سرقة أثينا: عندما بترت المركزية الأوروبية جذورها الشامية
يقدم المقال قراءة تحليلية تفكك أطروحات المركزية الأوروبية وتزييفها لتاريخ حوض المتوسط عبر طمس الجذور الشامية للفلسفة والحضارة اليونانية والرومانية.
يقلم: د. علاء أبوعامر
في غمرة القرن التاسع عشر، حين كانت المدافع الأوروبية ترسم حدود مستعمراتها على خارطة العالم، استيقظت في عقول فلاسفة الغرب ومؤرخيه نزعة جامحة لإعادة كتابة التاريخ. لم تكن المسألة مجرد توثيق للمجهول، بل كانت عملية "هندسة جينية" للهوية الثقافية. كان الهدف واضحاً ومحدداً: خلق جدار عازل بين الغرب المستنير والشرق الذي أريد له أن يبدو غارقاً في سباته الأزلي، وبتر الروابط الحية التي جعلت من حوض البحر الأبيض المتوسط رحماً واحداً للحضارة الإنسانية.
لقد عاش العالم القديم لقرون وهو يعلم يقيناً أن شمس الحكمة اليونانية والرومانية ما كان لها أن تشرق لولا الزيت الذي حُمل إليها من سواحل بلاد الشام ومصر. في تلك العصور الباكرة، لم يجد فلاسفة اليونان حرجاً في الاعتراف بالفضل لأهله. كان هيرودوت، وهو يطوف بالبلدان، يدون بإعجاب كيف نقل الفينيقيون الحروف والأبجدية إلى بلاد الإغريق، وكيف غرس الأمير الصوري "قدموس" بذور المدنية في قلب "طيبة". وكان هوميروس ينشد في ملاحمه واصفاً الأواني الفضية والمنسوجات الأرجوانية الفاخرة القادمة من صيدون وصور، معتبراً الفينيقيين أسياد الملاحة الذين علموا ركاب البحار فك شفرات النجوم. حتى روما في أوج عظمتها، انحنت أمام عبقرية القانون والشرع القادم من مدارس بيروت، واحتضنت أباطرة من أصول شامية وفينيقية اعتلوا عرش قيصر وقادوا الإمبراطورية في أحلك ظروفها.
لكن هذه الحقيقة الناصعة تحولت إلى عبء ثقيل على كاهل المركزية الأوروبية الحديثة. كيف يعترف المستعمر الأبيض بأن بذور فلسفته وآدابه وقوانينه نبتت في تربة شعوب يصنفها اليوم بأنها "أدنى مرتبة"؟ من هنا بدأت مرحلة "التطهير التاريخي". بجرعة زائدة من النرجسية الثقافية، صُنعت سردية جديدة تسمى "النموذج الآري النقي". فجأة، تحول هيرودوت في المناهج الغربية من "أب التاريخ" إلى "أبي الأكاذيب"، لمجرد أنه أنصف الشرق. واعتُبرت إشارات هوميروس مجرد "هلوسات شاعر" وخيالات لا تستند إلى واقع. وتم تصوير الفينيقيين والقرطاجيين كقراصنة جشعين، مجرد تجار عابرين بلا فكر أو ثقافة، طُمست منجزاتهم العلمية وبنيت جدران وهمية تفصل أثينا وروما عن محيطهما المشرقي، لتظهر الحضارة الغربية كمعجزة تولدت من تلقاء نفسها في عقول فلاسفة الإغريق دون أي تأثر بالشرق "العروبي".
وهنا يبرز السؤال التمني الجوهري الذي طرحه المفكر الفرنسي الراحل بيير روسي في كتابه الفذ "وطن إيزيس: تاريخ العرب الحقيقي"، حين صرخ متسائلاً: متى يكتب العرب تاريخهم الحقيقي الذي طمسته أقلام أوروبا وأيديولوجياتها وصُدِّر إليهم على أنه حقائق بينما هو التزييف بعينه؟
لقد كان روسي من القلائل في الغرب الذين امتلكوا الشجاعة المعرفية لتفكيك هذه الأكاذيب الاستعمارية، مؤكداً أن العالم العربي ليس وليد الفتوحات المتأخرة، بل هو امتداد لفضاء حضاري ولغوي وثقافي واحد وعميق الجذور، ضم الفينيقيين والكنعانيين والقرطاجيين والأنباط وبابل ومصر القديمة قبل أن تفتته الرماح الرومانية والأقلام الأوروبية لاحقاً.
إن الإجابة على صرخة بيير روسي تفرض على العقل العربي اليوم خوض معركة استقلال فكري شاملة تبدأ بكسر التبعية للمصطلحات الاستشراقية التي وضعتها أوروبا في القرن التاسع عشر لعزل شعوبنا تاريخياً وجغرافياً. لا يمكن للعرب استعادة سرديتهم ما داموا ينظرون إلى أنفسهم في المرآة الغربية، وما داموا يقرؤون نقوشهم بعيون المستشرقين. إن كتابة التاريخ الحقيقي تتطلب توطين علم الآثار، وقراءة نقوش مجدو والسامرة والنقب وأوغاريت وصور وقرطاج والبتراء وتدمر ومدائن صالح بالوعي اللغوي والمخزون الثقافي العربي، باعتبار هذه اللغات القديمة هي الأمهات الشرعيات للغة العربية الحالية، وليست حضارات أجنبية بائدة، بل هي الفصول الأولى من سيرتنا الذاتية الجماعية.
إن التاريخ لا يُلغى بقرار سياسي، والحضارة الإنسانية نهر واحد تتداخل روافده وتتلاقى مساراته. وإذا كانت المركزية الأوروبية قد نجحت حيناً من الدهر في احتكار الضوء وإطفاء قناديل المشرق، فإن الحقائق الأثرية المعاصرة تعود اليوم لتثبت أن تفكيك هذه السردية الاستعمارية لم يعد ترفاً بل ضرورة علمية. إن الشواهد الباقية على شواطئ المتوسط تؤكد للشرق والغرب معاً أن أثينا وروما لم تكونا سوى حلم لم يكتمل، إلا بعد أن خطت يد الشام أولى حروفه ونثرت فيه روح مدنيتها.