زلزال كارديف: هل يدق القوميون المسمار الأخير في نعش المملكة المتحدة؟
زلزال كارديف يهدد بتفكك المملكة المتحدة بعد توقيع وثيقة التمرد الدستوري بين اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية ضد لندن.
بقلم:د. علاء أبوعامر
لم تكن قاعة فندق سانت ديفيدز المطلة على خليج كارديف مجرد مكان لاجتماع سياسي عابر، بل كانت أشبه بغرفة عمليات تاريخية أُعلن فيها رسمياً عن بدء التفكيك الطوعي لواحد من أقدم التحالفات السياسية في العالم الحديث. هناك، في العاصمة الويلزية، التقت للمرة الأولى في التاريخ ثلاث إرادات قومية كانت حتى الأمس القريب تصارع لندن بشكل منفرد؛ التقى الاسكتلندي جون سويني، بالويلزي رون أب إيورث، والأيرلندية ميشيل أونيل. لم يكن يجمعهم سوى حلم واحد، وهو الخروج من عباءة بريطانيا العظمى التي يرون أنها لم تعد عظمى إلا في سجلات التاريخ.
تحت سقف واحد، وقع القادة الثلاثة مذكرة تفاهم سُميت فوراً في الأوساط الصحفية بوثيقة التمرد الدستوري. المشهد بدا سريالياً، فرئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام، الذي يقبع خلف جدران داونينغ ستريت في لندن، وجد نفسه فجأة محاصراً بجبهة شمالية وغربية موحدة. زلة اللسان القانونية التي وقع فيها بيرنهام أمام مجلس العموم، مضافاً إليها الضوء الأخضر الضمني والمفاجئ الذي منحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة أيرلندا الموحدة أثناء زيارته لدبلن، كانا بمثابة الشعلة التي أشعلت الهشيم القومي المستعر منذ سنوات البريكست.
ولكن، بعيداً عن أروقة الفنادق الفاخرة والخطابات السياسية الرنانة لقادة التحالف، فإن لغة الواقع على الأرض تُكتب بحروف أخرى؛ حروف يمتزج فيها حماس الشارع بالخوف من المجهول. فإذا هبطنا من منصات الخطابة إلى الشوارع والمقاهي في الدول الثلاث، سنجد أن حماس القادة لا ينعكس بالضرورة بالزخم نفسه في قلوب الشعوب. ففي اسكتلندا، يقف المجتمع أمام انقسام عامودي حاد وشبه ثابت، حيث يحوم تأييد الاستقلال حول عتبة نصف المجتمع تقريباً؛ فالرغبة في التحرر تواجهها دائماً مخاوف واقعية من كلفة الانفصال الاقتصادي وخسارة الشريك التجاري الأكبر. أما في أيرلندا الشمالية، فإن صعود حزب شين فين وتصريحات ترامب وإن أنعشا حلم الوحدة الأيرلندية، إلا أن الشارع هناك يتحرك بحذر شديد، وعينه على تجنب نكء جراح الصراعات الطائفية القديمة التي تتربص بالاستقرار. وفي ويلز، تبدو الصورة أكثر هدوءاً، إذ لا يتجاوز الحماس الشعبي للانفصال التام ثلث السكان، حيث يرى الكثير من الويلزيين في تحركات قادتهم مجرد أوراق ضغط لانتزاع صلاحيات مالية أوسع وتحسين الخدمات المحلية، وليس رغبة في الطلاق البائن مع لندن.
هذا التردد الشعبي يمنح الحكومة المركزية في لندن مساحة للمناورة، مدعومة بأسلحة دستورية وقانونية حاسمة كفيلة بتعطيل هذه المذكرة وتحويلها إلى مجرد حبر على ورق. فبموجب القانون الدستوري البريطاني، تظل صلاحية الدعوة لأي استفتاء يتعلق بمصير الاتحاد حكراً على البرلمان المركزي في لندن. وإذا ما حاولت أي من الحكومات المحلية القفز فوق هذا الجدار وتنظيم استفتاء أحادي الجانب، فإن المحكمة العليا للمملكة المتحدة ستكون بالمرصاد لإبطال هذه الخطوة استناداً إلى سوابق قانونية قطعية. بل إن لندن تملك في ترسانتها السيناريو الأشد قسوة، وهو إمكانية تجميد قوانين نقل السلطات وتعليق عمل هذه الحكومات المحلية وفرض الحكم المباشر تحت ذريعة حماية الأمن القومي ووحدة البلاد.
وبين مطرقة الطموح القومي وسندان الرد القانوني، بدأت الأسواق المالية بالفعل في دفع ضريبة هذا الغموض الدستوري. فلم يكد حبر مذكرة كارديف يجف حتى تلقى الجنيه الإسترليني ضربات مباشرة أدّت إلى تراجعه أمام الدولار واليورو، فالمستثمرون يكرهون الضبابية السياسية ويفضلون الهروب على البقاء في بيئة مهددة بالتفكك. هذا القلق يمتد لأسواق السندات البريطانية، حيث يطالب المقرضون الدوليون بفوائد أعلى لإقراض الحكومة المركزية، مدفوعين بالمخاوف من فقدان لندن لثروات اسكتلندا النفطية وطاقة ويلز المتجددة، مما ينذر بتعميق أزمة غلاء المعيشة ورفع تكلفة الديون السيادية للمملكة.
أما عن فرص نجاح هذا الحلف الثلاثي في تحقيق الاستقلال التام، فإنها تظل محفوفة بالمرتفعات الشاهقة والمنحدرات الخطرة. في المدى القريب، تبدو فرص الانفصال الفعلي ضئيلة نظراً للموانع القانونية الصارمة والقبضة الدستورية التي تمتلكها لندن، فضلاً عن التحديات الاقتصادية المرعبة التي ستواجه هذه الدول عند بناء عملاتها وحدودها المستقلة. لكن في المدى البعيد، يحمل هذا الاتحاد القومي قوة دفع لا يمكن الاستهانة بها. إن نجاحهم لا يقاس بمدى قدرة جيوشهم السياسية على اقتحام أسوار لندن، بل بمدى قدرتهم على الحفاظ على هذا التحالف صامداً، وإقناع شعوبهم بأن العودة إلى حضن الاتحاد الأوروبي كدول مستقلة هي مستقبل أفضل من البقاء في مركب بريطاني يترنح.
إن المملكة المتحدة تعيش اليوم المخاض الأقسى في تاريخها المعاصر. وسواء نجح قادة اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية في فك الارتباط التام أو تعثروا في منتصف الطريق، فإن رمزية اجتماع كارديف قد كتبت بالفعل السطر الأول في الفصل الأخير من كتاب الاتحاد البريطاني القديم. لقد تحولت فكرة الاستقلال من طموحات محلية معزولة إلى جبهة سياسية موحدة ومتماسكة، مما يجعل التساؤل المطروح في ردهات السياسة العالمية اليوم ليس "هل سيتفكك الاتحاد؟"، بل "متى سيعلن رئيس وزراء بريطانيا القادم أنه بات يحكم إنجلترا وحدها؟".