من جغرافيا الترحال إلى ألمعاني الرمزية: بني إسرائيل والتأصيل المكاني في فلسطين القديمة
ملخص مقال د علاء أبوعامر عن جغرافيا الترحال والمعاني الرمزية لبني إسرائيل في فلسطين القديمة والتأصيل المكاني والسرديات التاريخية والكنعانية
بقلم:د. علاء أبوعامر
يتطلب فهم التاريخ القديم لأرض فلسطين تجريد القراءة التاريخية من السرديات المؤدلجة، والعودة بها إلى مجراها الطبيعي القائم على الأنثروبولوجيا وجغرافية العمران. وفي هذا السياق، تتبدى عشيرة بني إسرائيل كواحدة من الظواهر القبائلية التي نشأت وتفاعلت في الحاضنة الشامية، وتحديداً ضمن البيئة الفلسطينية التي اتسعت تاريخياً للعديد من البطون والعشائر البدوية التي توزع استقرارها وترحالها بين سهول الجليل، ووديان الضفة الغربية، وصحراء النقب.
إن المتأمل في نصوص العهد القديم يلمس بوضوح الطابع البدوي النمطي لهذه العشيرة؛ فقد عاشت مجتمعاتها على الترحال والخشونة، ومارست نمطاً معيشياً يأنف الانخراط المباشر في مظاهر التمدن الكنعاني المتجذر آنذاك، متمسكة بأعراف البادية وتقاليد الصحراء. غير أن هذا الامتناع عن التمدن لم يكن يعني عزلة عن المكان، بل يعكس حقيقة التفاعل بين الهامش البدوي والرقعة الحضارية الكنعانية المستقرة، وهو نموذج اجتماعي وثقافي تكرر كثيراً في أقاليم المشرق العربي عبر العصور.
ومن جانب آخر، فإن حصر النطاق الجغرافي لأحداث العهد القديم في أقاليم وسط الضفة الغربية وشمالها يفسر النسبة المكانية للفظة يهودا. إن إطلاق وصف اليهودية على تلك الأقوام لم يكن يعبر عن عرقيّة مغلقة بقدر ما كان انتساباً جغرافياً صريحاً إلى إقليم يهودا المحيط بالقدس. وتنسجم هذه القراءة مع ما أورده المؤرخ يوسيفوس في كتابه ضد أبيون نقلاً عن الفيلسوف أرسطو، حين أشار إلى أن تسميات الجماعات في تلك الناحية من العالم إنما تعود إلى الأقاليم والجغرافيا التي حلوا بها.
وفي هذا المجرى، تبرز دلالة لافتة في الإشارات النصية التي تصف المسيح بأنه إسرائيلي حقيقي، أو وصف نثنائيل بالوصف ذاته؛ إذ تشير هذه العبارات إلى مرحلة كان فيها الكيان القبلي القديم قد بدأ يتلاشى ويأفل من مسرح الوجود الاجتماعي والسياسي، ليصبح المسيح وكأنه واحد من بقاياه النوادر. واللافت في هذا التوصيف التاريخي أن صفة إسرائيلي ارتبطت تاريخياً وجغرافياً بسكان الإقليم الشمالي المعروف بالسامرة، ولم تكن تنطبق بمفهومها المكاني والقبلي على سكان الجليل، أو أهل إقليم يهودا، أو أدوميا الجنوبية.
ولعل الأهم في هذا الطرح هو أن هذه الطبيعة البدوية المترحلة لا تنفي عن تلك البطون صفة الانتماء للبيئة الفلسطينية؛ بل تكرسها. ومرد ذلك إلى حقيقتين تاريخيتين لا يقبلان الشك؛ الأولى هي أنهم كتبوا وتحدثوا بلغة أهل البلاد الأصليين واعتمدوا الأبجدية واللسان الكنعاني السائد، والثانية أن بنية عقائدهم ومروياتهم استمدت الكثير من مقوماتها ومفاهيمها من الفكر الديني والميثولوجي الكنعاني المحيط بهم، ثم أُعيد إنتاجها وفقاً لرؤيتهم القبلية الخاصة.
تتضح لنا في النهاية حقيقة أن وجود بني إسرائيل في فلسطين التاريخية لم يكن سوى فصل من فصول التعدد القبلي والعشائري الذي عرفته المنطقة. لقد كانوا عشيرة بدوية تنقلت في جنبات الأرض الكنعانية، وتحدثت بلسانها، واستقت من عقائدها، حتى إذا تلاشى وجودهم العشائري وتحول إلى مجرد إرث تاريخي أو نسبة جغرافية، ظلت حركتهم وسيرتهم جزءاً أصيلاً متصلاً بتاريخ هذه الجغرافيا الشاملة ولا يمكن فهمها بمعزل عنها.