صمت العروش وصوت الضمير
أنجلينا جولي تفضح فجيعة غزة بصور الأقمار الصناعية، مسلطة الضوء على صمت العروش العربية وتخاذل المشهد الفني والإعلامي أمام محنة الإنسانية.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم تكن الصور الجوية التي نشرتها الفنانة الأميركية أنجلينا جولي لقطاع غزة مجرد لقطات التقاطتها عدسات الأقمار الصناعية لترصد اندثار أحياء بالكامل ومحو معالم مدينة، بل كانت وثيقة إدانة بصرية تلخص فجيعة عصر كامل. غير أن القيمة الحقيقية لما طرحته لم تكن في إبراز حجم الدمار المادي فحسب، بل في كلماتها التي نفذت إلى عمق المأساة، حين أكدت أن هذه المشاهد التكنولوجية الصماء قادرة على إظهار الركام، لكنها تعجز عن نقل معنى أن تعيش عائلة تحت هذا الركام، أو كيف يتنفس من كتب لهم البقاء وسط الرماد.
ينطوي موقف جولي على دلالات عميقة تتجاوز نطاق التعاطف العابر؛ فهو يمثل صوتا يحاول كسر الحصار الإعلامي والسياسي المضروب على الحقيقة في الغرب. إن تحرك فنانة بحجمها، تتمتع بنفوذ جماهيري ودولي واسع، يربك السردية الرسمية للأنظمة الغربية ويخترق جدار الدعاية الموجهة. واللافت هنا أن هذا الصوت لا يصدر عن راحة أو حسابات أرباح وخسائر مالية، بل يصدر وسط بيئة هوليوودية ومؤسسية فرضت أطرا متشددة وعقوبات غير معلنة على كل من يجرؤ على التضامن مع الحق الإنساني. لقد أثبت العديد من فناني الغرب أن الإنسانية بالنسبة لهم ليست شعارا مجملا، بل موقف أخلاقي يتطلب الشجاعة والمخاطرة بالشهرة والمصالح ونفوذ الشركات أمام سطوة جماعات الضغط ونخب رأس المال.
وفي مقابل هذا التحرك الأخلاقي الجريء في الغرب، تتجلى مفارقة مؤلمة ومفجعة في المشهد العربي. ففي الوقت الذي يجازف فيه الغريب بمكاسبه من أجل كلمة حق، نجد قطاعات واسعة من المشهد الفني والإعلامي العربي قد اختارت الصمت أو الاكتفاء ببيانات مائعة لا تسمن ولا تغني من جوع، خشية على المصالح وتجنبا للصدام مع السلطات أو الممولين. والأدهى من ذلك هو التباين الصارخ مع مواقف العديد من الحكومات والأنظمة العربية التي غلبت حسابات العروش وحماية الامتيازات والمكاسب الضيقة على نصرة قضايا أمتها المصيرية.
ولم تتوقف تلك المنظومات عند حد التخاذل، بل جندت جيوشا من الذباب الإلكتروني المنظم للعبث بالوعي العام، ومحاولة تغطية عار التواطؤ والتآمر، وإشغال الشعوب بنزاعات جانبية، وتزييف الحقائق لتبرير الصمت وحماية كراسي الحكم. إن هذه المقارنة تكشف عن أزمة قيمية عميقة؛ فبينما يسترد الفن الغربي ببعض رموزه حقيقته كصوت للمظلومين ووجه للإنسانية المتجردة، تحول الفن والإعلام لدى أطراف عربية كثيرة إلى أداة تدجين للوعي ومخدر للضمائر، بينما يعمل الذباب الإلكتروني ليل نهار على شيطنة التضامن وتلميع الخضوع.
ختاما، تظل الصورة التي نقلتها الأقمار الصناعية شاهدا جغرافيا على جريمة المكان، لكن الصوت الذي أطلقته أنجلينا جولي سيظل شاهدا أخلاقيا على مواقف الأفراد في زمن الاختبار. إن التاريخ لا يسجل الأرقام وحجم الركام فحسب، بل يدون بدقة من وقف مع الإنسان في محنته ومن باعه في سوق المصالح والعروش. وسيبقى عار التواطؤ والخداع محفورا في ذاكرة الشعوب، بينما تظل المبادئ الشجاعة، أيا كان مصدرها، شعاعا يثبت أن الضمير الإنساني، رغم كل محاولات التزييف، لا يمكن خنقه للأبد.