سلطان قيدار: كيف حكم أجداد قريش هضاب "الضفة الغربية في فلسطين" ووقفوا في وجه الصدوقيين؟
قراءة نقدية تاريخية وأثرية تكشف سيادة بني قيدار أجداد قريش على جنوب فلسطين والقدس ومواجهتهم للنفوذ الكهنوتي الصدوقي واللاهوت الميثاري الفارسي.
بقلم: د. علاء أبوعامر
لم يكن الحجاز الشامي، الممتد من بطاح مكة صعوداً إلى مشارف الشام وجنوب الأردن، مجرد جغرافيا طارئة على مسرح التاريخ الروحي؛ بل كان الرحم الجغرافي الأصيل الذي ولدت فيه العروبة بأبهى صورها. وحين نحاكم المرويات التراثية والشهادات الأثرية واللاهوتية بميزان النقد العلمي الصارم، نكتشف أن القصة الإبراهيمية في مكة لم تكن حدثاً منبت الجذور، بل كانت امتداداً طبيعياً لسيادة العرب الأقحاح الذين حكموا قلب الشرق القديم، وتركوا بصماتهم في أقدس بقاعه.
تبدأ فصول هذه الملحمة الإنسانية بانتشار الذرية الإبراهيمية الأصيلة في هذه الفضاءات؛ ففي جبال الجنوب الشامي وعمق الحجاز، استقر بنو أدوم، وهم ذرية عيسو بن إسحاق (سفر التكوين، الإصحاح 36)، وعلى مقربة منهم انتشر بنو قطورة ليؤسسوا ممالك مدين وددان التاريخية، محولين طرق البخور إلى شرايين للحياة والتجارة (سفر التكوين، الإصحاح 25). أما في وادي مكة، فقد تجلت أصالة العروبة مع استقرار أم العرب هاجر وابنها إسماعيل. ومن هذا النسل الشامخ، (إبراهيم، الآية 37) و (البقرة، الآية 127) وصحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم 3364، و (سفر التكوين، الإصحاح 21، العدد 21 من التوراة السامرية)، و (سفر التكوين، الإصحاح 10، العدد 30 ترجمة الخاخام سعدية بن يوسف غاؤون عند ترجمته لمساكن بني يقطان أجداد العرب القحطانيين)، قام الفيومي بترجمة الكلمات التوراتية "ميشا وسفار" صراحة إلى: "وكان مسكنهم من مكة إلى أن تجيء إلى المدينة إلى الجبل الشرقي"، ليؤكد أصالة هذه المنطقة كموطن رئيس لنسل العرب القدامى.
برزت مملكة قيدار العظمى، الذرية الإسماعيلية الصريحة التي لم تكن يوماً مستعربة كما زعم بعض الإخباريين المتأخرين، بل كانوا هم العرب الأقحاح الصراح، أصحاب اللسان المصقول والبيان المبين الذي نزل به القرآن لاحقاً. (سفر التكوين، الإصحاح 25) و (سفر أخبار الأيام الأول، الإصحاح 1) و (سفر إشعياء، الإصحاح 21) و (سفر حزقيال، الإصحاح 27).
هذه الأصالة الإسماعيلية القيدارية تقودنا مباشرة إلى قلب التراث القرشي؛ فقبيلة قريش تعيد نسبها بيقين تاريخي إلى قيدار بن إسماعيل. والمفاجأة التاريخية الكبرى تكمن في أن بني قيدار هؤلاء لم يكتفوا بسكنى الحجاز، بل امتد سلطانهم الجغرافي والسياسي في العصور القديمة ليشمل جنوب فلسطين، وهضاب "يهوذا"، والقدس نفسها.
إن العودة إلى النصوص التوراتية القديمة، وتحديداً إلى سفر نحميا (بغض النظر إن كان حقائق أم أساطير)، تكشف عن صراع سياسي وتأثير إمبراطوري مذهل. فعندما عادت النخبة الكهنوتية الصدوقية من السبي البابلي برعاية الأكاسرة والملوك الفرس، لم تكن العودة مجرد حنين روحي للأمة الموسوية، بل كانت مأمورية سياسية بامتياز. لقد أرسل إمبراطور الفرس هؤلاء الكهنة الصدوقيين والكتبة من بني صادوق، ومعهم عزرا، ليوطدوا نفوذ الإمبراطورية عبر بناء بيت ومذبح لـ "رب السماء"؛ وهو التعبير الدبلوماسي الذي أخفيت خلفه عبادة الإله الفارسي "ميثرا" رب العهد والنور الفلكي.
