معركة الوعي العربي: بين التجريف المنهجي وتحدي البقاء الحضاري
دراسة تحليليّة تبرز معركة الوعي العربي وتحديات المناهج التعليمية بين ضغوط التجريف المنهجي وتحدي الحفاظ على الهوية والبقاء الحضاري.
بقلم: د.علاء أبوعامر
تخوض الأمة العربية والبلدان الإسلامية في عصرنا الراهن مواجهة فكرية وجودية تتجاوز صراع السلاح وتخوم الجغرافيا لتصل إلى عمق الذاكرة الجمعية وتشكيل وعي الأجيال القادمة. وقد شهدت العقود الأخيرة تحولات ملموسة ومتسارعة في المنظومات التعليمية والتربوية للعديد من الدول العربية، حيث جرت إعادة صياغة شاملة للمناهج والكتب المدرسية تحت شعارات برّاقة مثل "التطوير"، و"العصرنة"، و"نبذ العنف"، و"الالتزام بالمعايير الدولية". غير أن قراءة هذه التحولات في سياقها السياسي والتاريخي تشير إلى عملية تجريف وتفريغ للثوابت القومية والدينية، بهدف تهميش الرواية التاريخية للحق الفلسطيني وإضعاف مفاهيم الكرامة والمقاومة التي شكلت الدرع الحامي لوعي الأمة لعهود طويلة.
إن خطورة هذه التحولات لا تقتصر على تعديل عبارة هنا أو حذف نص هناك، بل تتعدى ذلك إلى إحلال سردية هشة تتماشى مع اختلال موازين القوى وتوازنات الإرادة السياسية. وفي الوقت الذي يُطالب فيه الخطاب التربوي العربي بإفراغ المناهج من قيم الدفاع عن الأرض، والجهاد ضد الاستعمار، والتضامن الإسلامي، تتشبث المؤسسات التعليمية في كيان الاحتلال الاستيطاني وفي العديد من مراكز القرار الغربي بصلابة عقائدها الاستعمارية وتنشئة أجيالها على التفوق العنصري وتبرير السيطرة والتوسع. هذا الاختلال الفاضح يُظهر أن عملية التعديل المنهجي لم تكن خياراً معرفياً أو حواراً ثقافياً متكافئاً، بل كانت في أغلب الحالات خضوعاً مباشراً لضغوط وإملاءات خارجية تستهدف تفكيك مناعة الأمة الفكرية.
شواهد الاستجابة في العالم العربي والإسلامي
لقد رصدت التقارير المعنية بالتربية والتعليم شبكة واسعة من الضغوط الغربية والصهيونية تمتد على مدى عقود وشملت دولاً عديدة:
إعادة تعريف العدو والصراع: تم في العديد من الكتب الدراسية استبدال مصطلحات مثل "العدو الصهيوني" و"الاحتلال الصهيوني" بعبارات أقل حدة وتأثيراً مثل "الجانب الأخر" أو "النزاع في الشرق الأوسط"، مع تقليص المساحات المخصصة لتاريخ القضية الفلسطينية والحروب العربية مع الكيان الصهيوني.
تعديل الخرائط الجغرافية: جرى مسح أجزاء واسعة من الخرائط التي تحمل اسم "فلسطين" كاملة من البحر إلى النهر، أو ترك المناطق بدون تسميات جغرافية محددة، وتغيير التسميات التاريخية للمدن الساحلية المحتلة.
تفريغ النصوص الدينية والأدبية: تم حذف دروس وقصائد تتناول قيم الجهاد والدفاع عن الأوطان، ومقاومة الظلم الاستعماري، واستبدالها بنصوص تركّز حصراً على التسامح والدبلوماسية دون ربطها بالعدالة وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
إدخال مفاهيم وتجارب غريبة عن السردية الوطنية: بلغت المطالبات والضغوط الغربية حدود التوصية بتدريس روايات تاريخية أوروبية مثل "الهولوكوست" في المناهج العربية، مع حجب وإخفاء المحطات التاريخية والمجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية.
