الغطاء الدولي وموازين القوى: قراءة جيوستراتيجية في الانخراط الغربي بالشرق الأوسط
قراءة جيوستراتيجية بقلم د. علاء أبوعامر في الانخراط الغربي بالشرق الأوسط والغطاء الدولي لإسرائيل، وانعكاساته على موازين القوى وشرعية النظام الدولي.
بقلم:د. علاء أبوعامر
الانخراط الغربي والحسابات الجيوستراتيجية
تثبت التطورات الميدانية والسياسية المتعاقبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أن المقاربة الغربية للصراع لم تكن يوماً مجرد انحياز دبلوماسي عابر أو موقف سياسي طارئ، بل تعبر عن انخراط جيوستراتيجي ممتد يستهدف صيانة الهندسة الإقليمية وحماية الترتيبات الأمنية للغرب في الشرق الأوسط. إن فهم الأبعاد العميقة لهذا الانخراط يتطلب الخروج من الإطار الأخلاقي المباشر لتفكيك الحسابات الباردة التي تحكم بيئة القرار في العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، حيث يتحول التواطؤ الميداني والسياسي إلى جزء لا يتجزأ من استراتيجية إدارة النفوذ الدولي.
الغطاء الدبلوماسي والإمداد العسكري والاستخباري
يتبدى هذا الانخراط الغربي في مستويات عدة تشمل تقديم الغطاء الدبلوماسي والمؤسسي الكامل، بدءاً من تعطيل منظومة القانون الدولي عبر التوظيف المتكرر لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن، وصولاً إلى تفريغ القرارات الأممية من مضمونها التنفيذي. يرافق ذلك شريان إمداد عسكري واستخباري مفتوح يتجاوز حدود التسليح التقليدي إلى التنسيق العملياتي وإتاحة التقنيات المتقدمة، فضلاً عن إعادة صياغة المفاهيم السياسية والإعلامية لشرعنة التطهير العرقي وسياسات الأرض المحروقة تحت غطاء الدفاع عن النفس، مما يخلق بيئة آمنة للمشروع الصهيوني للاستمرار في مخططاته دون خشية الملاحقة الدولية.
المصالح الاستراتيجية وموازين القوى الإقليمية
إن الإصرار الغربي على توفير هذه الحماية المطلقة يرتبط برؤية أمنية ترى في إسرائيل الممر الحاسم لضمان المصالح الاستراتيجية، واحتواء صعود القوى المنافسة مثل روسيا والصين في منطقة شرق المتوسط والبحر الأحمر. بالنسبة لدوائر القرار الغربية، فإن أي انكسار للهيبة العسكرية والسياسية لإسرائيل يمثل تهديداً المباشر لخطوط التجارة ونفوذ الطاقة، وفرص التحكم بمسارات الشرق الأوسط الكبير. ومن هذا المنطلق، تصبح ممارسات الإبادة والتهجير القسري، في المنظور الاستراتيجي الغربي، مجرد تكلفة جانبية مقبولة في سبيل إعادة ترتيب البيئة الأمنية الإقليمية وفرض واقع جديد يضعف حركات المقاومة المناهضة للهيمنة.
تآكل شرعية المؤسسات الدولية وازدواج المعايير
ومع ذلك، فإن هذه الحسابات الاستراتيجية تنطوي على تداعيات خطيرة تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي برمته. فقد أدى هذا الانحياز المباشر إلى تآكل متسارع لشرعية المؤسسات الدولية وهياكل الحوكمة العالمية، بعدما تبدى للعلن ازدواج المعايير في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. هذا التآكل لا يقتصر على دول الجنوب العالمي التي فقدت إيمانها بالنظام القائم، بل يمتد إلى داخل المجتمعات الغربية نفسها، حيث تتسع الفجوة بين النخب الحاكمة والقواعد الشعبية والأكاديمية التي باتت ترفض التغطية على هذه الجرائم.
تداعيات السياسات الغربية على مستقبل النظام الدولي
إن النتيجة الحتمية لهذه السياسات لا تكمن فقط في تعميق المأساة التاريخية للشعب الفلسطيني، بل في تسريع انهيار النموذج الأخلاقي والسياسي الذي حاول الغرب فرضه على العالم منذ منتصف القرن الماضي. وسيكون من شأن هذا التواطؤ الهيكلي أن يدفع بالنظام الدولي نحو مزيد من السيولة والاستقطاب، حيث تعود قوة الأمر الواقع وتوازنات السلاح لتكون المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، على حساب القوانين والمبادئ التي طالما شُيّدت كغطاء للهيمنة الغربية.