عودة النقابي إلى عرشه: دلالات تجديد الثقة بلولا دا سيلفا وترسيم الخريطة الجيوسياسية الجديدة

قراءة تحليلية بقلم د. علاء أبوعامر حول دلالات عودة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لرئاسة البرازيل، وتأثير تجديد الثقة باليسار البرازيلي على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية وترسيخ التعددية في الجنوب العالمي، وموقفه الثابت من القضية الفلسطينية.

عودة النقابي إلى عرشه: دلالات تجديد الثقة بلولا دا سيلفا وترسيم الخريطة الجيوسياسية الجديدة
عودة النقابي إلى عرشه: دلالات تجديد الثقة بلولا دا سيلفا وترسيم الخريطة الجيوسياسية الجديدة

بقلم:د. علاء أبوعامر 

تجيء عودة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا لحكم البرازيل بمثابة نقطة تحول مفصلية لا تقتصر آثارها على الداخل المحتقن فحسب، بل يمتد صداها ليشكل ملتقى الطرق للتوازنات الإقليمية والدولية. إن حسم صندوق الاقتراع لصالح اليسار التاريخي يمثل ترسيخا لخيارات سياسية واقتصادية تراهن على العدالة الاجتماعية واستعادة الهيبة الدولية للبلاد.

تشكل هذه النتيجة تثبيتا لنموذج الدولة الاجتماعية الشاملة التي اقترن بها اسم لولا دا سيلفا، والتي تعتمد على البرامج المباشرة لدعم الفئات الأكثر فقرا وحماية الطبقات الوسطى. وتواجه الإدارة الجديدة مهمة معقدة تتمثل في ترميم الانقسام الاستقطابي الحاد الذي خلفته السنوات الماضية، وإعادة بناء المؤسسات التي تعرضت لضغوط السياسات اليمينية. كما تعني هذه الاستمرارية حماية الملفات البيئية الحيوية وفي مقدمتها غابات الأمازون، حيث يسعى لولا إلى مواصلة سياساته للحد من قطع الأشجار والتصدي للتغير المناخي.

وعلى المستوى القاري، يشكل فوز لولا ركيزة صلبة لدعم محاور اليسار والوسط في أمريكا الجنوبية. ويسهم حضور البرازيل، باعتبارها القوة الاقتصادية والديمغرافية الأكبر في القارة، في إنعاش منظمات التنسيق الإقليمي مثل اتحاد دول أمريكا الجنوبية وسوق الجنوب المشتركة ميركوسور. إن وجود قيادة برازيلية تؤمن بالعمل القاري المشترك يقلل من التبعية للمشروعات الفردية، ويفتح المجال أمام صياغة استراتيجية اقتصادية وتنموية متكاملة تحمي مصادر الطاقة والغذاء في المنطقة بعيدا عن الاستقطاب الخارجي.

وفي الوقت نفسه تستمر البرازيل في عهد لولا بالاضطلاع بدور محوري داخل تكتل بريكس، حيث يسعى إلى تعزيز السياسة الدولية متعددة الأقطاب والحد من الهيمنة الأحادية على النظام المالي العالمي والتجارة بالعملات المحلية. أما في العلاقة مع الولايات المتحدة، فإن خط السياسة الخارجية المتبع يرتكز على البرجماتية والاستقلالية. وفي الوقت الذي تظل فيه واشنطن شريكا تجاريا حيويا، يحرص لولا على عدم تحويل البرازيل إلى تابع سياسي، رافضا الانخراط الكامل في المحاور الغربية ومحتفظا بعلاقات متوازنة مع القوى العالمية الصاعدة.

وعلى صعيد الموقف من صراع حركة التحرر الفلسطينية في مواجهة الاستعمار الابادي العنصري الصهيوني، تمثل هذه النتيجة استمرارا لموقف برازيلي أخلاقي ومبدئي حازم تجاه القضية الفلسطينية. فقد عُرف عن لولا دا سيلفا مواقفه الصلبة في إدانة حرب الإبادة والتطهير العرقي والعدوان على الشعب الفلسطيني، ووصف الجرائم المرتكبة بأوصافها القانونية والإنسانية دون مواربة. إن بقاء لولا في سدة الحكم يضمن بقاء البرازيل في طليعة دول الجنوب العالمي التي ترفع صوتها ضد الانتهاكات الصهيونية للشرعية الدولية وتدعم التحركات القضائية والدبلوماسية في المحاكم الدولية، بما يعزز الاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة ودعم إقامة الدولة المستقلة.

ولم يكن هذا الفوز الانتخابي مجرد تبادل للمناصب أو انتصار حزبي عابر، بل جاء بمثابة استفتاء شعبي وثقافي على هوية البرازيل ومكانتها في العصر الحديث. لقد أثبت الصندوق أن الشعب البرازيلي يفضل مسار التضامن الاجتماعي والتكامل الإقليمي على خطاب الانقسام والتبعية. وعلى الساحة الدولية، يعيد تجديد الثقة بلولا دا سيلفا إلى الجنوب العالمي صوتا يدافع عن التعددية الإنصافية في الاقتصاد والدبلوماسية، ويقف بصلابة أمام التجاوزات الاستعمارية وحرب التطهير والعدوان. إن المرحلة القادمة تفتح الأفق أمام البرازيل لتلعب دور الجسر الناقل بين تطلعات الشعوب المظلومة وقواعد القرار العالمي، بما يخدم قيم العدالة الإنسانية والسلام المبني على الحقوق لا على منطق القوة.