غزة اليوم.. إدارة ترامب تغلق مركز التنسيق في كريات غات
قرار مرتقب من إدارة ترامب بإغلاق مركز التنسيق في كريات غات وسط فشل مهام مراقبة الهدنة، وتوقعات بتشكيل قوة استقرار دولية جديدة للإشراف على قطاع غزة المكلوم
إدارة ترامب تعلن إغلاق مركز التنسيق في كريات غات وتوجهات لتدويل الإشراف على غزة
في خطوة تعكس حجم التعقيدات الميدانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أفادت مصادر مطلعة لوكالة "رويترز" بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعتزم إغلاق مركز التنسيق الأمريكي في مستوطنة "كريات غات". هذا المركز، الذي أقيم على أنقاض أراضٍ فلسطينية مهجرة جنوب فلسطين المحتلة، كان يهدف إلى تنسيق العمليات في قطاع غزة بإدارة أمريكية إسرائيلية مشتركة، إلا أن الفشل الذريع الذي حفه منذ التأسيس جعل استمراره أمراً غير مجدٍ في ظل التصعيد المستمر.
ويرى منتقدون ومراقبون دوليون أن المركز فشل تماماً في مهمته الأساسية المتمثلة في مراقبة وقف إطلاق النار بين جيش الاحتلال وحركة المقاومة الإسلامية حماس. كما عجز المركز عن تعزيز تدفق المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين الذين يرزحون تحت وطأة حصار إسرائيلي خانق منذ سنوات، زادت حدته في الأشهر الأخيرة. ويأتي هذا الإغلاق بمثابة اعتراف ضمني بانهيار آليات الرقابة التي حاولت واشنطن فرضها لضمان استقرار هش لا يخدم سوى أجندة الاحتلال في نهاية المطاف.
ضربة جديدة لخطة ترامب وتصاعد التوترات الإقليمية
وسيشكل إغلاق مركز التنسيق المدني العسكري أحدث ضربة لخطة ترامب بشأن غزة، والتي قوضتها بالفعل الهجمات الإسرائيلية المتكررة والممنهجة منذ سريان الهدنة المتفق عليها في أكتوبر تشرين الأول الماضي. إن عدم التزام الاحتلال ببنود الاتفاق واستمراره في استهداف المدنيين والبنية التحتية جعل من "خطة السلام" المزعومة مجرد حبر على ورق، خاصة مع استمرار سياسة الاستيطان والقمع في مختلف المناطق، حيث سبق وأن شهدنا بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة الغربية ودير البلح في ظروف أمنية معقدة للغاية.
وقال دبلوماسيون ومسؤولون دوليون إن هذه الخطوة تسلط الضوء على الصعوبات البالغة التي تواجه الجهود الأمريكية للإشراف على الهدنة والتنسيق بشأن المساعدات، في وقت تواصل فيه "إسرائيل" قضم المزيد من أراضي قطاع غزة وفرض واقع جغرافي وعسكري جديد. هذه الخطوة، وفقاً لرويترز، قد تزيد من حالة القلق والارتباك بين حلفاء واشنطن، الذين شجعهم ترامب سابقاً على نشر أفراد في مركز التنسيق وتخصيص ميزانيات ضخمة لإعادة إعمار غزة، وهي الخطة التي تم تعليقها فعلياً منذ اندلاع المواجهة المشتركة بين الولايات المتحدة والاحتلال ضد إيران.
التحول نحو قوة الاستقرار الدولية والمركز الدولي لدعم غزة
وكشف سبعة دبلوماسيين مطلعين على سير العمليات في المركز الذي تقوده الولايات المتحدة، أن الإغلاق سيتم في وقت قريب جداً، على أن يتم تسليم كافة المسؤوليات المتعلقة بالمساعدات والرصد إلى بعثة أمنية دولية جديدة. هذه البعثة من المقرر نشرها في غزة تحت قيادة الولايات المتحدة، فيما وصفه مسؤولون أمريكيون في أحاديث خاصة بأنه "إصلاح شامل"، لكن الدبلوماسيين أكدوا أنها تصفية فعلية للمركز الحالي بمجرد تولي قوة الاستقرار الدولية زمام الأمور ميدانياً.
