وصية الغياب: حين يُروى المرض بلغة الحرب والذاكرة
وصية الغياب قراءة نقدية في رواية المرض والحرب والذاكرة وتطور الشخصيات والخطاب السردي
بقلم: د. عواد ابو زينة
ليست "وصية الغياب" رواية عن مرض عضال ينتهي بالموت فحسب، ولا عن زوج يفقد زوجته وأطفال يفقدون أمهم؛ إنها رواية ترصد ما يحدث للحياة الأسرية حين يدخل الموت إلى قلبها، وكيف تحاول الشخصيات أن تتعامل مع حقيقة لا تستطيع تغييرها. ومن هنا لا يبدو السؤال الأهم: ما معنى المرض في الرواية؟ بل: كيف يُروى المرض؟ ومن الذي يتحدث عنه؟ وبأي لغة؟ وكيف تتغير صورته عندما ينتقل من الطبيب إلى الزوج، ومن الزوج إلى الأب، ثم إلى هاجر نفسها، وبعد ذلك إلى الأطفال وسلوى؟
تكشف الرواية منذ البداية عن تعدد واضح في طرائق الكلام عن المرض. فالطبيب يتحدث بلغة التشخيص والنتائج والعلاج، بينما يحاول الزوج أن يعيد صياغة ما يسمعه بلغة الحب والخوف والتطمين، ثم يتحدث بوصفه أبًا يحاول حماية أطفاله من الحقيقة، في حين تنتقل هاجر تدريجيًا من موقع المرأة التي يتحدث الزوج عنها إلى موقع المرأة التي تعرف ما يحدث في جسدها وتتكلم عن مصيرها وتقرر ما ينبغي أن يحدث لعائلتها بعد غيابها. وعلى امتداد هذا الانتقال تدخل مفردات الحرب والحصار والمعركة والمنفى والوطن إلى الحديث عن المرض، ثم تتداخل معها لغة أخرى أكثر حميمية: لغة البيت والأطفال والرائحة واللمسة والحكاية والذاكرة.
بهذا المعنى، فإن الرواية لا تقدم خطابًا واحدًا عن المرض، بل تقدم استراتيجية خطابية متعددة المستويات؛ إذ تتغير اللغة والمفردات وطريقة النظر إلى الحدث بتغير المتكلم وموقعه من هاجر ومن الأسرة ومن الحقيقة نفسها. وهذه التحولات هي التي تسمح بتتبع نمو الشخصيات، ولا سيما هاجر والأطفال وسلوى، وبفهم التحول الذي يطرأ على الزوج من رجل يحاول تأجيل الحقيقة إلى رجل يتعين عليه أن يعيش معها ويحمل وصية زوجته.
من لغة الطبيب إلى لغة الزوج: حين تتغير الحقيقة بتغير الخطاب
في لحظة حاسمة، يغلق الطبيب الباب على الزوج ويتحدث معه بعيدًا عن هاجر. يبدأ كلامه بعبارة: "أستاذ.. لنكن واقعيين"، ثم يقول: "حالة زوجتك ليست وعكة طارئة" [91]. هذه اللغة تنتمي إلى موقف مهني يقتضي تسمية الحالة كما يراها الطبيب. ولا يملك الطبيب، داخل الرواية، اللغة التي يملكها الزوج: فهو لا يتحدث عن تاريخ الحب بين الرجل والمرأة، ولا عن الأطفال، ولا عن البيت، وإنما عن حالة مرضية ونتائجها.
ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة عندما يقول الطبيب: "إما الاستمرار في الهجوم الكيماوي مع مخاطرة بانهيار الكبد، أو الانتقال إلى العلاج التلطيفي"، ثم يحدد الهدف: "قضاء ما تبقى من وقت بسلام" [130]. لكن العبارة الأخيرة لا تبقى في معناها الطبي حين تدخل وعي الزوج. يقول: "كلمة "ما تبقى من وقت" لم تكن مجرد توصيف طبي، بل كانت مقصلة زمنية قطعت خيط المستقبل في ذهني" [130].
هنا تظهر بوضوح المسافة بين الخطابين. الطبيب يتحدث عن الوقت المتبقي بوصفه توصيفًا للحالة، بينما يسمع الزوج في العبارة إعلانًا عن نهاية المستقبل المشترك. الطبيب يتحدث عن العلاج التلطيفي، أما الزوج فيسمع بداية الفقد. ليست إحدى اللغتين صحيحة والأخرى خاطئة؛ إنهما لغتان تصفان الواقعة نفسها من موقعين مختلفين.
