دعاءٌ على العاج القديم: عندما كتبت الأبجدية الأولى أوجاع الفرد الصغيرة

اكتشاف مشط لخيش الكنعاني الذي يحمل أول جملة أبجدية في التاريخ، ليعكس التفاصيل اليومية وأوجاع الفرد بعيداً عن صراعات الملوك.

دعاءٌ على العاج القديم: عندما كتبت الأبجدية الأولى أوجاع الفرد الصغيرة
دعاءٌ على العاج القديم: عندما كتبت الأبجدية الأولى أوجاع الفرد الصغيرة

بقلم:د. علاء أبوعامر 

اعتدنا أن نقرأ التاريخ المكتوب بوصفه سجلاً للملوك والآلهة، ومعارك الإمبراطوريات التي تشيد صروحاً من الحجر وتخلد أسماءها بمسلات شاهقة. غير أن الأبجدية، ذلك الاختراع الأعظم الذي جرد الصوت البشري وجعله ملكاً للجميع، لم تنطق في أولى جملها الكاملة باسم ملك مظفر ولا إله غاضب، بل بصوت إنساني حميم وبسيط ضد مكره يومي صغير: القمل. في مدينة لخيش الكنعانية القديمة، عثر التنقيب الأثري على مشط عاجي لا يتعدى عرضه بضعة سنتيمترات، لكنه يحمل بين أسطره المحفورة سبع كلمات صيغت بأول نظام أبجدي تبسطي عرفه العالم قبل نحو ثلاثة آلاف وسبعمائة عام.

تتجلى قيمة هذا النقش الصغير في كونه يجسر الفجوة بين تعقيد الخطوط القديمة كالهيروغليفية والمسمارية، وبين نمط الكتابة الأبجدية الصوتية التي انبثقت منها لاحقاً معظم أبجديات الأرض، كالفينيقية واليونانية واللاتينية والعربية. لقد استطاع الكنعانيون اختزال مئات الرموز والصور المعقدة إلى عشرات من أصوات فردية يمكن لأي إنسان أن يمتلك زمامها ويكتب بها. ولكن المدهش ليس فقط النقلة اللغوية، بل الوجه الذي اختار أن يظهر به هذا النص الأول؛ فالنقش الذي يرجو فيه صاحبه أن يقتلِع هذا النابُ قملَ الشعر واللحية يضعنا أمام لحظة صدق نادرة، فنحن لا ننظر إلى أيديولوجيا سلطوية، بل إلى رغبة بشرية جارفة في الراحة والنظافة والشعور بالاطمئنان.

كما أن مادة المشط تنطق ببعد اجتماعي لا يقل أهمية عن اللفظ المكتوب. فالعاج لم يكن خامة متوفرة بكثرة، بل كان مادة ترفية تُستورد بتكلفة باهظة، مما يعني أن صاحب المشط كان ينتمي إلى طبقة ميسورة الحال. ومع ذلك، يثبت النص أن الثراء والمكانة الاجتماعية لم يحميا إنسان العصر البرونزي من تلك الآفة الصغيرة، وأن الهواجس الذاتية الدقيقة كانت موحدة بين البشر على اختلاف طبقاتهم. صُيغ النص كنوع من الأمنية المباشرة التي تزاوج بين الوظيفة المادية للأداة ذات الوجهين والبعد اللغوي الذي يمنح الأمل بالخلاص من المكره.

إن هذا المشط الصغير يذكرنا بأن التاريخ الحقيقي للغة لا يكمن فقط في الملاحم الكبرى والوثائق الرسمية، بل في التفاصيل اليومية التي تشبهنا. لقد عبرت تلك الكلمات الأبجدية الأولى آلاف السنين لتسقط الهالة الخيالية عن العالم القديم، وتخبرنا بأمر بسيط وجوهري: إن الإنسان، مهما ناءت به الأزمنة وتبدلت به الأدوات، ظل يحمل الهموم ذاتها، ويبحث عن العافية في وقائعه الصغرى، مبتكراً الأبجدية لا ليسيطر بها على العالم فحسب، بل ليشعر بأنه أكثر إنسانية وسلاماً في حياته اليومية.