بين حسابات الواقعية الجيوسياسية وكلفة المبدأ: قراءة نقدية في أبعاد قمة أبوظبي الموسعة ومآلات التنسيق الإقليمي
قراءة نقدية لقمة أبوظبي الموسعة وتداعيات التنسيق الأمني الإقليمي مع الكيان الصهيوني وسط تحديات القضية الفلسطينية.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تمر منطقة الشرق الأوسط بمنعطف جيوسياسي بالغ الحساسية، تتداخل فيه التهديدات الأمنية المباشرة مع مساعٍ حثيثة لإعادة رسم موازين القوى في الإقليم. وفي هذا السياق، جاء الإعلان الرسمي عن الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، ولقائه بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ليمثل خطوة علنية تعكس عمق التنسيق المشترك، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام قراءة نقدية متأنية حول جدوى هذه التحالفات وتوقيتها السياسي والأخلاقي.
ورغم أن البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين وضعت اللقاء في إطار بحث العلاقات الثنائية وملفات الاستقرار، إلا أن كواليس الغرف المغلقة سرعان ما تحولت إلى مادة لجدل سياسي واسع عقب صدور تسريبات إعلامية بالغة الأهمية. وتحدثت تلك التقارير عن تحول الاجتماع في جزئه الثاني إلى طاولة مستديرة موسعة وسرية، جرت هندستها بتنسيق من رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان، وبحضور مستشار الأمن القومي للكيان الصهيوني شموئيل بن عزرا.
ولم تقتصر المفاجأة على طبيعة الحضور الأولي، بل تمثلت في هوية الوفود المشاركة؛ إذ كشفت التسريبات عن انضمام مسؤولين رفيعي المستوى من دول عربية ترتبط بمعاهدات سلام كالأردن والمغرب، إلى جانب مشاركة لافتة لممثلين ومسؤولين من المملكة العربية السعودية. هذا الحضور الموسع ركز بشكل أساسي على بناء محور أمني لمواجهة التهديدات المشتركة والتصدي لما يسمى المشروع الإيراني، لاسيما في ظل المخاطر المستجدة على الجبهة اليمنية.
(وهنا يجب التوقف ملياً عند هذه الادعاءات؛ فإذا صحت هذه التسريبات الصهيونية بشأن مشاركة السعودية والأردن والمغرب، فإنها تظل حتى اللحظة بلا غطاء رسمي من العواصم المعنية، مما يفتح الباب واسعاً أمام احتمالية كونها أخباراً ملفقة أو مبالغاً فيها بشكل متعمد. إن بنيامين نتنياهو يمر بظروف سياسية معقدة ويواجه ضغوطاً داخلية هائلة، وهو في حاجة ماسة لترويج مثل هذه الاختراقات الدبلوماسية الوهمية ليعزز حضوره السياسي، ويظهر بمظهر القائد القادر على قيادة الإقليم وتطبيع العلاقات مع المحيط العربي، وذلك لكسب نقاط ثمينة أمام خصومه في الانتخابات القادمة).
وتكشف هذه التحركات المتسارعة، عند تفكيك أبعادها الاستراتيجية، عن ملامح رؤية أمريكية صهيونية تهدف واشنطن من خلالها إلى إحلال الكيان الصهيوني كشريك أمني رئيسي في المنطقة عبر ربطه بشبكة تحالفات وثيقة مع دول الخليج وبقية دول الإقليم. ومن خلال هذه الهندسة، تسعى الولايات المتحدة لتخفيف أعبائها العسكرية المباشرة والتفرغ لصراعاتها الدولية الكبرى، في مقابل تمكين الكيان الصهيوني ومنحه دوراً قيادياً في المنظومة الأمنية الإقليمية، وهو ما يتجاوز الكثير من الثوابت التاريخية والقومية المستقرة.
وفي هذا المشهد المعقد، يبدو الحضور السعودي الافتراضي مؤشراً على حسابات استراتيجية تتجاوز الأنماط التقليدية؛ فالرياض التي تمتلك تحالفات دفاعية متينة مع قوى إقليمية كبرى مثل باكستان وتركيا، تبدو كمن لا يكتفي بتلك المسارات وحدها في مواجهة التحديات الراهنة. لذا، قد يجري التعامل مع الكيان الصهيوني كخط دفاعي آخر، غير أن هذا الخيار تفرض معطياته شروطاً وضغوطاً أمريكية تفوق في كثير من الأحيان هوامش المناورة المستقلة للعواصم العربية، وتخضع لحسابات دولية مركبة.
وهنا تبرز الفجوة الحادة والمفارقة الصادمة في المشهد الإقليمي؛ فبينما تتحرك العواصم العربية بموجب ما تراها "واقعية سياسية" لحماية حدودها واستقرارها، تقع هذه التحركات الدبلوماسية في توقيت يتسم بالمرارة القصوى في الوجدان الشعبي العربي والفلسطيني، وسط استمرار حرب الإبادة والتطهير العرقي التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. إن الاندفاع نحو التنسيق الأمني والسياسي مع حكومة صهيونية إجرامية إبادية تواجه اتهامات دولية جسيمة، يضع هذه المقاربات البراغماتية في مأزق حقيقي، حيث تُنظر إلى هذه اللقاءات كغطاء سياسي يضعف من مركزية القضية الفلسطينية، ويمنح الكيان طوق نجاة دبلوماسي لفك عزلته الدولية وغطاء عربيا يقول للعالم إن جرائم نتنياهو مقبولة لدى العواصم العربية وفلسطين ليست اغلى من العروش.
إن هذا التباين الشاسع بين أولويات التوجهات الرسمية والنبض الحي للشارع العربي يعيد صياغة مفهوم الاستقرار في المنطقة؛ إذ لا يمكن لأي تحالف أمني أن يكتب له النجاح الدائم أو الشرعية الحقيقية إذا بُني على حساب الحقوق المشروعة لشعب يرزح تحت وطأة التنكيل اليومي.
إن التطورات الأخيرة، سواء ما توثق منها أو ما تسرب، تؤكد أن المنطقة تسير نحو نموذج تحالفي يقدم المصالح الأمنية المباشرة على الحسابات القومية والمبادئ التاريخية. غير أن التاريخ السياسي يثبت دائماً أن القفز فوق القضية الفلسطينية وتجاهل تضحيات أصحاب الأرض لن يثمر استقراراً حقيقياً، بل قد يؤسس لهشاشة إقليمية جديدة تدفع ثمنها المنطقة بأسرها مستقبلاً، ما دامت جذور الصراع الأساسية متروكة بلا حل عادل. ومن خلال هذه الفجوات، تثبت هذه الأنظمة أنها في العلن غيرها في السر، في زمن لم يعد فيه أسرار طالما كل ذلك تكشفه الصحافة الصهيونية وتترك أصحابه عراة بلا ضمائر.