وتتأكد هذه المسافة عندما يعترف الزوج بأنه كان يحاول أن يصنع لها واقعًا آخر بالكلمات. يقول: "كنت أصارع الحقيقة بالخيال، وأواجه اليقين بالبلاغة" [76]، ويضيف أن "اللغة هي آخر الحصون التي نلوذ بها حين تخوننا الأجساد" [76]. فاللغة عنده لم تعد أداة لوصف الواقع، وإنما أصبحت وسيلة للدفاع النفسي عنه.
ولهذا يقول لها إن الأطباء "أصدقاء قدامى"، ويحاول أن يجعل العيادة مكانًا مألوفًا، ويصف ما يحدث بأنه "مجرد وعكة" [75]. لكنه يعرف في داخله أن ما يقوله ليس الحقيقة التي يعرفها. وهو يصرح بذلك بوضوح: "كنتُ أعلم أن "فندق" العيادة هذا ليس فيه متسع للراحة، بل هو محطة انتظار ثقيلة بين الحياة وما يشبهها" [76].
إذن نحن أمام خطابين متجاورين ومختلفين في الوظيفة: خطاب طبي مهني يواجه المرض باعتباره حالة ينبغي تشخيصها والتعامل معها، وخطاب زوجي وجودي يحاول أن يجعل الحقيقة قابلة للاحتمال. وهذا التباين لا يظهر في المفردات وحدها، وإنما في الغاية من الكلام نفسه.
الزوج: هل يحمي هاجر أم يحمي نفسه؟
تزداد المسألة تعقيدًا لأن الزوج لا يخفي الحقيقة عن هاجر فقط؛ إنه يحاول، في الوقت نفسه، حماية نفسه من الاعتراف بها. وتكشف الرواية أن ما يبدو في البداية رغبة في حماية الزوجة يتحول تدريجيًا إلى آلية لتأجيل المواجهة.
تقول هاجر له: "هل تظن فعلاً أنها مجرد وعكة يا حبيبي؟" [79]. السؤال لا يطلب معلومة؛ إنها تعرف. والدليل يأتي في كلامها الصريح لاحقًا: "أعلم أنك تفيض حبًا وتريد أن تخفف عني آلامي بكلماتك الرقيقة، لكنني لست غافلة عما يجري في جسدي" [154]. ثم تقول: "أعلم يقينًا أنني راحلة، سواء كان ذلك اليوم أو غدًا" [154].
بهذا تكشف الرواية أن التفاوت بين الزوج وهاجر ليس تفاوتًا في المعرفة الطبية، وإنما في الموقف من الحقيقة. كلاهما يعرف، لكن الزوج يرفض الاعتراف، بينما هاجر تصل إلى مرحلة القبول. ولذلك يقول الراوي نفسه بعد مواجهتها له: "كلاّنا صرنا نعرف، لكن أحدنا يرفض الاعتراف، والآخر يغرق في القبول" [79].
وهنا تصبح شخصية الزوج أكثر وضوحًا. فهو ليس راويًا مضللًا للقارئ، ولا مشكلة الرواية في صدق روايته أو كذبها؛ بل هو راوٍ شديد التورط في الحدث، تتأثر رؤيته بالحب والخوف والرغبة في حماية الأسرة. ولذلك يستخدم اللغة في الاتجاهين: تارة ليخفف عن هاجر، وتارة ليحمي الأطفال، وتارة ليحاول إقناع نفسه بأن ما يحدث يمكن أن ينتهي على نحو آخر.
ومن هذه الزاوية، فإن تطور الزوج لا يتمثل في أن شخصيته تنقلب إلى شخصية أخرى، بل في أن وظيفته تجاه الحقيقة تتغير. يبدأ بوصفه الرجل الذي يحاول التحكم في أثر الحقيقة باللغة، وينتهي بوصفه حاملًا لما تركته هاجر من عهد وذاكرة ومسؤولية.
هاجر: من موضوع للرؤية إلى صاحبة رؤية وقرار
في القسم الأول من الرواية نتعرف إلى هاجر من خلال زوجها. هو الذي يصف جسدها، وتعبها، وصمتها، وحركتها، ويترجم نظراتها. وهذا يجعلها في البداية، سرديًا، موضوعًا لرؤية الزوج.