ووفقاً للتسريبات، فإن عدد القوات الأمريكية العاملة في قوة الاستقرار الدولية بعد إعادة هيكلتها سينخفض بشكل حاد من نحو 190 فرداً إلى 40 فرداً فقط، حيث تسعى واشنطن لاستبدال هؤلاء الجنود بموظفين مدنيين من دول أخرى لتقليل الكلفة البشرية والسياسية المباشرة. ومن المتوقع تغيير اسم المركز ليصبح "المركز الدولي لدعم غزة"، بقيادة الميجر جنرال الأمريكي جاسبر جيفرز. ومع ذلك، يشكك الدبلوماسيون في جدوى هذه التغييرات الهيكلية، مؤكدين أن المركز يفتقر أصلاً للصلاحيات اللازمة لفرض وقف إطلاق النار، ما يجعل دمجه في القوة الدولية مجرد إجراء تجميلي لن يغير من واقع الحصار شيئاً.
موقف "مجلس السلام" والغموض الذي يلف مستقبل غزة
في مقابل هذه التقارير، نفى "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب في بيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي نية إغلاق المركز، لكنه تحاشى التطرق إلى مسألة انتقال المسؤوليات إلى قوة الاستقرار الدولية. وكان مسؤول في المجلس قد صرح سابقاً بأن المركز يؤدي دوراً حاسماً في إيصال المساعدات، وهو ادعاء تفنده الحقائق على الأرض حيث لا تزال المجاعة تهدد سكان شمال غزة. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول الأدوار الدولية المشبوهة، تماماً كما جرى الحديث سابقاً عن دور ميلادنوف في غزة وكيف كانت الوساطات تخدم أهداف الاحتلال الأمنية تحت غطاء إنساني.
ورغم أن قوة الاستقرار الدولية كان من المفترض أن تنتشر فوراً في غزة لفرض السيطرة، إلا أن الواقع يشير إلى تعثر هذا الانتشار. لم تلتزم سوى دول قليلة بإرسال قوات، كما أن واشنطن تصر على عدم نشر قوات مقاتلة داخل القطاع. وفي المقابل، أنشأت هذه القوة ملحقاً محصناً داخل مركز كريات غات، حيث تمنع القوات الأمريكية بانتظام دخول ممثلي الدول الحليفة، مما يثير ريبة المخططين العسكريين من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومصر والإمارات الذين أرسلوا ممثلين عنهم لمحاولة التأثير في صياغة مستقبل غزة.
الاحتلال يبحث استئناف القتال واستراتيجية "جز العشب"
تزامن هذا التخبط الأمريكي مع أنباء تداولتها وسائل إعلام عبرية، ومنها هيئة البث الإسرائيلية، حول استدعاء المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) لاجتماع طارئ لبحث احتمال استئناف القتال الشامل في قطاع غزة. ورغم القلق المشروع الذي تثيره هذه الأنباء، إلا أن التحليلات العميقة تشير إلى أن الاحتلال قد لا يذهب إلى حرب شاملة فورية لعدة أسباب، أهمها غياب الحشود العسكرية الضخمة على الحدود، والضغوط الدولية المتزايدة بعد انكشاف ملامح "حرب الإبادة" للعالم أجمع.
بدلاً من ذلك، يبدو أن الاحتلال يتبع نمطاً يقوم على "الاستنزاف البطيء" أو ما يسمى استراتيجية "جز العشب". وتعتمد هذه السياسة على تنفيذ عمليات اغتيال مركزة، ودعم مجموعات العصابات العميلة لإحداث فوضى داخلية، مع الحفاظ على وجود عسكري في مناطق واسعة من القطاع. وقد أشارت صحيفة "يديعوت أحرنوت" إلى أن جيش الاحتلال يخشى عدم الحصول على "ضوء أخضر" أمريكي لاستئناف الحرب، خاصة في ظل انشغاله بالجبهة الشمالية مع لبنان والتهديدات المتزايدة بمواجهة مباشرة مع إيران، بالإضافة إلى وجود وثيقة استخباراتية إسرائيلية تحذر من ترميم قدرات حماس العسكرية رغم كل ما حدث.
خلاصة المشهد السيادي والإنساني في غزة
إن ما يجري حالياً في "كريات غات" وخلف الكواليس في واشنطن وتل أبيب، لا يعدو كونه إعادة ترتيب لأوراق الضغط السياسي والعسكري. إغلاق مركز التنسيق هو اعتراف بفشل المرحلة السابقة، لكن البديل المتمثل في "المركز الدولي لدعم غزة" قد لا يكون سوى وجه آخر لنفس العملة الاستعمارية. يبقى الشعب الفلسطيني في غزة هو الضحية الأولى لهذا التلاعب الدولي، حيث تواصل "إسرائيل" خروقاتها اليومية وتنصلها من البروتوكول الإنساني لاتفاق أكتوبر 2025، مستغلة الصمت الدولي المطبق والغطاء الأمريكي الذي يتبدل في الشكل ويظل ثابتاً في الجوهر.
المصدر: يلا نيوز نت | تاريخ النشر: الأحد 3 مايو 2026