بين ظلال النقوش وظنون المؤرخين: كيف يُكتب تاريخ "العرب" الأوائل؟

بين ظلال النقوش وظنون المؤرخين.. قراءة نقدية في جذور العرب الأوائل وإشكالية ربط الوجود التاريخي بالتسميات الخارجية والإمبراطورية.

بين ظلال النقوش وظنون المؤرخين: كيف يُكتب تاريخ "العرب" الأوائل؟
بين ظلال النقوش وظنون المؤرخين: كيف يُكتب تاريخ "العرب" الأوائل؟

مقدمة في جدل التسميات والتاريخ

هل صَنعت النقوش القديمة شعوباً وهمية وألغت أخرى حقيقية؟ في دهاليز علم الآثار والفيلولوجيا، يثور جدل دائم حول "أول ذكر تاريخي للعرب"؛ بين فرضيات لغوية تربطهم بنقوش أكدية في الألف الثالث قبل الميلاد، وبين إجماع علمي يؤرخ لظهورهم الصريح في القرن التاسع قبل الميلاد عبر المسلات الآشورية.

يطرح هذا المقال قراءة نقدية وموضوعية تفكك مغالطة "ربط الوجود بالتسمية"، ويكشف كيف أن غياب مصطلح "العرب" في الحقب السحيقة لم يكن دليلاً على عدم الوجود، بل كان انعكاساً لـ "تسميات خارجية" ومتغيرة أطلقها الجيران والإمبراطوريات على القبائل العربية، من "الشاسو" والفراعنة، إلى قبيلة "طيء" والصينيين، ليعيد بناء الحكاية الحقيقية لأمة ضربت جذورها في أعماق الأرض قبل أن تُسجلها محابر المؤرخين.

بين النص والحجر: إشكالية القراءة الاستنتاجية

حيث يتحرك علم الآثار واللغات القديمة في مساحة رمادية شاسعة بين النص المكتوب على الحجر والتأويل الذي يضفيه الباحث؛ فهو ليس علماً حتمياً كالمعادلات الرياضية، بل هو علم استنتاجي يعيد بناء الماضي من شظايا مكسورة.

تُعد مسألة "أول ذكر تاريخي للعرب" أحد النماذج الكلاسيكية التي تتجلى فيها هذه الإشكالية، حيث يتنازع الميدان رأيان: فرضية لغوية مبكرة تعتمد على التأويل، وإجماع علمي يستند إلى الوضوح والتواتر.

الأرضية اللغوية وظنون الألف الثالث قبل الميلاد

في أوائل القرن العشرين، طرح المستشرق إسرائيل وليفنسون في كتابه "تاريخ اللغات السامية" أطروحة لغوية تقترح جذوراً موغلة في القدم للفظ "العرب". وقد تلقف هذه الفرضية وتوسع فيها باحثون عرب لاحقون، أبرزهم محمد بهجت قبيسي، مستندين إلى نقوش ملوك الدولة الأكادية في الألف الثالث قبل الميلاد، وتحديداً الملك نارام سين. يزعم هذا الرأي أن المفردات الأكادية احتوت على إشارات إلى مناطق مثل "مجان" و"ملوخا"، مقرونة بألفاظ تُقرأ فيلولوجياً على أنها "عرب" أو جذور مشتقة منها تعني أهل البادية أو سكان الغرب.

تكمن المشكلة العلمية في هذه القراءة أنها تعتمد على "التأويل الفيلولوجي" لجذور الكلمات في غياب التنقيط والحركات في اللغات السامية القديمة. فالجذر (ع ر ب) في الأكادية يحمل دلالات جغرافية وبيئية واسعة؛ فقد يعني "مغرب الشمس" أو "المزيج" أو "البداوة", دون أن يشير بالضرورة إلى شعب ذي هوية قومية أو إثنية محددة تُدعى "العرب". لذلك، صنف مجتمع الآثار الدولي هذه القراءة كفرضية ظنية تفتقر إلى القرينة القاطعة التي تربط اللفظ بالهوية الإثنية.

التوثيق الصريح في القرن التاسع قبل الميلاد

وحين ننتقل من ظنون الألف الثالث قبل الميلاد إلى القرن التاسع قبل الميلاد، يتغير التوثيق التاريخي من التخمين اللغوي إلى السرد الحدثي المباشر. ففي عام 853 قبل الميلاد، قاد الملك الآشوري شلمنصر الثالث حملة عسكرية كبرى اصطدم فيها بتحالف ملوك الشام في معركة شهيرة عُرفت تاريخياً باسم معركة قرقر. وقد خلّد الملك الآشوري انتصاره بتدوين تفاصيل المعركة وقوات التحالف المعادي له على نصب حجرى شهير يُعرف بـ "مسلة كورخ"، وجاء في النص المسماري الواضح والصريح دون أي لبس لغوي: "مِن جنديبو العربي، ألف جمل...".

ويتميز هذا الذكر بالصراحة والوضوح، فالنص هنا لا يتحدث عن اتجاه جغرافي (غرب) أو وصف بيئي (بداوة)، بل يذكر علماً صريحاً مقترناً بنسبته الإثنية أو الجغرافية الواضحة، مدعوماً بقرينة بيئية مستقلة وهي اقتران اسم القائد بـ "ألف جمل"، وهو ما يمثل برهاناً سياقياً على البيئة الرعوية الصحراوية التي قدم منها هذا الفصيل العسكري، وهو ما يتطابق مع التوصيف التاريخي للعرب، بالإضافة إلى تواتره اللاحق في أرشيفات الملوك الآشوريين اللاحقين.