لكن هذا الوضع لا يستمر. سؤالها: "هل تظن فعلاً أنها مجرد وعكة يا حبيبي؟" [79] هو أول كسر واضح لهذه العلاقة. فالمرأة التي كان الزوج يتحدث عنها تكشف أنها ترى الزوج نفسه، وتقرأ ما يخفيه، وتعرف أن لغته ليست إلا محاولة لتغطية حقيقة واضحة لها.
ثم يأتي التصريح الأكثر حسمًا: "لكنني لست غافلة عما يجري في جسدي" [154]، ثم "أعلم يقينًا أنني راحلة، سواء كان ذلك اليوم أو غدًا" [154]. هنا لم تعد هاجر موضوعًا لوعي الزوج، وإنما أصبحت ذاتًا تمتلك وعيها الخاص بالمرض والمصير.
وهذا التحول لا يتوقف عند المعرفة. هاجر لا تكتفي بأن تقول إنها تعرف أنها راحلة؛ بل تبدأ في التصرف على أساس هذه المعرفة. عندما تستدعي سلوى وتقول لزوجها: "عليك أن تضحي من أجل صغارنا" [159]، تكون قد انتقلت من موقع المريضة التي ينتظر الجميع مصيرها إلى موقع الشخصية التي تفكر في الحياة التي ستستمر بعد موتها.
ومن هنا يمكن القول إن هاجر شخصية نامية سرديًا، لا لأن الرواية تغير صفاتها الأساسية، بل لأن موقعها وفاعليتها يتغيران بوضوح. في البداية نعرفها عبر الزوج؛ ثم نكتشف أنها ترى ما يحاول إخفاءه؛ ثم تصبح صاحبة موقف من موتها؛ ثم تصبح صاحبة قرار في مستقبل الأسرة؛ وأخيرًا تصبح هي التي تصنع الوصية التي سيعيش الآخرون في ضوئها.
وهذا من أهم تحولات الرواية: الزوج يبدأ برؤية هاجر، ثم تكشف هاجر أنها ترى الزوج، ثم تنتقل هي إلى موقع من يصنع رؤية المستقبل للآخرين.
كيف تدخل لغة الحرب إلى الجسد؟
تستخدم الرواية بكثافة مفردات الحرب في وصف المرض. لكن القول إن "المرض هو الاحتلال" أو إن "هاجر هي غزة" سيكون أكثر مما يثبت النص. الرواية نفسها تستخدم علاقة تشبيهية صريحة عندما تقول: "لقد غدا جسدها مرآة لغزة" [29]. فالمرآة هنا تربط تجربتين، ولا تلغي الفارق بينهما.
ما يحدث في النص أكثر دقة من مجرد استعارة عابرة. فالسارد الذي يعيش تجربة غزة ويمتلك ذاكرتها الثقافية يجد نفسه يفسر ما يحدث داخل جسد هاجر بالمفردات التي يعرف بها الخطر في الخارج. لذلك يصبح المرض "عدوًا"، والجسد "ساحة صراع"، والانتشار صورة للاحتلال، والمستشفى "منفى"، والانتقال إليه نوعًا من الإبعاد.
وفي موضع آخر يقول الراوي إن جسدها أصبح "وطنًا مستباحًا ينهشه العدو من كل زاوية" [53]. وفي هذا التعبير يتجاور الجسد والوطن، لا باعتبارهما شيئًا واحدًا، وإنما لأن تجربة التهديد تستدعي النموذج اللغوي نفسه.
الأهم أن الرواية نفسها تفسر هذا التحول من داخل وعي الزوج. فهو يقول إنه كان يمنح هاجر "وطنًا متخيلًا من الكلمات، لأن الوطن الحقيقي صار ساحة معركة مستباحة" [76]. وهنا نرى أن لغة الحرب لم تأتِ من خارج التجربة، وإنما انتقلت من تجربة الوطن إلى تجربة المرض عبر وعي الراوي.
