تحولات المعنى في الخطاب السياسي الإسرائيلي: نحو مرحلة الفطام عن واشنطن

قراءة تحليلية للدكتور علاء أبوعامر في تحولات العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، وتداعيات تراجع المساعدات العسكرية على الأمن والاقتصاد والاعتماد على الذات.

تحولات المعنى في الخطاب السياسي الإسرائيلي: نحو مرحلة الفطام عن واشنطن
تحولات المعنى في الخطاب السياسي الإسرائيلي: نحو مرحلة الفطام عن واشنطن

بقلم:د. علاء أبوعامر

لم يكن التصريح الأخير لرئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو لموقع "واللا" مجرد مناورة إعلامية عابرة، بل جاء بمثابة جرس إنذار يُعلن بوضوح عن دخول العلاقات الصهيونية الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من التحول. عندما يصرح رأس الهرم السياسي في تل أبيب بأن المساعدات العسكرية الأمريكية الضخمة، التي ظلت لعقود عماد الأمن القومي، في طريقها للزوال لأن أمريكا ذاتها قد تغيرت، فإن هذا الإقرار لا يستهدف تشخيص الواقع الفعلي للمزاج السياسي في واشنطن فحسب، بل يضع الصهاينة أمام حقيقة استراتيجية جديدة تُعيد رسم ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي للكيان.

على المستوى الاستراتيجي والسياسي، يعكس هذا الطرح ادراكاً لدى النخبة الحاكمة فيه بأن المظلة الأمريكية الشاملة، التي طالما وفرت حماية عسكرية وسياسية مطلقة، أصبحت خاضعة لحسابات حتمية التغير في البيئة الداخلية الأمريكية. إن الصعود المتنامي للتيارات الشعبوية، وتردد أصداء الأصوات الناقدة للدعم اللامحدود داخل المؤسسات التشريعية والمجتمعية الأمريكية، أوجدا واقعاً يجعل الرهان على استمرار تدفق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين أمراً غير مضمون. ونتيجة لذلك، يجد الكيان نفسها مكرهة على إعادة هيكلة عقيدتها الأمنية، والبحث عن صيغ جديدة للتعاطي مع محيطها الإقليمي والدولي مع الاعتماد المتزايد على القدرات الذاتية، وهو ما يتطلب تقليص مساحة المناورة الاستراتيجية التي كانت توفرها التفاهمات القديمة مع البيت الأبيض.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن هذا التحول يحمل في طياته تبعات مالية بالغة القسوة على الموازنة العامة. إن المساعدات العسكرية الأمريكية لم تكن مجرد تمويل لصفقات السلاح، بل كانت صمام أمان يتيح تخصيص موارد محلية ضخمة لدعم البنية التحتية، والتعليم، والقطاعات التكنولوجية المتقدمة. وفي حال تحول عبء الدفاع كاملاً إلى الخزينة الصهيونية، فإن الحكومة ستجد نفسها أمام خيارات معقدة، تبدأ بفرض مزيد من الضرائب والرسوم، ولا تنتهي عند تقليص الإنفاق الاجتماعي بشكل قد يمس بمستوى معيشة الفرد. أضف إلى ذلك أن زيادة الاستدانة لتغطية الفجوة العسكرية ستضع استقرار العملة والتصنيف الائتماني على المحك، مما يرفع تكلفة الاقتراض ويعوق جذب الاستثمارات الأجنبية التي تشكل شريان الحياة لقطاع التقنية العالية.

في الختام، يمثل تصريح نتنياهو اعترافاً صريحاً بنهاية الحقبة الذهبية التي اتسمت بالاعتماد الكامل والمضمون على الدعم الأمريكي. وإن كانت الرؤية التي طرحها تسعى لإظهار الاستقلالية وتجهيز الشارع الصهيوني لمرحلة الاعتماد على الذات، إلا أن استبدال المساعدات الخارجية بموارد محلية سيكلف الاقتصاد في الكيان أثقالاً باهظة، ويتطلب إعادة رسم أولويات الدولة بكاملها، وهو ما يضع دولة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي أمام اختبار تاريخي سيتحدد في ضوئه قدرتها على الصمود في بيئة إقليمية شديدة التوتر ومن دون ضمانات مالية وأمنية مطلقة.