أزمة السودان تتفاقم مع تراجع تمويل الغذاء إلى النصف
أزمة السودان تتفاقم بعدما قال برنامج الأغذية العالمي إن تمويل عملياته تراجع إلى النصف، فيما يواجه نحو 20 مليون شخص الجوع وتتعاظم احتياجات النازحين.
أزمة السودان دخل مرحلة أكثر حساسية بعدما كشف برنامج الأغذية العالمي عن تراجع تمويل عملياته في البلاد إلى نحو نصف مستوى العام الماضي، بينما تدفع الحرب مزيدا من الأسر نحو الجوع والنزوح.
أزمة السودان أمام فجوة تمويلية حادة
بحسب رويترز، قال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو إن تمويل عمليات البرنامج في السودان تراجع إلى نحو نصف مستوى العام الماضي. تلقى البرنامج 645 مليون دولار في العام الماضي، بينما بلغ ما جمعه هذا العام 206 ملايين دولار بعد مرور نحو ثلاثة أرباعه، مع فجوة تقل بقليل عن 300 مليون دولار للحفاظ على العمليات الحالية. ويواجه قرابة 20 مليون شخص الجوع في السودان، فيما أجبر القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ما يصل إلى 14 مليون شخص على النزوح وألحق أضرارا بالمحاصيل والاقتصاد. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن قرابة 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، وإن 825 ألف طفل دون الخامسة معرضون لسوء التغذية الحاد الوخيم في 2026.
تدخل الحرب عامها الرابع وقد تحولت إلى أزمة مركبة تتداخل فيها المعارك مع انهيار الأسواق وتعطل سلاسل الإمداد وتراجع القدرة على الزراعة. كما أدت الاضطرابات في البحر الأحمر إلى تأخير واردات أساسية ورفع تكاليف الغذاء والوقود والأسمدة. ولا يعني تراجع القتال في بعض المناطق عودة الحياة إلى طبيعتها؛ فالأسر النازحة تحتاج إلى الغذاء والمياه والصحة والمأوى، بينما يواجه السكان المحليون تضخما ونقصا في السيولة وفرص العمل. وتؤكد المعطيات الإنسانية أن الغذاء ليس مسألة إغاثة مؤقتة فقط، بل عنصر يرتبط بالاستقرار والعودة وإعادة بناء المجتمعات.
مساعدات السودان تصل إلى ملايين رغم النقص
يقول البرنامج إنه يصل إلى أكثر من 4 ملايين شخص شهريا، بينهم مليونا شخص في أكثر المناطق تضررا وصعوبة للوصول في دارفور، إضافة إلى 825 ألفا في كردفان. كما يغطي نحو 80 بالمئة من السكان في 27 منطقة مصنفة ضمن مناطق المجاعة أو المعرضة لخطرها، ووسع مساعداته في الخرطوم والجزيرة وسنار إلى أكثر من 800 ألف شخص شهريا حيث هدأت حدة القتال نسبيا. ويحتاج البرنامج، وفق صفحته الخاصة بالطوارئ، إلى 579 مليون دولار بصورة عاجلة لعملياته حتى أكتوبر 2026. وتساعد هذه الأرقام على فهم الفارق بين حجم الاستجابة القائمة وحجم الاحتياج الفعلي.
في طويلة بشمال دارفور، حيث يعيش نحو مليون شخص في مساكن مؤقتة، تصل المساعدات إلى الجميع شهريا، لكنها لا تتجاوز نصف الحصة التي تغطي غذاء أسبوعين فقط. ويقول سكاو إن من غير الواضح كيف تدبر الأسر احتياجات الأسبوعين الآخرين. وفي الأبيض، التي لجأ إليها نحو مليون شخص منذ بداية الحرب، تتركز المساعدة على من وصلوا خلال الأشهر الأخيرة. أما الفاشر، التي كانت موطنا لمليون نسمة، فقد بدأت فيها المساعدات من جديد بعد هجوم لقوات الدعم السريع العام الماضي، لكن سكاو قال إن علامات عودة الحياة ما تزال قليلة. هذه الصور الميدانية تكشف أثر التمويل في تفاصيل يومية تتجاوز الجداول المالية.
الجوع يتسع في دارفور والمدن المستقبلة للنازحين
لا تعمل أزمة السودان في عزلة عن محيطها. فقد قالت المنظمة الدولية للهجرة إن مواد الإيواء والصرف الصحي والمستلزمات المنزلية الطارئة لمئات الآلاف من النازحين قد تنفد بنهاية سبتمبر ما لم يصل تمويل عاجل، وإن منظومة الإغاثة قد تستمر حتى ديسمبر فقط من دون موارد إضافية. وتقول المنظمة إن 8.6 مليون شخص ما زالوا نازحين داخل السودان، بينما عاد 4.9 مليون إلى مناطقهم. وتحتاج إلى 15 مليون دولار لمواصلة خط الإمداد حتى نهاية العام ودعم نحو 305 آلاف شخص، في وقت قد تجد فيه أكثر من 100 منظمة إنسانية صعوبة في إيصال المساعدات المنقذة للحياة.
تكمن خطورة الفجوة التمويلية في أنها تضرب القدرة على التخطيط قبل أن تتوقف الشاحنات فعليا. فالمؤسسات الإنسانية تضطر إلى ترتيب الأولويات بحسب شدة الجوع وإمكان الوصول، وقد تنتقل من حصة كاملة إلى نصف حصة أو من تغطية السكان جميعا إلى مساعدة الوافدين الجدد فقط. وهذا يرفع مخاطر سوء التغذية ويزيد التوتر بين النازحين والمجتمعات المضيفة ويضعف فرص العودة الآمنة. كما أن خفض التمويل في وقت ترتفع فيه كلفة النقل والوقود يضاعف أثر كل دولار متاح، لأن جزءا أكبر من الميزانية يذهب إلى اللوجستيات بدلا من شراء الغذاء.
يربط برنامج الأغذية العالمي منع تدهور الوضع بثلاثة مسارات متزامنة: وقف الأعمال القتالية، وضمان وصول إنساني آمن ومستمر بلا عوائق، وتوفير تمويل يمكن التنبؤ به. فالاستجابة العاجلة تمنع الموت، لكنها لا تعيد الإنتاج الزراعي ولا تصلح الأسواق ولا توفر الدخل. ولهذا تحتاج المرحلة التالية إلى دعم المزارعين وتقليل فاقد ما بعد الحصاد وتحسين التخزين والمياه والخدمات الأساسية، بالتوازي مع المساعدات الغذائية والتغذوية. وفي غياب هذه الحزمة، قد يتحول النقص المؤقت إلى أزمة غذاء أطول وأعمق تمتد آثارها عبر الحدود.
وتظهر الزاوية التي تتابعها 1 أن الأزمة لا تقاس بعدد الشاحنات وحده. فكل حصة تصل في موعدها تمنح الأسرة وقتا إضافيا، وكل تأخير يرفع كلفة النجاة ويضغط على المجتمع المضيف. لذلك فإن التعامل مع أزمة السودان يحتاج إلى قرار سياسي وتمويل دولي واستجابة محلية مترابطة، لا إلى حملات قصيرة تنتهي قبل معالجة أسباب الجوع.
المصدر: يلا نيوز نت