المناهج الفلسطينية والسلطة: الضغوط واستحقاقات التمويل
تمثل المناهج الدراسية الفلسطينية الساحة الأكثر استهدافاً وحساسية، لكونها تعبر بشكل مباشر عن ثبات الشعب المحتل وتصميمه على التمسك بأرضه وروايته الوطنية.
الطلبات الغربية والصهيونية: تضغط المؤسسات التابعة للكيان الصهيوني، المدعومة بشركاء غربيين ومنظمات ضغط ومؤسسات مانحة، من أجل حظر تدريس أية موضوعات تتعلق بأسرى الحرية، أو الشهداء، أو النكبة الفلسطينية، أو الجدار العازل والتهجير. كما تطالب بشطب أية نصوص تشير إلى أن القدس هي العاصمة الأبدية والكاملة لفلسطين، وحذف الأنشطة والقصائد التي تزرع حب الوطن وروح الرباط والمقاومة، وربط المساعدات المالية الموجهة للميزانية والتعليم بهذه التعديلات تحت بند "التوافق مع معايير السلام واليونسكو".
مدى الاستجابة الفلسطينية: واجهت المناهج الفلسطينية ضغوطاً متصاعدة وهجمات متكررة. وعلى الرغم من المقاومة الرافضة لهذه الضغوط في محطات عدة، إلا أن تقارير وتعديلات ميدانية كشفت عن تراجع وتجاوب مرحلي من قِبل السلطة الفلسطينية لتفادي قطع التمويل. شمل ذلك سحب بعض الكتب المدرسية واستبدالها برزم تعليمية مؤقتة، وتخفيف حضور سيرة الأسرى والمفاهيم النضالية، وشطب نصوص وقصائد وطنية، واستبدال مصطلحات ومفاهيم وطنية واضحة بعبارات محايدة وعامة. هذا التراجع أثار سجالاً واسعاً ورفضاً مجتمعياً بين النخب التربوية والأسر التي رأت فيه مساساً خطيراً بصلابة الهوية الوطنية ورواية الحق الفلسطيني.
إن تجاوز حالة التردي الفكري والاستلاب الثقافي يقتضي إدراكاً حاسماً بأن معركة المناهج والوعي ليست مجرد ملف تعليمي إداري يخضع للمساومات المالية والتوازنات السياسية، بل هي جبهة المواجهة الرئيسية التي تُحدد مصير وجود الأمة واستقلالها الحضاري. إن تجريف الذاكرة الوطنية وتسليم عقول الناشئة لسرديات المستعمر يُعد هزيمة استراتيجية أخطر في آثارها من نتائج المعارك العسكرية؛ إذ إن الخسارة الجغرافية يمكن استردادها ما دامت الإرادة حية والذاكرة صلبة، أما تفكيك الوعي وتزوير التراكم التاريخي فيؤديان إلى شلل دائم في قدرة الأمم على النهوض والمقاومة.
إن التحدي اليوم يتجاوز المؤسسات الرسمية التي ارتضت التكيف مع خيارات الخضوع والتنازل؛ ليكون واجباً شاملاً يقع على عاتق المجتمع، والأسر، والمعلمين، والأكاديميين، والقوى الأهلية والفكريّة المستقلة. والمطلوب فوراً هو ابتكار الوسائل والأدوات المعرفية والإعلامية والتربوية البديلة لحماية الذاكرة الجمعية من التزوير، وترسيخ الحقوق الوطنية والدينية التأسيسية كحق عودة اللاجئين، وعروبة القدس كاملة، وحق الشعوب في المقاومة والتحرر. إن الشعوب التي تتخلى عن ثوابتها تحت مفاعيل الضغط والترغيب تفقد مبرر بقائها وكرامتها بين الأمم، بينما تظل الشعوب المتمسكة بهويتها وسرديتها قادرة على تجاوز ظروف الضعف الطارئة وإعادة كتابة تاريخها بإرادتها الحرة المستقلة.