بين مطرقة واشنطن وسندان طهران: هل تدفع مسقط ثمن "دبلوماسية الحافة" والتمرد على الهيمنة؟
تفاصيل الصراع الدائر حول مضيق هرمز والتصعيد الأمريكي ضد سياسة سلطنة عُمان ودبلوماسيتها المستقلة في المنطقة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
في جغرافيا سياسية لا ترحم، لطالما حظيت سلطنة عُمان بلقب "سويسرا الشرق الأوسط"، واحتفظت بهدوئها الأيقوني وسط إقليم يعج بالحرائق الصاخبة. غير أن هذا الهدوء التقليدي بات اليوم يواجه اختباراً عاصفاً، بعد أن تكررت لغة التهديد الصادمة من البيت الأبيض باتجاه مسقط لثلاث مرات متتالية خلال فترة وجيزة.
إذ لم تعد لغة الدبلوماسية الأمريكية تعتمد التلميح والمواربة، بل تحولت في عهد إدارة ترامب إلى وعيد مباشر ولغة حادة، تضع حياد عُمان التاريخي في مرمى النيران المباشرة للصراع الدائر بين واشنطن وطهران.
تعود الجذور المباشرة لهذا التصعيد إلى ما يدور خلف الكواليس في مياه مضيق هرمز؛ الشريان الحيوي الذي يغذي العالم بالطاقة. فقد خطت مسقط خطوة جريئة عبر الدخول في مفاوضات ثنائية مع طهران لإدارة حركة الملاحة، وتوجت هذه المحادثات بالتوصل إلى خريطة طريق ملاحية ومسار عبور جديد، بل إن التقارير التي تحدثت عن توجه البلدين لفرض رسوم "عبور" مشتركة على السفن المارة أثارت الغضب الأمريكي.
في نظر واشنطن، يمثل هذا التنسيق العُماني الإيراني خرقاً مباشراً للحصار البحري الفولاذي الذي تحاول إدارة ترامب فرضه لإجبار طهران على الاستسلام الكامل، وتعتبر الإدارة الأمريكية أي ترتيبات مستقلة في المضيق بمثابة طوق نجاة يمنح الإيرانيين متنفساً ملاحياً واقتصادياً يجهض الاستراتيجية الأمريكية برمتها.
لكن خلف هذا السبب المباشر، يختبئ دافع أمريكي أكثر عمقاً وخطورة؛ فالتهديد الموجه إلى مسقط يحمل في طياته تحذيراً مبطناً ورسالة ترهيب قاسية لكل دول المنطقة التي بدأت تفكر في التمرد على عباءة الهيمنة الأمريكية وتجاوز خطوط الطاعة العمياء.
تقرأ واشنطن بقلق متزايد التحولات الأخيرة في المزاج السياسي الخليجي، حيث بدأت عواصم المنطقة تبحث عن تحالفات بديلة وشراكات متعددة الأقطاب بعيداً عن المظلة الأمريكية. هذا السعي الإقليمي نحو الاستقلالية لم يأتِ من فراغ، بل وُلد من رحم قناعة خليجية متنامية بأن واشنطن لم تعد قادرة على حماية أمن حلفائها، بل على العكس تماماً؛ أثبت الوجود العسكري الأمريكي المكلف في مياه الخليج أنه تحول إلى عبء سياسي وأمني، وبات بمثابة "مغنطيس" يجلب التصعيد ويزعزع استقرار الدول المضيفة بدلاً من تأمينه.
أمام هذه العاصفة العاتية، لا يُتوقع من سلطنة عُمان أن تتخلى عن إرثها الدبلوماسي العريق أو تنجر إلى مواجهة كلامية مباشرة مع واشنطن. بل على العكس، سينصب الرد الدبلوماسي العُماني المتوقع على تفعيل استراتيجية "امتصاص الصدمات" الهدوء الذكي.
ستحرص مسقط على تقديم قنوات اتصال خلفية لتأكيد أن تفاهماتها مع طهران لا تستهدف تقويض الأمن الدولي، بل تهدف إلى تأمين تدفق الطاقة وتجنب سيناريوهات الحرب الشاملة التي ستدفع المنطقة بأسرها ثمنها. هذا الأسلوب البراغماتي العُماني سيعتمد على إشراك الحلفاء الغربيين الآخرين، مثل بريطانيا والاتحاد الأوروبي، للعب دور المهدئ وموازنة الاندفاعة الأمريكية، مع التمسك بالسيادة الوطنية في إدارة مياهها الإقليمية دون الرضوخ للغة الإملاءات.
وفي المقابل، لا يقف هذا الصراع معزولاً عن الساحة الدولية؛ إذ تترقب القوى الكبرى كالصين وروسيا هذه التطورات بكثير من الاهتمام والدعم الضمني لخطوات مسقط وطهران. بالنسبة لبكين، يمثل مضيق هرمز شريان الحياة الاقتصادي وممر إمدادات النفط الأساسي لمصانعها، وأي محاولة أمريكية لفرض سيطرة أحادية أو تفجير الأوضاع عسكرياً هناك تعتبر تهديداً مباشراً لأمنها القومي واقتصادها، ولذا تدعم الصين بقوة أي ترتيبات إقليمية تضمن استقرار الملاحة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. أما موسكو، فترى في الضغط الأمريكي على عُمان فرصة إضافية لتعميق نفوذها في المياه الدافئة، وإضعاف شبكة التحالفات الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط، مؤكدة أن عهد القطب الواحد قد ولى، وأن أمن الخليج يجب أن يصاغ بأيادٍ إقليمية ودولية مشتركة لا بقرارات أحادية تصدر من البيت الأبيض.
تجد سلطنة عُمان نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية تتطلب أعلى درجات الحكمة الدبلوماسية؛ فالسير فوق حبال التوازنات الإقليمية لم يعد كافياً في زمن تطلب فيه القوى العظمى الولاء الكامل وتخشى فيه من أفول نجم هيمنتها. ويبقى السؤال معلقاً فوق مياه هرمز المعتملة: هل تنجح مسقط، مسنودة بحسابات دولية معقدة وبحكمتها التاريخية، في امتصاص عاصفة التهديدات الأمريكية والحفاظ على خصوصية منهجها السيادي، أم أن حرارة الصراع الكبير ورغبة واشنطن في إعادة ترويض المنطقة ستجبر الجميع على إعادة حساباتهم تحت وطأة الرياح العاتية؟