سراب القبائل السبعة: كيف فكّك التاريخ واللسانيات جغرافيا الوهم في فلسطين؟

يقدم المقال قراءة علمية تفصيلية تفكك سردية الشعوب السبعة في فلسطين القديمة عبر الآثار واللسانيات والأنثروبولوجيا لتثبت هويتها الكنعانية العربية.

سراب القبائل السبعة: كيف فكّك التاريخ واللسانيات جغرافيا الوهم في فلسطين؟
سراب القبائل السبعة: كيف فكّك التاريخ واللسانيات جغرافيا الوهم في فلسطين؟

بقلم: د. علاء أبوعامر 

في دهاليز المرويات التاريخية المسيسة، وتحديداً تلك المستندة إلى قراءات كنسية وصهيونية حرفية للعهد القديم، تبرز دائماً حكاية مشوهة تحاول تصوير فلسطين القديمة كأرض مشاع، مزقتها شعوب سبعة غرباء لا رابط بينها. وهي سردية ترتكز في جوهرها على تضخيم البنية العشائرية والقبلية للمنطقة لصناعة جغرافيا وهمية تخدم أهدافاً سياسية معاصرة. غير أن النبش العلمي في طبقات الديموغرافيا، والأنثروبولوجيا الاقتصادية، واللسانيات التاريخية، يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً: أرض واحدة، ونسيج حضاري كنعاني وعربي ممتد ومتجانس، ذابت في بوتقته كل المجموعات الوافدة، وما المكون العبري فيها إلا نمط حياة بدوي طارئ جرى تحويله زيفاً إلى عِرق مستقل. 

تبدأ الحكاية من زاوية الرؤية؛ فكاتب النص التوراتي في مراحله المبكرة لم يكن يملك أفق الدولة الحضارية المستقرة، بل كان ينطلق من خلفية رعوية بدوية متنقلة ترتبط ببيئة الرعاة (تومسون، ١٩٩٩). وبالنسبة لعقلية البدوي، لا تتشكل الأرض من كيانات سياسية أو حدود جغرافية كبرى، بل هي مجرد فضاء تتنافس فيه عشائر وبطون وقبائل محلية على الماء والكلأ. 

من هنا، عمدت النصوص القديمة إلى تضخيم هذه التمايزات العشائرية المحلية، وتحويل التنوع القبلي الكنعاني المنسجم إلى "شعوب وأمم غريبة" لتبرير فكرة الغزو والاستباحة الأيديولوجية. 