ولذلك يمكن القول إن الواقع الحربي لا يغير موضوع الكلام فحسب، بل يغير النظام اللغوي الذي تُفهم به التجربة. فالزوج لا يواجه المرض بلغة طبية خالصة؛ إن خبرته السابقة في الصراع والحصار تجعله يستعير منه مفرداته وصوره. وعندما يقول عن قسم الأورام إنه "منفى" [59]، فهو لا يصف مكانًا طبيًا فحسب، بل يضعه داخل شبكة من الخبرات التي يعرفها: الاقتلاع، والعزل، والانتظار، وفقدان السيطرة على المصير.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في الانتقال من اللغة الطبية إلى لغة الحرب: اللغة لا تتغير اعتباطًا؛ الواقع الذي عاشه الراوي يمده بالنموذج الذي يعيد به تفسير واقع جديد.
المستشفى والبيت: اختلاف المكان واختلاف اللغة
لا يتغير الخطاب في الرواية بتغير المتكلم فقط؛ يتغير أيضًا بتغير المكان. المستشفى يفرض لغة تختلف عن لغة البيت.
في المستشفى يصبح الجسد موضوعًا للفحص والمراقبة والعلاج. هناك الطبيب والملف والتحليل والجهاز والقرار. وفي البيت يعود الجسد إلى علاقاته الأصلية: الأم، الزوجة، الأطفال، المائدة، النوم، الرائحة، اللمسة، والحكاية.
ولهذا لا يبدو البيت في الرواية مجموعة أثاث وأشياء جامدة. فالراوي يقول عن هاجر إنها كانت ترتب البيت باستمرار، وأن ترتيبها كان يمنح الحياة "معناها واستقرارها" [22]. وبعد غيابها لا يرى البيت بوصفه مكانًا فارغًا، بل بوصفه مكانًا امتلأ بغيابها: "الفراغُ لم يكن غيابًا للأشياء، بل كان حضورًا صاخبًا لعدمها" [229].
هذه العبارة تكشف أن المكان في الرواية لا يُبنى من الأشياء وحدها؛ إنه يُبنى من العلاقات والانفعالات والذكريات التي ارتبطت بها. ولذلك يختلف البيت عن المستشفى حتى عندما يوجد الجسد نفسه في المكانين.
في المستشفى تنتمي هاجر إلى خطاب المرض؛ في البيت تنتمي إلى خطاب الأسرة. وفي المستشفى يصبح الزمن "ما تبقى من وقت"، أما في البيت فيصبح وقتًا تقاسه أفعال صغيرة: قبلة، ومائدة، وضفيرة، ورائحة، وحكاية.
ولهذا فإن انتقال الشخصيات من البيت إلى المستشفى وبالعكس ليس انتقالًا مكانيًا فقط؛ إنه انتقال بين نظامين من الإحساس والتعبير.
لماذا تصارح هاجر أطفالها؟
كانت استراتيجية الزوج قائمة في البداية على حماية الأطفال من الحقيقة. عندما يعود إليهم يقول إن أمهم "ترتاح قليلاً في ذلك المكان الهادئ"، ويحاول أن يرسم ابتسامة تصدقها عيونهم [111]. لكنه يكتشف أن سارة، بنضجها المبكر، تقرأ في عينيه ما يحاول إخفاءه.
ثم تأتي اللحظة التي تقرر فيها هاجر أن تتحدث بنفسها. تجمع إياد وسارة ويامن وتقول: "أريد أن أخبركم بـ"سر الحكاية" التي لم تنتهِ بعد" [138].
لماذا تختار هاجر هذا الوقت؟
لأنها تجاوزت مرحلة حماية الأسرة من الحقيقة إلى تهيئتها للحياة بعدها. وهي لا تستخدم اللغة الطبية؛ لا تقول لهم ما قاله الطبيب، وإنما تعيد صياغة الموت في شكل يستطيع الأطفال احتماله: "الملكة قررت أن تأخذ استراحة طويلة في قصر الغيوم" [138].
لكنها لا تعود إلى الكذب السابق. إنها لا تقول إن المرض سيزول، وإنما تقدم للأطفال صورة عن الغياب تسمح لهم باستيعابه. والدليل أن سؤال سارة ينتقل مباشرة إلى المستقبل: "من سيقص علينا الحكاية غدًا؟ من سيضفر شعري قبل المدرسة؟" [139].
هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس "هل ستموت أمي؟" بل "كيف سنعيش عندما لا تكون هنا؟". وهذا هو السؤال الذي كانت هاجر قد بدأت هي نفسها في الإجابة عنه.
