قوة دلتا الأمريكية: من زهو الاختراق في فنزويلا إلى كمائن الموت في غزة
تُعد "قوة دلتا" (Delta Force) واجهة النخبة في الجيش الأمريكي، واليد التي تضرب بها واشنطن حينما تعجز الدبلوماسية وتتعقد لغة الحرب التقليدية. لكن القراءة المتأنية لتاريخ هذه الوحدة تكشف عن تباين حاد بين النجاحات الاستخباراتية الهادئة وبين السقوط المدوي في فخاخ حروب الشوارع والأنفاق.
تُعد "قوة دلتا" (Delta Force) واجهة النخبة في الجيش الأمريكي، واليد التي تضرب بها واشنطن حينما تعجز الدبلوماسية وتتعقد لغة الحرب التقليدية. لكن القراءة المتأنية لتاريخ هذه الوحدة تكشف عن تباين حاد بين النجاحات الاستخباراتية الهادئة وبين السقوط المدوي في فخاخ حروب الشوارع والأنفاق. ففي فنزويلا، استعرضت القوة عضلاتها التقنية في "عمليات ظل" ناجحة، حيث تمكنت من اختراق الدوائر الأمنية للنظام وتأمين خروج شخصيات معارضة وشل شبكات لوجستية دون إطلاق رصاصة واحدة، مستفيدة من تفوقها السيبراني المطلق في بيئة كانت فيها أنظمة الرادار والاتصالات المحلية مكشوفة تماماً أمام التكنولوجيا الأمريكية.
ندبات مقديشو ودروس الدم
غير أن هذا الزهو التقني سرعان ما كان يصطدم بحرائق الميدان، ولعل ذكرى عام 1993 في مقديشو تظل الندبة الأعمق في وجدان "دلتا". ففي عملية "الأفعى القوطية"، تحول التخطيط العسكري المحكم إلى فوضى دامية بعد سقوط مروحيات "بلاك هوك". هناك، وجد جنود النخبة أنفسهم محاصرين في أزقة ضيقة لا ترحم، حيث تلاشى تفوقهم الجوي أمام كثافة النيران الأرضية والمقاومة الشعبية الشرسة، مما أسفر عن مقتل 18 جندياً في ملحمة صدمت القيادة العسكرية الأمريكية وأثبتت أن التكنولوجيا ليست درعاً واقياً من "كمائن الموت" الحضرية.
فشل النصيرات والاصطدام بـ "المترو الخفي"
تكرر هذا المشهد القاسي بصورة أكثر تعقيداً في قطاع غزة، حيث انخرطت "دلتا" في مهام ميدانية مباشرة، ولعل **عملية النصيرات** تبرز كأحد أكثر النماذج وضوحاً على فشل الحسابات التقنية أمام الواقع الميداني. فرغم الغطاء الناري الكثيف واستخدام شاحنات المساعدات كتمويه، اصطدمت القوة بمقاومة لم تكن في الحسبان؛ إذ تحولت العملية من محاولة صامتة إلى مجزرة دامية أدت لمقتل ضباط من النخبة وفشل ذريع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون خسائر فادحة. هذا الفشل في النصيرات كان امتداداً للعجز أمام "مترو غزة"، وهي شبكة أنفاق محصنة حيدت معظم أسلحة التفوق الأمريكي، حيث واجهت القوة عدواً يستخدم "البساطة التكنولوجية" والاتصالات السلكية البدائية التي لا يمكن رصدها أو التشويش عليها إلكترونياً.
لماذا ظلت الضربات مؤلمة رغم التطور؟
يكمن التحدي الأكبر الذي واجهته "دلتا" في أن التطور التكنولوجي الذي شهدته من مناظير الرؤية الليلية البسيطة إلى الروبوتات والكلاب الآلية اليوم، لم يستطع حل معضلة "القتال في المنطقة العمياء". فداخل أزقة النصيرات وفي أعماق الأنفاق، تنقطع إشارات الـ GPS والاتصالات المشفرة، مما يجبر الجندي على القتال بنمط "رجل لرجل" في بيئة مفخخة بالكامل. كما أن الكمائن المركبة التي تظهر من ثقوب في الأرض خلف القوة المتقدمة جعلت الدروع المتطورة والمعدات الذكية مجرد أوزان ثقيلة تعيق الحركة دون أن توفر حماية من عبوات "شواظ" أو قذائف "الياسين" التي تخترق التصفيح من مسافات صفرية.
"إن الدرع الذي لم ينكسر في كاراكاس بفضل السيبرانية، تفتت أمام إرادة المقاتل في مخيمات النصيرات وأنفاق غزة، ليبقى الدرس قائماً: الأرض لأصحابها، والتقنية تخسر دائماً في مواجهة العقيدة والكمين الخفي."