مغالطة الوجود المرتبط بالتسمية

غير أن هذا الاختلاف المنهجي يقودنا إلى مغالطة فكرية وتاريخية كبرى، وهي مغالطة "الوجود المرتبط بالتسمية". فمن الخطأ المنهجي الفادح القول إن العرب نبتوا فجأة من باطن الأرض في القرن التاسع قبل الميلاد لمجرد أن النص الآشوري قرر استخدام هذه اللفظة.

الشعوب لا تولد بقرار ملكي أجنبي؛ بل تكون موجودة، متفاعلة، ولها امتداد حضاري يمتد لآلاف السنين. وقد كانت القوى الإقليمية المحيطة تطلق عليهم تسميات جغرافية، أو اجتماعية، أو قبلية؛ مثل "الشاسو" في النقوش المصرية للإشارة إلى البدو الرحل في سيناء وجنوب الشام، أو "العبيرو"، أو تقسيمات "بنو يمينا" (أبناء الجنوب) و"بنو شمأل" (أبناء الشمال) في ألواح مملكة ماري، وهي الحاضنة البكر التي خرجت منها القبائل العربية لاحقاً، حيث كانت القبيلة تُعرف باسمها الخاص لا باسم مظلتها القومية الكبرى التي لم تكن قد تبلورت سياسياً بعد في دفاتر جيرانهم.

تعدد اللهجات وتكامل اللسان العربي

وينطبق هذا المفهوم على اللسان العربي ذاته، فمن الخطيئة بمكان محاكمة لسان عمره آلاف السنين بمعيار "الفصحى القرشية" التي تم تدوينها واستقرار قواعدها في العصر الإسلامي. اللغة العربية لم تكن قالباً واحداً، بل هي مجموعة من "العربيات" أو اللهجات واللغات المشتركة؛ فنقوش الفاو، والنقوش الصفائية، واللحياتية، والثمودية، والنبطية هي تجليات مختلفة لهذا اللسان. والعربية الفصحى لم تولد من العدم ولم تكن مجرد فرع خرج من هذه اللغات، بل هي لسان حي كان يتطور بالتوازي ويتأثر ويؤثر، واستوعب عبر القرون محصلة هذا التلاقح اللغوي مع الآرامية ولغة الأنباط وقيدار، مما منحها ثراءها المعجمي الهائل.

أسماء الشعوب بين الهوية الذاتية والنظرة الخارجية

إن التدقيق الأنثروبولوجي يكشف أن الأسماء التي نملأ بها كتب التاريخ اليوم مثل الكنعانيين، الفينيقيين، الآشوريين، وحتى العرب في بداياتهم، هي في معظمها "تسميات خارجية" أطلقها الجيران، أو الأعداء، أو التجار على تلك الشعوب، وليست بالضرورة الأسماء التي كان الناس ينادون بها أنفسهم داخل بيوتهم وقراهم. تماماً كما نرى في العصر الحديث مع شعب ألمانيا، الذي يطلق عليه الفرنسيون اسم "ألمان"، والإنجليز اسم "جيرمان"، والروس اسم "نمسي"، في حين أنهم يسمون أنفسهم في لغتهم الذاتية "دويتش" وأرضهم "دويتشلاند". لو جاء مؤرخ بعد قرون وحاكم وجودهم بناءً على هذه التسميات الخارجية لظنهم شعوباً شتى لا شعباً واحداً.

صدى الوهم التاريخي وقبيلة طيء

ونجد صدى هذا الوهم التاريخي بوضوح في احتكاك الإمبراطوريات الكبرى بقبيلة "طيء" العربية العريقة؛ فنظراً لنفوذها وحضورها الطاغي في شمال الجزيرة وأطراف العراق، عمّم الفرس اسم هذه القبيلة على كل من يتحدث اللسان العربي فأطلقوا عليهم اسم "تازي"، ونقل الصينيون اللفظ عن الفرس في سجلاتهم التاريخية القديمة مثل سجلات سلالة تانغ وحوّروه إلى "تاتشي" للإشارة إلى إمبراطورية العرب والمسلمين بأسرها، دون أن يدرك رجل الشارع في بكين آنذاك أن "طيء" ما هي إلا قبيلة واحدة من أمة عظيمة. وتكرر الأمر ذاته مع مصطلحات خارجية أخرى مثل "الساراسين" لدى البيزنطيين، و"المور" لدى الأوروبيين في الأندلس.

خاتمة: وعي الأمة المتصل عبر التاريخ

إن تاريخ الشعوب يُقرأ من وعيها الذاتي وثقافتها المتصلة، لا من المحابر التي كتب بها جيرانهم تاريخهم. ولم يكن غياب لفظ "العرب" في الحقب السحيقة دليلاً على عدم الوجود، بل كان تعبيراً عن مرحلة تاريخية عرف فيها الإنسان نفسه بمدينته أو قبيلته. إن الدم العربي واللسان العربي كانا يتدفقان في نفس الجسد البشري الذي تنقل في دفاتر الإمبراطوريات القديمة بين أسماء الشاسو، والعبيرو، وقيدار، والأنباط، وطيء، إلى أن تبلور هذا الوعي الذاتي وتبوأت الهوية العربية مكانها الصريح تحت عين الشمس، معلنةً عن أمة لم تنبت فجأة، بل ضربت جذورها في أعماق الأرض منذ بدء التاريخ.

بقلم: د. علاء أبوعامر