لماذا الرائحة؟
تكتسب الرائحة أهميتها من أنها إحدى وسائل تحويل الحضور الجسدي إلى ذاكرة يمكن استدعاؤها بعد الغياب. عندما يقول يامن: "ماما، رائحتكِ جميلة اليوم.. تشبه الورد" [140]، لا تمر هاجر على العبارة بوصفها لحظة عاطفية عابرة، وإنما تحولها إلى وصية: "هذا عطر الحب يا يامن.. تذكروا هذه الرائحة دائمًا" [140].
ثم تقول لهم: "إذا كبرتم وشعرتم بالخوف، ابحثوا عن رائحة الورد، ستعرفون أنني معكم" [140].
الرائحة هنا ليست رمزًا يحتاج إلى تأويل بعيد؛ النص نفسه يحدد وظيفتها: أن تكون وسيلة لاستدعاء الأم في المستقبل. وهذا يوسع مفهوم الذاكرة في الرواية. فهاجر لا تريد أن تبقى في ذاكرة أطفالها من خلال الكلام وحده، وإنما من خلال الحواس أيضًا: الرائحة، واللمسة، ودقات القلب، والصورة في المرآة.
وفي السياق نفسه تقول لسارة: "الحكايات لا تموت بموت الرواة" [139]. ثم تمنحها وسيلة لاستمرارها: "ضعي يدك على قلبك" [139]، وإذا احتاجت إلى مساعدتها في شعرها "انظري في المرآة" [139].
هكذا يتحول الجسد الذي يقترب من الغياب إلى مخزون من العلامات الحسية التي يستطيع الأطفال استدعاءها. وهذه من أكثر الأفكار تماسكًا في الرواية: الموت ينهي الجسد، لكنه لا ينهي الوسائط التي ترك بها الجسد أثره في الآخرين.
الأطفال: من متلقين للوصية إلى مشاركين في تنفيذها
لا يبقى الأطفال في الرواية متلقين سلبيين للخوف والحزن. إنهم يتطورون مع تطور الأحداث.
في البداية يحاول الأب حمايتهم من الحقيقة. ثم تبدأ سارة في قراءة ما يخفيه الأب. وبعد ذلك تستمع الشخصيات الثلاث إلى هاجر مباشرة، وتتحول كلماتها إلى شيء يتعين عليهم أن يحملوه.
وهذا التحول واضح بصورة خاصة في علاقتهم بسلوى. تقول هاجر لهم: "لا تنادوها "خالتي"؛ فكلمة الخالة مسافة"، ثم تطلب منهم: "نادوها "ماما سلوى"" [243].
لا يتوقف الأمر عند سماع الوصية. في النهاية تقول سارة لسلوى: "ماما سلوى. هل ستنامين معنا الليلة؟" [251]. وتجيب سلوى: "نعم يا حبيبتي.. سأبقى معكم دائمًا" [251].
إذن الأطفال لم يعودوا مجرد حَمَلة لذكرى الأم؛ لقد أصبحوا جزءًا من تنفيذ قرارها. صحيح أن القرار أصدرته هاجر، لكن قبوله وتحويله إلى ممارسة داخل البيت يتوقف على الأطفال أيضًا. وهنا تظهر حركتهم من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
وتزداد هذه الفاعلية حين تستمع سلوى إلى ما قالته سارة وإياد، ثم تقول: "بعد أن جعلتني هاجر "أماً" في قلوبهم قبل أن أخطو خطوة واحدة.. لم يعد لي خيار" [249]. وبذلك يصبح الأطفال طرفًا في الانتقال من الوصية إلى الواقع.
هذه الحركة تجعل الشخصيات الصغيرة نامية سرديًا أيضًا. فهي لا تبدأ الرواية وهي تمتلك هذا الوعي، وإنما تفرض عليها تجربة المرض والموت أن تنضج بسرعة، وأن تتعلم كيف تتعامل مع الغياب وكيف تحافظ على علاقة الأم بالعائلة بعد رحيلها.
هاجر وسلوى: الاستمرار لا الاستبدال
من السهل أن تُقرأ علاقة هاجر بسلوى بوصفها إعدادًا لبديل عن الأم، لكن الرواية نفسها تقاوم هذا الاختزال. هاجر لا تطلب من سلوى أن تكون هي، وإنما تطلب منها أن تكون امتدادًا للعناية التي كانت تمارسها هي.
