بين جغرافيا الجرح وعمق التاريخ: فلسطين وحتمية المدد العابر للحدود

جغرافيا فلسطين وعمقها التاريخي عبر العصور، وكيف تداخل صمود أهلها مع المدد العابر للحدود لتحقيق حتمية التحرير والانتصار في ملحمة صمود متجددة.

بين جغرافيا الجرح وعمق التاريخ: فلسطين وحتمية المدد العابر للحدود
بين جغرافيا الجرح وعمق التاريخ: فلسطين وحتمية المدد العابر للحدود

بقلم:د. علاء أبوعامر 

لم تكن فلسطين يوماً مجرد بقعة جغرافية عادية على خارطة العالم، بل كانت، ولا تزال، ملتقى القارات، ومحج الأرواح، وقلب الصراع الإستراتيجي عبر العصور. هذا الموقع الفريد جعلها تاريخياً عرضة لأطماع إمبراطوريات كبرى وقوى عالمية لا تقوى على مواجهتها منفردة أي جماعة بشرية مهما بلغت شجاعتها. من هنا، ينشأ لغط تاريخي يقع فيه البعض حين يحاكمون الماضي بوعي الحاضر، أو حين يفصلون دماء المدافعين عن أرضهم عن جسد أمتهم الكبير.

حين نبحر في تضاعيف التاريخ لهذه الأرض، نجد أن مقولة انفراد جهة ما بالتحرير أو الاستبسال تخالف طبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي ساد لقرون. في زمن الحروب الصليبية واجتياح المغول، لم تكن هناك وثائق سفر أو جنسيات تحدد هوية المقاتل؛ كان الانتماء فكرة والذود عن الأرض عقيدة. في معركة حطين، لم يكن صلاح الدين الأيوبي يتحرك بجيش وطني مغلق، بل بزحف إسلامي عارم، شكل فيه أهل فلسطين الحاضنة الشعبية والمدد اللوجستي والمعرفي بمسرح العمليات. وهم أنفسهم الذين تحولوا في عين جالوت إلى عيون للجيش المملوكي، وسد منيع قطع على التتار سبل التمدد.

وفي العصر الحديث، تجلت الهوية العسكرية لأهل هذه الأرض في محطات صاغت مفهوم المقاومة الذاتية. لقد وقف الفلاح والمثقف والتاجر الفلسطيني في طليعة المدافعين عن حياض بلادهم؛ فكانوا الوقود الحقيقي لجيش أحمد باشا الجزار الذي حطم كبرياء نابليون بونابرت تحت أسوار عكا. وقبل ذلك بقرون، عبرت تجربة ظاهر العمر الزيداني عن قدرة البيئة المحلية على إفراز قيادة سياسية وعسكرية تدير دفتها بأيدي أبنائها اعتماداً على مقاتلين محليين خبروا شعاب الأرض وتضاريسها.

ومع أفول الخلافة العثمانية ودخول الاستعمار البريطاني، انطلقت الثورات الخالصة من رحم المعاناة الفلسطينية؛ فكانت ثورة البراق، وتلتها تضحيات رفاق عز الدين القسام، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية الكبرى عام ستة وثلاثين وتسعمائة وألف، والتي سطر فيها الفدائيون ملحمة صمود دامت سنوات ضد أعتى إمبراطورية في ذلك العصر. وفي حرب ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف، كان "جيش الجهاد المقدس" بقيادة عبد القادر الحسيني تجسيداً حياً لرفض الهزيمة باللحم الحي والبنادق القليلة، قبل أن تتدخل الجيوش النظامية.

إن قراءة هذه المحطات بإنصاف تبرز حقيقة واحدة لا مجاملة فيها: لم يكن الفلسطيني يوماً متفرجاً على قضية بلاده، بل كان دائماً في الخط الأمامي، يدفع الضريبة الأولى من دمه وبيته. غير أن ضخامة القوى المحتلة وطبيعتها الإمبراطورية جعلت من التحرير الكامل معادلة رياضية وتاريخية تتطلب تلاحم هذا الصمود المحلي مع العمق الإستراتيجي المحيط به.

إن فلسطين عبر العصور لم تكن مجرد ساحة حرب، بل كانت ميزاناً لوعي الأمة وعنواناً لنهضتها أو انكسارها. ولم يكن إنسانها يوماً عاجزاً عن العطاء، بل قدم على مذبح الحرية ما ينوء بحمله الصخر. وتبتلع هذه الأرض الغزاة مهما طال ليلهم، لتبقى الحقيقة الساطعة أن التحرير ليس حدثاً عابراً تصنعه يد واحدة، بل هو صيرورة تاريخية يتشابك فيها رباط أهل الأرض وثباتهم مع نبض عمقهم الإنساني والعربي، ليعاد رسم فجر جديد طال انتظاره.