائرات والصواريخ وحدها.

وتظهر هنا مفارقة أساسية: كلما طال أمد الحرب ارتفعت كلفة الصمود على المجتمع، لكن استمرار الصمود قد يحافظ في الوقت نفسه على القدرة التفاوضية. لذلك لا يقدم الحوار إجابة بسيطة عن سؤال السلاح، بل يربطه بسؤال أوسع عن الهدف من التفاوض: هل يكون التفاوض لإنهاء الصراع بأي ثمن، أم لإنتاج ترتيب سياسي لا يلغي المقاومة والقضية الفلسطينية؟

ثامنًا: مستقبل إسرائيل والمنطقة في قراءة حمدان

في نهاية الجزء المتاح من الحوار، يطرح حمدان تصورًا لمستقبل المكانة الإقليمية لإسرائيل. ويرى أن فقدانها جزءًا من قيمتها الاستراتيجية قد يدفع الولايات المتحدة إلى البحث عن تحالفات جديدة في المنطقة لا تكون إسرائيل محورها الوحيد. كما يربط هذا الاحتمال بتراجع الثقة في قدرة إسرائيل على البقاء لاعبًا أمنيًا مهيمنًا.[1]

ويذهب أبعد من ذلك عندما يتحدث عن ظهور سؤال داخل إسرائيل حول إمكانية تجاوزها عتبة الثمانين عامًا. هذا النوع من الأسئلة ينتمي إلى مجال التوقع السياسي والاستشراف، لا إلى مجال النتيجة المثبتة. وهو يعكس، في الوقت نفسه، محاولة حمدان تقديم الحرب باعتبارها اختبارًا طويل المدى لشرعية المشروع الإسرائيلي، لا مجرد مواجهة على حدود قطاع غزة.

أما على مستوى القضية الفلسطينية، فتتكرر في حديثه فكرة عدم العودة إلى الوراء. فحتى إذا لم يتحقق التحرير النهائي، فإن الوعي الفلسطيني والعالمي، بحسب قراءته، تغيّر، وأصبح من الصعب إنهاء الصراع على حساب الفلسطينيين من دون معالجة حقوقهم ومطالبهم. وهذه خلاصة سياسية يقدّمها الضيف، بينما يظل مستقبل الحرب والمفاوضات والحدود السياسية مفتوحًا على احتمالات متعددة.

قراءة نقدية: ماذا يكشف الحوار عن معايير الصراع؟

تتجاوز أهمية الحلقة مضمون المواقف التي يطرحها الضيف إلى الطريقة التي تُبنى بها رواية الحرب. ويمكن قراءة الحوار عبر خمسة مستويات مترابطة.

أولًا، هناك مستوى السردية التاريخية. حمدان يضع 7 أكتوبر داخل تاريخ من الحصار والاحتلال والتهجير ومحاولات تصفية القضية. وبهذا يحوّل العملية من نقطة بداية إلى نتيجة لمسار سابق، بينما يتيح هذا الإطار للحركة تقديم القرار بوصفه استجابة لتراكمات لا مغامرة منفصلة.

ثانيًا، يظهر مستوى القرار المؤسسي. نفي التفسير الشخصي المرتبط بالسنوار يهدف إلى تأكيد أن العملية قرار حركة ومؤسسة، لا قرار فرد. وهذه النقطة مهمة لأن نسبة قرار بهذا الحجم إلى قائد واحد تجعل تقييمه مرتبطًا بشخصه، بينما تقديمه بوصفه قرارًا مؤسسيًا يجعله تعبيرًا عن فلسفة أوسع للمقاومة.

ثالثًا، يبرز مستوى الردع والصورة العسكرية. يركز حمدان على كسر الهيبة أكثر من تركيزه على السيطرة الجغرافية. وفي الحروب الحديثة، ترتبط القوة بالتصورات التي يكوّنها الخصوم والحلفاء عن قدرة الدولة أو الحركة على حماية نفسها. لكن هذه القراءة تظل جزئية إذا لم تُقارن بالخسائر اللاحقة وبقدرة كل طرف على تحقيق أهدافه النهائية.

رابعًا، هناك مستوى الوعي السياسي. يقدّم الضيف التحول في الخطاب الفلسطيني باعتباره نتيجة مركزية، وينقل النقاش من التعايش ضمن شروط القوة القائمة إلى التحرر وتقرير المصير. في المقابل، يذكّر سؤال المذيع بأن الخطابات السياسية تُختبر أيضًا أمام قدرة المجتمع على البقاء والحصول على الحماية والخدمات الأساسية.