تقول للأطفال عن سلوى: "إنها ليست غريبة، بل هي المستودع الذي أودعت فيه بقايا حناني لكم" [243]. ثم تحدد وظيفتها بعبارات واضحة: "هي اليد التي ستمسح دمعتكم حين يغيب منديلي، وهي الحضن الذي سيسكن روعكم حين يعصف بي الموت" [243].
إذن القرار ليس استبدال امرأة بأخرى، وإنما محاولة لمنع الغياب من أن يتحول إلى انهيار كامل للأسرة.
أما سلوى نفسها، فهي شخصية تتغير بالفعل. تبدأ من موقع الصديقة التي قد تجد نفسها أمام وعد لا تعرف إن كانت قادرة على الوفاء به، ثم تتردد، ثم تحاول أن تعفي الزوج من ذلك الوعد، لكنها في النهاية تتغير عندما تسمع كلام الأطفال. تقول: "بعد ما سمعته من سارة وإياد.. بعد أن جعلتني هاجر "أماً" في قلوبهم... لم يعد لي خيار" [249].
ومن ثم فالشخصية لا تبقى ثابتة. لقد انتقلت من امرأة تقف خارج مستقبل الأسرة إلى امرأة تقبل الدخول فيه وتحمل مسؤوليته. وهذا تحول سردي واضح لأن موقعها داخل شبكة العلاقات يتغير، ويتغير معه قرارها وسلوكها ووظيفتها في نهاية الرواية.
هل الزوج وسلوى شخصيتان ناميتان بالدرجة نفسها؟
لا ينبغي وضع الشخصيتين في مستوى واحد.
الزوج يظل، من بداية الرواية إلى نهايتها، مرتبطًا بدور الزوج والأب والراوي. ولا تتغير هويته الأساسية، لكن وعيه يتغير. يبدأ بمحاولة التحكم في الحقيقة، ثم يواجه عجزه أمام المرض، ثم يتلقى وصية هاجر، ثم يصبح حاملًا لها بعد موتها. لذلك فإن نموه نفسي ووجودي ووظيفي أكثر منه تحولًا في البنية الشخصية.
أما سلوى، فتطورها أوضح من حيث الحركة بين المواقع: صديقة، ثم امرأة مترددة في الدخول إلى علاقة جديدة، ثم امرأة تتلقى وصية هاجر، ثم تصبح "ماما سلوى" في نظر الأطفال، ثم تقبل مسؤوليتها عنهم. ولذلك يمكن القول إن الرواية تمنحها مسارًا تطوريًا أكثر وضوحًا.
أما هاجر فهي أكثر الشخصيات نموًا من حيث الفاعلية السردية: من امرأة يروي الزوج عنها، إلى امرأة تكشف معرفتها، ثم تواجه مصيرها، ثم تتخذ قرارات تتعلق بالأسرة، ثم تصبح صاحبة الوصية التي تحدد جانبًا من مستقبل الآخرين.
من مقاومة الحقيقة إلى إعادة تنظيم الحياة بعدها
يمكن الآن النظر إلى الرواية كلها باعتبارها سلسلة من التحولات في العلاقة بالحقيقة.
في البداية يحاول الزوج أن يقاوم الحقيقة باللغة. يقول: "كنت أصارع الحقيقة بالخيال، وأواجه اليقين بالبلاغة" [76]. ثم تأتي هاجر لتكشف له أن هذه اللغة لم تعد قادرة على إخفاء ما تعرفه هي. وبعد ذلك تتحول هاجر من مواجهة المرض إلى التفكير في ما سيحدث بعد موتها.
ومن هنا تبدأ الوصية.
الوصية ليست مجرد مجموعة تعليمات، وإنما تحويل للحاضر إلى مشروع للمستقبل. هاجر تعرف أن جسدها سيغيب، ولذلك تحاول أن تترك نظامًا يسمح للأسرة بالاستمرار. ولهذا تصارح الأطفال، وتطلب منهم أن يتذكروا رائحتها، وأن يحب بعضهم بعضًا، وأن يكون إياد سندًا لأخته، وأن تبقى سارة قوية [140]. ثم تتدخل في علاقة الزوج بسلوى، وتطلب منه أن يفكر في مستقبل الأطفال [159].
وبهذا تنتقل الشخصية من سؤال: "كيف أعيش؟" إلى سؤال: "كيف يعيش من سأتركهم؟".
وهذه النقلة هي جوهر تطورها.