هذا الإله الميثاري الفارسي تغلغل في الوجدان اللاهوتي لهؤلاء الكهنة الصدوقيين المتأثرين ببيئتهم الفارسية، وتطور صداه في العصور اللاحقة ليتجلى في التلمود ونصوص الكبالّة تحت اسم الملاك الأعظم "مططرون"، أو ما يعرف بـ "الوجه الصغير" أو "يهوه الصغير"، وهو تجسيد لفكرة "الإله الابن" أو الوسيط السماوي الحاكم للعالم المخلوق، والمطابق تماماً لصفات ميثرا الفارسي.
وحين شرع هؤلاء الصدوقيون، المحملون بالأجندة الفارسية واللاهوت الهجين، في إقامة أسوار أورشليم وتأسيس حكمهم الثيوقراطي الإقصائي، اصطدموا بالواقع الجغرافي القائم؛ إذ وجدوا الأرض مأهولة ومحكومة بملك عربي قيداري أصيل، خلده النص التوراتي بغضب باسم "جشم العربي". وتثبت المكتشفات الأثرية المعاصرة، ومنها الأواني الفضية المكتشفة في تل المسخوطة، أن جشم هذا كان يلقب صراحة بملك قيدار. لقد كان القيداريون، أجداد قريش، هم السكان الأقدمين والملوك المتنفذين الذين بسطوا نفوذهم على هضاب يهوذا وأسوار بيت المقدس "أورشليم". ووقفوا حجر عثرة أمام طموحات الصدوقيين، معترضين على بناء الأسوار التي كانت تهدد سيادة العرب الأقحاح ونفوذهم التجاري والسياسي في المنطقة.
هذه الجغرافيا السياسية الممتدة لبني قيدار تلاقت بشكل بديع مع الشروحات والتراجم اللاهوتية المتأخرة؛ حيث عكف الحاخام الفيلسوف سعيد الفيومي "الحاخام سعديا بن غاؤون" في العصر العباسي على ترجمة النصوص التوراتية إلى العربية، واصفاً مسار هاجر وعين الماء بأنه يقع في طريق حجر الحجاز، ومشيراً إلى موطن إسحاق ببلاد القبلة في الجنوب. وفي ذات السياق، حافظت الترجمة السامرية للتوراة وكتابها التاريخي العتيق المعروف بالأساطير على هذه الذاكرة الحية، ونصت العبارات صراحة على أن أبناء نبايوط، أخي قيدار، انتشروا في تلك البقاع وبنوا مكة.
إن إرجاع نسب قريش إلى قيدار بن إسماعيل، وقراءة تحركاتهم في سفر نحميا كأسياد وسكان لهضاب "يهوذا وأورشليم"، يعيد رسم الخارطة الروحية والتاريخية للمنطقة برمتها. إننا لسنا أمام مجرد قبائل بدوية تناثرت في الفراغ، بل أمام أمة عربية أصيلة، ممتدة الجذور من جبال القدس الشامخة إلى بطاح مكة المقدسة.
وحين يعترف السفر التوراتي بسلطان جشم العربي ملك قيدار على يهودا وأورشليم ومحيطها في مواجهة طموحات الكهنة الصدوقيين المدعومين من عرش فارس ولاهوتها الميثاري، وحين يجمع مفسرو التراث الموسوي كأمثال سعيد الفيومي "سعديا بن غاؤون" والسامريين في كتبهم على جغرافية مكة والحجاز الإسماعيلية، فإن التاريخ ينطق بشهادة كبرى تصدق الرواية القرآنية وتمنحها عمقاً مذهلاً.
لقد كانت مكة والقدس حلقتين في سلسلة واحدة صاغتها دماء وأنفاس ذرية إبراهيم من العرب الأقحاح؛ فالسلطان العربي القيداري الذي اصطدم معه نفوذ الصدوقيين ذوي الأصول الميتانية أغلب الظن وطقوسهم الهجينة عند أسوار بيت المقدس "أورشليم" هو ذاته النسب الشريف الذي تحدرت منه قريش لتبني وادي مكة وتحمي بيتها العتيق، بعيداً عن لوثات اللاهوت الإمبراطوري والآلهة المصنوعة كـ "مططرون" والوجه الصغير.
إن هذه الذاكرة الجغرافية المشتركة تبرهن على أن الرسالة المحمدية وقصة إسماعيل في مكة لم تكن نبتة معزولة في جفاف الصحراء، بل كانت الثمرة الناضجة لتاريخ طويل من السيادة والينبوع العربي الأصيل، تلاقت عنده خطى الأنبياء والملوك من قيدار وفاران (الحجاز) إلى البيت الحرام، لتظل مكة منارة التوحيد النقية الأزلية ومصب الآمال الإنسانية عبر كل العصور ويظل بيت المقدس بيت الله الثاني في الأرض المقدسة فلسطين.