خامسًا، وهو الأكثر حساسية، يظهر مستوى الأخلاق الإنسانية. فالحديث عن النصر لا ينفصل عن المدنيين الذين دفعوا كلفة الحرب. وهذه هي النقطة التي لا يكفي فيها تغيير تعريف النصر أو الهزيمة؛ إذ يحتاج التقييم الأخلاقي إلى النظر في حماية المدنيين، والقانون الدولي، والمسؤولية عن الأفعال، وحق السكان في الحياة والأمان، وهي قضايا لا تحسمها رواية طرف واحد.

جدول مركّز لأبرز أسئلة الحلقة وإجاباتها

سؤال الحوار خلاصة الإجابة كما وردت الملاحظة التحليلية
لماذا لم تُبقَ حماس على الوضع القائم في غزة؟ لأن الوضع القائم كان، وفق حمدان، حصارًا وتهديدًا ومشروعًا لتصفية القضية، وليس استقرارًا قابلًا للاستمرار يختلف الطرفان في تعريف «الوضع القائم»: هل هو فرصة للانتظار أم شكل من أشكال الاستنزاف؟
ماذا حققت العملية عسكريًا؟ كسر هيبة الجيش الإسرائيلي وإظهار هشاشة الصورة الأمنية التي تحيط به التركيز هنا على الردع والرمزية أكثر من النتيجة الإقليمية النهائية
هل كان القرار شخصيًا للسنوار؟ لا؛ القرار مؤسسي، والسنوار عمل ضمن فلسفة المقاومة وخطط للنصر لا للشهادة فقط ينقل التفسير من السيرة الفردية إلى مسؤولية المؤسسة
متى تُهزم حماس؟ الهزيمة هي الاستسلام والتفكير بمنطقه، أما التضحيات والخسائر فجزء من مسار المقاومة معيار الضيف معنوي وسياسي، بينما يطالب السؤال بمعيار مادي وإنساني قابل للقياس
هل تحقق النصر النهائي؟ لا؛ تحرير القدس والأقصى وإقامة الدولة لم يتحقق بعد، لكن توجد انتصارات مرحلية بحسب الخطاب اعتراف بالهدف المؤجل مع الدفاع عن المكاسب الجزئية
ما مستقبل السلاح والمفاوضات؟ لا تُقاس أوراق القوة بالسلاح التقليدي وحده، والقدرة على الصمود تبقى عنصرًا تفاوضيًا يظل السؤال مفتوحًا على ترتيبات سياسية لم تفصلها الحلقة بالكامل

خلاصة

تقدم المقابلة مع أسامة حمدان رواية متماسكة من داخل موقف حركة حماس: 7 أكتوبر، في هذه الرواية، لم يكن مغامرة منفصلة ولا ثأرًا شخصيًا، بل مبادرة جاءت بعد تراكم الحصار والتهديدات والمشاريع الإقليمية التي رأتها الحركة خطرًا على القضية الفلسطينية. ويعتبر حمدان أن العملية كسرت صورة الردع الإسرائيلي، وكشفت حجم الاعتماد على الولايات المتحدة، وأعادت الاعتبار إلى خطاب التحرر في الوعي الفلسطيني، ثم فتحت مسارًا لا يمكن تقييمه قبل نهايته.[1]

في المقابل، يصرّ السؤال الصحفي داخل الحلقة على أن أي تقييم لا بد أن يواجه ثمن الحرب الإنساني: القتل، والدمار، والنزوح، والجوع، وفقدان المساكن. ومن هنا تظل المسألة معلقة بين تعريفين للنصر. الأول تعريف استراتيجي طويل المدى يركز على الصمود وكسر الردع ومنع تصفية القضية. والثاني تعريف واقعي وإنساني يركز على حماية المجتمع وقدرة الناس على العيش ووقف الحرب.

القيمة الأساسية للحوار أنه يوضح هذا التناقض بدل أن يخفيه. فالمقابلة لا تقدم نهاية للصراع، ولا تحسم مستقبل السلاح أو المفاوضات، لكنها تكشف كيف تعيد الحركة تفسير قرارها ونتائجه، وكيف يواجه هذا التفسير أسئلة المسؤولية والكلفة والنتيجة النهائية. لذلك فإن قراءة الحلقة بعين نقدية تقتضي التمييز بين ما قيل بوصفه موقفًا سياسيًا، وما يحتاج إلى تحقق مستقل، وما يبقى توقعًا للمستقبل.