رئيس كولومبيا يواجه تهديدات ترامب باستحضار فضائح إبستين
دخلت العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسي، على خلفية تصعيد متبادل في الخطاب بين الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ونظيره الأميركي دونالد ترامب، شمل اتهامات مباشرة تمسّ السيادة الوطنية، ومستقبل الديمقراطية، والاستقرار الإقليمي في أميركا اللاتينية.
وتزامن هذا التصعيد مع سلسلة تصريحات مصوّرة أطلقها بيترو في مناسبات جماهيرية وخطابات سياسية، رصدتها "قدس برس"، وعبّرت عن انتقال المواجهة من الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى صدام سياسي مفتوح عالي السقف.
تصريحات مصوّرة تتهم شبكات نفوذ جنسية بتهديد الديمقراطية
في أحدث تصريحاته المصوّرة، قال بيترو إن كولومبيا تواجه خطراً داخلياً عميقاً، يتمثل – بحسب تعبيره – في شبكات منظّمة تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي، مستخدمة المال والنفوذ والاستغلال الجنسي.
وقال حرفياً: "شبكة استئجار جنسي تسعى لإنهاء الديمقراطية في كولومبيا، نعم، الأمر صعب، لكن هذه هي الحقيقة" ثم "يرسلون إلينا سفناً حربية لقتل الصيادين في هذه المدينة، ويهددون الجار، سواء كان ديكتاتوراً أم لا".
وتساءل الرئيس الكولومبي: "كيف يمكن لشعب كولومبيا أن يصفّق وجيرانه يُغزون؟ ليس الرئيس وحده، بل شعب فنزويلا أيضاً؛ إلى متى سنبقى خانعين إلى هذا الحد، وأين مبادؤنا؟".
وربط بيترو هذه الشبكات بما وصفه بدوائر نفوذ دولية، مذكّراً بفضائح الاستغلال الجنسي المرتبطة برجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، في إشارة إلى تداخل المال والجنس والسياسة في تهديد الديمقراطيات.
تحذير من إعادة إنتاج الاستعمار في أميركا اللاتينية
لاحقاً، حذّر الرئيس الكولومبي من أن السياسة الأميركية الحالية تعكس توجهاً لإعادة إحياء "مبدأ مونرو" بصيغة معاصرة، تهدف – وفق قوله – إلى إخضاع دول أميركا اللاتينية وتحويلها إلى كيانات تابعة.
وأكد، عبر حسابه على منصة "إكس"، أن هذا التوجه "يتعارض جذرياً مع القانون الدولي"، معتبراً أنه يقوم على منطق "المجال الحيوي" الذي قاد العالم في القرن الماضي إلى حروب كبرى، داعياً الشعب الأميركي إلى تحمّل مسؤوليته التاريخية في الدفاع عن نظام دولي ديمقراطي يحفظ السلم العالمي.
تهديدات أميركية وردّ كولومبي غير مسبوق
ويأتي هذا التصعيد عقب تصريحات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصف فيها بيترو بأنه "رجل مريض يستمتع بصناعة الكوكايين وبيعها للولايات المتحدة"، ملمّحاً إلى احتمال تنفيذ ما سمّاه "عملية كولومبيا"، في إشارة إلى تدخلات عسكرية أميركية سابقة في المنطقة.
ردّاً على ذلك، أكد بيترو، في رسالة نشرها عبر منصة "إكس"، أنه قد يضطر إلى "حمل السلاح مجدداً" دفاعاً عن بلاده إذا تعرّضت لأي اعتداء، مشدداً على أن سياسة حكومته في مكافحة المخدرات "قوية وفعّالة"، وأن الجيش يعمل ضمن قيود دستورية واضحة، محذّراً من أن استهداف الفلاحين أو المساس بشرعية الرئيس المنتخب قد يفجّر الأوضاع داخلياً.
خلفية إقليمية واتساع دائرة المواجهة
لا ينفصل التوتر الحالي عن سياق إقليمي أوسع، إذ تصاعد الخلاف عقب عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025.
وسرعان ما أعقب ذلك انتشار عسكري أميركي في منطقة الكاريبي، شمل عمليات ضد قوارب يُشتبه باستخدامها في تهريب المخدرات، ثم مصادرة ناقلات نفط فنزويلية، وصولاً إلى عملية عسكرية في العاصمة الفنزويلية "كراكاس" انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وكان بيترو، المنتمي سابقاً إلى حركة التمرد "إم-19"، قد وصف تلك العملية بأنها "اختطاف بلا أساس قانوني"، معتبراً قصف عاصمة في أميركا الجنوبية "وصمة تاريخية" في ذاكرة شعوب القارة.
تقدير موقف
يرى مراقبون أن تسلسل التصريحات، ولا سيما الخطابات المصوّرة الأخيرة الصادرة عن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، إلى جانب الخطاب التصعيدي المتكرر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعكس انتقال الخلاف بين بوغوتا وواشنطن من تباينات سياسية قابلة للاحتواء إلى مواجهة مفتوحة عالية الكلفة.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا التصعيد لا يقتصر على كولومبيا، بل يندرج ضمن نهج أوسع تبنّاه ترامب في تعاطيه مع دول أميركا اللاتينية، تجلّى في تصريحاته السابقة بشأن كوبا والمكسيك، والتي لوّح فيها باستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، بل وحتى القوة، تحت عناوين الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة.
وبحسب المراقبين، فإن استمرار هذا المسار يهدد بتقويض الاستقرار في شمال أميركا الجنوبية، ويدفع المنطقة نحو احتمالات تصعيد أمني واقتصادي واسع، في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة هشاشة غير مسبوقة، ما يضاعف من كلفة أي مواجهة مفتوحة على المستويين الإقليمي والدولي..