وفي الحقيقة، فإن نصوص التوراة نفسها تثبت في طياتها أن ما يطلق عليه "المكون العبري" ليس سوى انعكاس لنمط حياة البدو، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم بلفظة شديدة الدقة جغرافياً واجتماعياً في سورة يوسف حين قال: "وجاء بكم من البدو"، مميزاً بصدمة بين بيئة الترحال الرعوية الشامية التي قدموا منها، وبين بيئة الحواضر والمدن المستقرة في مصر (المنصوري، ٢٠١٠).إن سكان فلسطين الأصليين والأوائل، الذين شيدوا حواضرها ورسخوا هويتها، هم الكنعانيون؛ وهم الذات الحضارية والديموغرافية التي عرفها التاريخ المصري القديم باسم "الهكسوس" أو ملوك الرعاة (فينكلشتاين وسيلبرمان، ٢٠٠١). هؤلاء شكلوا عبر التاريخ امتداداً بشرياً واحداً ربط جنوب بلاد الشام بمصر قبل أي وجود طارئ لغيرهم. وأما ما تذكره المرويات عن مجموعات أخرى مثل "الحوريين" الذين قطنوا تلال فلسطين وجبالها وعُرفوا باليبوسيين والحويين، فلم يكونوا سوى جماعات وافدة ما لبثت أن تكنعنت بالكامل، وانصهرت لغوياً وثقافياً في النسيج المحلي السائد (ميزار، ١٩٧٥). ولقد تركت هذه المجموعات المنصهرة آثاراً دينية وثقافية ذات جذور فيدية وميتانية تجلت في تاريخ القدس وعمارة معبدها الكنعاني وطقوسه؛ ولعل أبلغ دليل على ذلك هو ما تقره التوراة نفسها من أن داود اشترى أرض المعبد من حاكم القدس الكنعاني-الحوري "أرونا اليبوسي"، حيث يحمل لفظ "أرونا" دلالة لغوية حورية تعني السيد أو النبيل، تماماً كما حمل حاكم القدس في رسائل تل العمارنة اسماً هجيناً هو "عبدي هيبا" الذي يزاوج بين العربية والحورية. وفي ذات السياق، تبرز مغالطة "الحثيين" كشاهد على الخلط الجغرافي الذي وقع فيه كتبة النصوص لاحقاً؛ إذ إن الإمبراطورية الحثية الكبرى التي كان مركزها الأناضول لم تطأ أقدام جيوشها أرض فلسطين تاريخياً، وكان حدها الأقصى شمال الشام عند نهر العاصي. ومن أُطلق عليهم حثيو التوراة في مناطق الخليل لم يكونوا سوى قبيلة كنعانية عربية محلية هي "بنو حِطّي"، والدليل الأثري واللساني القاطع يكمن في أسماء شخوصهم الواردة في المتون القديمة مثل "عفرون"، و"أوريا"، و"إيلون"؛ وهي كلها أسماء ذات اشتقاقات وجذور كنعانية وعربية خالصة لا صلة لها بلغات الأناضول الهندوأوروبية (تومسون، ١٩٩٩).إن الجوهر الحقيقي للتنوع الديموغرافي في فلسطين القديمة لم يكن صراعاً عرقياً أو قومياً بين أمم شتى، بل كان ببساطة اختلافاً نمطياً واقتصاديّاً بين بيئتين لآرومة عروبية واحدة. إنه التمايز الطبيعي بين أهل القرى والمدن المستقرة (الكنعانيين الحضريين) الذين احترفوا الملاحة، والتجارة البحرية الدولية، وصيد الأسماك، والصناعات الحرفية المتقدمة كصهر المعادن وصباغة الأرجوان، وبين أهل الرعي والبادية والترحال (العرب الرعاة) الذين ارتكز اقتصادهم على حركة الماشية، وإنتاج اللحوم والألبان، وصناعات الغزل والنسيج، وإدارة وحماية قوافل التجارة البرية عبر الصحراء والنقب (هرتسوغ، ١٩٩٩).هذا التمايز النمطي الرعوي يتطابق كلياً مع نقوش الشرق القديم في "نوزي" و"ماري" ورسائل "تل العمارنة"، حيث ورد مصطلح العبري بصيغة "الخابيرو" أو "العابيرو" ليدل على البدوي المتنقل، أو عمال السخرة والمياومة، وأحياناً الخارجين عن القانون وقطاع الطرق الهامشيين خارج أسوار المدن (المنصوري، ٢٠١٠). ولم يكن التمايز اللغوي بين هؤلاء الخابيرو البدو الرحل وبين الكنعانيين الحضر سوى اختلاف طبيعي في اللهجات المحلية داخل العائلة اللغوية الواحدة؛ وهي ظاهرة لسانية واجتماعية حية نعيشها ونسمعها في المجتمعات الشامية بين لهجة ابن المدينة، وابن الريف، وابن البادية إلى يومنا هذا، حيث يتحدث الجميع لغة واحدة ويفهمون بعضهم تماماً رغم تنوع المخارج والنبرات. ورغم أن علم الآثار الصهيوني المعاصر، ممثلاً بأبحاث المؤرخ "إسرائيل فينكلشتاين"، قد اختتم أطروحته بالاعتراف بأن ما أُطلق عليهم عبرانيين لم يكونوا سوى بدو ورعاة كنعانيين محليين لجأوا للتلال (فينكلشتاين، ٢٠١٣)، إلا أنه كباحث غربي ثقل عليه القول صراحة بأنهم قبائل عربية بدوية في أبكر صورها الأنثروبولوجية. هذا الانسجام والتمايز النمطي بين الحضر والبادية العربية أكدته شواهد الجغرافيا التاريخية الكلاسيكية بوضوح؛ فها هو "أبو التاريخ" هيرودوت يجزم في القرن الخامس قبل الميلاد بأن فلسطين تتشكل من مكونين حضاريين منسجمين فقط: العرب الذين أداروا الساحل الجنوبي والنقب والبادية، والفينيقيون والفلسطينيون السوريون الساحليون (هيرودوت، كتاب التاريخ). ثم جاء الجغرافي الشهير سترابون في القرن الأول قبل الميلاد ليوثق في جغرافيته الحقائق ذاتها، مؤكداً أن مناطق الجليل، ووسط الضفة الغربية، وحبرون (الخليل)، والنقب، وغزة، كانت موطناً أصيلاً للقبائل العربية والمجموعات الممتزجة بها، مما يقطع الطريق على أي وهم يحاول عزل الوجود العربي والكنعاني عن عمق جغرافيا فلسطين الكاملة (سترابون، كتاب الجغرافيا).

 إن التمسك بفرضية "الشعوب السبعة الغريبة" أو تحويل "العبرية" من وصف حركي ووظيفي للترحال البدوي (العبور) إلى هوية عرقية محتكرة، ليس سوى اتكاء على سراب أيديولوجي يتجاهل بديهيات الآثار، وحقائق اللسانيات، وقوانين الأنثروبولوجيا. لقد كانت فلسطين، وستبقى في مرآة التاريخ العلمي الموثق، أرضاً كنعانية عربية متجانسة، انصهرت في أوديتها وجبالها لهجات القبائل وثقافات الوافدين، لتشهد جغرافيتها الحية بأن هويات الشعوب لا تصنعها النصوص المكتوبة في أوروبا القرون الأخيرة بعد ما يطلق عليه عصر النهضة الأوروبي او القرون وسطي الكنسي، بل تصوغها سواعد الذين زرعوا الزيتون، وركبوا البحر، وحرسوا قوافل الأرض منذ فجر التاريخ.