الوصية وانتقال الفاعلية بين الشخصيات
في بداية الرواية يمتلك الطبيب سلطة المعرفة الطبية، لكن سلطته تنتهي عند حدود التشخيص والعلاج. الزوج يمتلك بعد ذلك سلطة التفسير داخل الأسرة، فيحاول أن يخفف وقع الحقيقة. ثم تستعيد هاجر سلطة المعرفة والقرار، وتبدأ في تنظيم المستقبل. وبعد موتها تنتقل الوصية إلى الأطفال، ويصبح قبولهم لها جزءًا من تحققها، ثم تنتقل إلى سلوى التي تصبح طرفًا في استمرار الأسرة.
وبذلك يمكن رسم حركة الفاعلية في الرواية على النحو الآتي:
الطبيب يصف المرض → الزوج يحاول إدارة أثر الحقيقة → هاجر تكشف وعيها بالحقيقة → هاجر ترتب المستقبل → الأطفال يحملون الوصية وينفذون جانبًا منها → سلوى تدخل في الحياة التي رتبتها هاجر.
هذه الحركة هي التي تجعل العنوان "وصية الغياب" دالًا على أكثر من موت هاجر. فالغياب لا يأتي في النهاية ليغلق الحكاية؛ إنه اللحظة التي تبدأ عندها الوصية في العمل.
الخاتمة: حين تصبح اللغة وسيلة للسكن في الحقيقة
تكشف "وصية الغياب" أن الصراع الحقيقي ليس بين المرض والشفاء فقط، وإنما بين الحقيقة والطريقة التي يستطيع الإنسان أن يعيش بها معها.
الطبيب يتحدث بلغة مهنية مباشرة؛ والزوج يحاول تحويل الحقيقة إلى لغة قابلة للاحتمال؛ والأب يستخدم لغة الحماية مع الأطفال؛ وهاجر تصل إلى لغة الاعتراف والوصية؛ والأطفال يحولون كلامها إلى ذاكرة وسلوك؛ أما سلوى فتحول الوصية إلى استمرار فعلي للحياة الأسرية.
وفي هذا المسار تتداخل لغة الطب مع لغة الحرب، ثم تتداخل لغة الحرب مع لغة البيت. لا لأن الرواية تساوي بين المرض والاحتلال، وإنما لأن تجربة الصراع التي تحيط بالشخصيات تمد السارد بمفرداتها وصورها حين يحاول فهم تهديد آخر يقع داخل الجسد. ولهذا يصبح الجسد "مرآة لغزة" [29]، ويصبح المستشفى منفى، والمرض معركة، والجسد وطنًا مستباحًا، ثم تعود هذه اللغة كلها في النهاية إلى سؤال أكثر حميمية: من سيقص الحكاية؟ من سيضفر شعر سارة؟ من سيحتضن الأطفال؟ وكيف ستبقى الأم بعد أن يغيب جسدها؟
وعند هذه النقطة تصبح الرائحة والحكاية واللمسة والاسم والبيت أجزاء من نظام واحد: نظام الذاكرة. هاجر لا تستطيع منع غيابها، لكنها تستطيع أن تترك للذين سيبقون وسائل لاستحضارها. والزوج لا يستطيع إنقاذها، لكنه يستطيع حمل عهدها. والأطفال لا يستطيعون رد الموت، لكنهم يستطيعون تحويل كلماتها إلى ممارسة. وسلوى لا تستطيع أن تكون هاجر، لكنها تستطيع أن تدخل في الاستمرار الذي أعدته هاجر بنفسها.
لهذا لا تكمن قوة الرواية في القول إن المرض هزيمة أو إن الموت انتصار أو إن الغياب يتحول آليًا إلى حضور؛ بل في أنها تتابع، من خلال تغير الخطابات وتطور الشخصيات، كيف يعاد تنظيم الأسرة عندما يصبح الموت حقيقة لا يمكن ردها.
وهنا تستحق "وصية الغياب" عنوانها: فالوصية لا تبدأ فعلًا حين تقول هاجر كلماتها الأخيرة، وإنما حين تتحول كلماتها إلى أفعال في حياة من بقوا. وعندئذ يصبح الغياب ليس نهاية العلاقة، بل بداية شكل جديد من استمرارها في الذاكرة واللغة والأسرة.
ولنا مع الرواية جلسة اخرى ان بقي في القنديل زيت 🌹