رصاص الغدر لا ينتظر الذرائع: رحيل "أبو رعد" خازم يفكك أوهام "منح الأسباب"

استشهد العقيد فتحي خازم أبو رعد في جنين ليرسم بدمائه عنواناً للصمود في وجه الاحتلال والمشروع الاستيطاني الإسرائيلي المتصاعد بالضفة الغربية.

رصاص الغدر لا ينتظر الذرائع: رحيل "أبو رعد" خازم يفكك أوهام "منح الأسباب"
استشهاد العقيد فتحي خازم أبو رعد في جنين

بقلم: د. علاء أبوعامر 

لم يكن العقيد فتحي خازم "أبو رعد" مجرد اسم في قائمة طابور الشهداء الطويل، بل كان جبلًا أشم في مخيم جنين، وعنوانًا بارزًا لمرحلة من الصمود الفلسطيني التي عجز الاحتلال عن كسرها. وحين امتدت يد الاغتيال الآثمة إليه داخل منزله في جنين، لم يغتالوا جسدًا أنهكه الأسر والمرض والفقد، بل حاولوا واهمين اغتيال رمزية الأب الذي قدم شهيدين على طريق الحرية، وظل متمسكًا بكبريائه وثوابته حتى الأنفاس الأخيرة. 

يأتي اغتيال هذا القائد العسكري والرمز الشعبي ليوجه صفعة قوية وصريحة إلى أولئك الذين دأبوا على تبرير عدوان الاحتلال، والترويج لمقولة "عدم منح العدو الذرائع". إن ما تشهده الضفة الغربية المحتلة من شمالها إلى جنوبها يثبت للقاصي والداني أن آلة القتل الإسرائيلية لا تبحث عن أسباب لتنقض على الفلسطيني. فبالذرائع وبدونها، يسير مشروع الضم الفعلي على قدم وساق من خلال تبادل وظيفي خطير بين جيش الاحتلال وميليشيات المستوطنين. 

على الصعيد السياسي، لم يعد المستوطنون مجرد مجموعات عشوائية تمارس العنف الهامشي، بل تحولوا إلى "سياسة دولة" رسمية مغطاة بتشريعات قانونية وموازنات مالية ضخمة من داخل الحكومة الإسرائيلية. لقد جرى تسليح هؤلاء المستوطنين وتحويلهم إلى جيش موازٍ ينفذ ما يعجز الجيش الرسمي عن إعلانه؛ حيث يتولون مهمة تهجير التجمعات البدوية والفلسطينية قسرياً في المناطق المصنفة، والسيطرة على مصادر المياه والطرق الحيوية لخنق أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة الجغرافيا. هذا التواطؤ المؤسسي يتجلى حين يقوم المستوطنون بحصار القرى، وحرق المنازل، وإغلاق البلدات تحت حماية ورقابة مباشرة من جنود الجيش الذين يؤمنون انسحابهم ويبطشون بالفلسطيني إذا حاول الدفاع عن نفسه. 

لقد عاش "أبو رعد" حراً مطارداً، وذاق مرارة الأسر، وتجرع ألم الفقد مرتين بارتقاء نجليه شهيدين، ليؤكد بمسيرة حياته وموته أن الصراع مع هذا العدو هو صراع على الأرض والهوية. إن التغول الاستيطاني، وأوامر مصادرة الأراضي التي تضاعفت لتوسيع نفوذ المستوطنات، تفضح حقيقة أن الهدف الأساسي هو اقتلاع الإنسان الفلسطيني. غياب هذا القائد بجسده يسقط ورقة التوت عن كل من يحاول إيجاد أعذار لجرائم منظومة استعمارية تعتاش على التهويد اليومي دون رادع دولي أو قانوني. 

ستبقى دماء العقيد الشهيد فتحي خازم شاهدة على مرحلة تاريخية عز فيها الرجال، وستظل دماؤه الطاهرة حجة على كل المترددين والمبررين. إن رحيل "أبو رعد" رسالة واضحة خطت بالدم: أن عدواً يحرك جيشه ومستوطنيه لقضم الأرض وتصفية الوجود لا يحتاج إلى ذريعة ليسفك دماءنا. الحرب في الضفة الغربية هي حرب سياسية وجودية صامتة، ومواجهتها لا تكون بالانكفاء بانتظار أوهام السلام، بل بالثبات والتمسك بالأرض في وجه آلة الهدم والتهجير المستمرة.