الأرومة الشامية الواحدة: التجذر الكنعاني لنسل أجينور في مرايا المؤرخين
استكشف كيف تتبعت آراء المؤرخين والآثاريين مثل سيزار دي كارا ومارتن برنال وحدة الأصول الكنعانية والفينيقية لنسل أجينور في حوض المتوسط.
بقلم:د. علاء أبوعامر
تتشابك خيوط الأسطورة التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسط لتكشف عن وحدة حضارية وسلالية جمعت بين شعوب هذا الساحل الممتد، وتبرز الرواية الفينيقية المتعلقة بالملك أجينور وأبنائه كإحدى أهم الركائز التي استند إليها المؤرخون لتفسير التمازج السكاني القديم. في أواخر القرن التاسع عشر، التفت عالم الآثار الإيطالي الأب سيزار دي كارا إلى تتبع هذه الأصول من خلال دراسته للملوك الرعاة وشعوب شرق المتوسط، حيث طرح نظرية لغوية وانثروبولوجية تربط بين الحفيد الأسطوري بلاكوس، أو ما يرادفه في الصيغ الكلاسيكية بالبيلاسغ، وبين كونه يمثل النواة السلالية الأولى التي انحدر منها الفلسطينيون القدماء بعد اندماجهم بالكنعانيين، مؤكداً ذلك بقوله: "إن تتبع الأنساب الواردة في المرويات القديمة لحوض المتوسط يكشف عن صلات وثيقة بين الملوك الرعاة وشعوب البحر. وعند فحص الجذور اللغوية لأسماء مثل بلاكوس وبيلاسغوس، نجد أنها لا تمثل عناصر غريبة وافدة، بل هي موجات وهجرات انطلقت من الصلب الكنعاني الفينيقي لتندمج لاحقاً مع سكان الساحل الفلسطيني، مشكلة النواة السلالية الأولى التي انحدر منها الفلسطينيون القدماء كأبناء أرومة واحدة متصلة الجذور" (دي كارا، 1892).
وقد واكب هذه الطروحات المؤرخ اللبناني المطران يوسف الدبس في موسوعته التاريخية الضخمة، حيث عمد إلى نقل وتحليل آراء المدارس الأثرية الغربية، مرسخاً فكرة تعظيم الدور الفينيقي في بناء حواضر الساحل الجنوبي، وقد عبر عن هذا التأصيل التاريخي قائلاً: "إن الفروع المتشعبة من نسل الملك أجينور، وفي مقدمتهم أبناؤه وأحفادهم الذين انتشروا في الحصون والثغور الساحلية، لم يكونوا مجرد شخوص في حكايات يونانية عابرة. إنهم في حقيقة الأمر بطون وعشائر كنعانية أصيلة حافظت على منبتها وعمّرت هذا الساحل الممتد من شمال سورية إلى جنوب فلسطين، مما يؤكد أن الهوية العرقية والحضارية لسكان هذه الممالك الساحلية هي شجرة واحدة نمت وتفرعت من أصل فينيقي كنعاني صلب" (الدبس، 1893). ومن جانب آخر، تناول المؤرخ اللبناني الأمريكي الدكتور فيليب حتي هذه السير الميثولوجية بوصفها تجسيداً علمياً لحركة الهجرات الكثيفة والتداخل التجاري والسكاني في العصر البرونزي المتأخر، موضحاً في أطروحته: "لا يمكن للمؤرخ المدقق أن ينظر إلى ميثولوجيا أبناء أجينور باعتبارها خرافة محضة؛ بل هي صياغة رمزية تعكس حركة التجارة الكثيفة والتداخل السكاني والهجرات الممنهجة في العصر البرونزي المتأخر. إن هذا التمازج الاجتماعي والثقافي بين الفروع الفينيقية والفلسطينية على طول الساحل يثبت وجود وعي قديم ومبكر بوحدة المصير والثقافة بين هذه الشعوب" (حتي، 1951).
لم تقتصر هذه الرؤية على مؤرخي القرن الماضي، بل تعمقت في الدراسات الحديثة مع الباحث والمؤرخ السوري أحمد داوود، الذي أعاد قراءة التاريخ المشرقي معتبراً أن الأساطير اليونانية المأثورة عن عائلة أجينور هي في جوهرها تدوين إغريقي لتاريخ كنعاني أصيل، ومصرحاً في أبحاثه: "إن ما يُعرف في الأدبيات الغربية بالأساطير اليونانية حول عائلة أجينور هو في حقيقته تدوين إغريقي بلغة أجنبية لتاريخ عربي كنعاني قديم. إن بلاكوس وسائر السلالات المنحدرة من قدموس وفينيق وكيليك هم عشائر وقبائل كنعانية نقية، ولم تكن تحركاتهم غسلاً لأصولهم بل كانت امتداداً جغرافياً طبيعياً وحيوياً لإمبراطورية كنعان التي لم تغادر أرومتها الأولى" (داوود، 1991).
وقد بلغت هذه المدرسة الأكاديمية ذروتها مع المؤرخ البريطاني مارتن برنال في أطروحته الشهيرة، حيث أحدث ثورة معرفية بإثباته أن جذور الحضارة الإغريقية تعود إلى أصول أفرو-آسيوية فينيقية ومصرية. وقد وثق برنال هذا التمازج بتأكيده: "لقد أخطأ النموذج الآري العنصري في القرن التاسع عشر عندما حاول تطهير اليونان القديمة من جذورها الشرقية. إن قبائل البيلاسغ ــ وهي المقابل اللغوي والاشتقاقي لاسم بلاكوس الفينيقي ــ هم في الأصل جزء من التوسع الكنعاني الأفرو-آسيوي المبكر في المتوسط. إن رحلات أبناء أجينور وتأسيسهم للمدن ونقلهم للأبجدية هي وثائق تاريخية تؤكد أن هذه الفروع شكلت الجسر السلالي والثقافي الذي تلاقت عنده شعوب المتوسط الشامي واليوناني" (برنال، 1987).
تتضافر هذه القراءات التاريخية الموثقة لتنزع عن الحكايات القديمة صفة الخرافة، مؤصلةً لنسب الفرع الكنعاني كجذر حضاري صلب تلاقت عنده شعوب المتوسط الشامي من فينيقيين وفلسطينيين في وحدة عرقية وثقافية متماسكة عبر العصور.
أمام هذا التدفق الحكائي والتأصيل الفكري، يثور تساؤل منهجي ملح: هل يمكننا اعتماد الأسطورة مرجعاً علمياً خالصاً؟ إن الإجابة الأكاديمية الصارمة تقودنا بالتأكيد إلى النفي؛ ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن الميثولوجيا لم تولد يوماً من فراغ، بل هي في جوهرها حكاية حقيقية صاغها مؤلف ينتمي إلى بيئة ثقافية واعية، ولو لم تكن أصداء "وحدة الأصل" مستقرة في وعي ذلك الراوي القديم وسائدة في مجتمعه، لما تيسر له أن يجمع في نسيج قصصي واحد ما يظنه الفكر المجزأ اليوم مستحيلاً جمعُه.