أصوات الطين والبحار: تفكيك الرواية الاستشراقية وإعادة الاعتبار للحق الكنعاني

تفكيك الرواية الاستشراقية وإعادة الاعتبار للحق الكنعاني التاريخي والجغرافي وأصول الجذور العربية العريقة في فلسطين والساحل الشامي

أصوات الطين والبحار: تفكيك الرواية الاستشراقية وإعادة الاعتبار للحق الكنعاني
أصوات الطين والبحار: تفكيك الرواية الاستشراقية وإعادة الاعتبار للحق الكنعاني

بقلم: د. علاء أبوعامر 

كيف يمكن لباحث يمتلك أدوات المنطق والعقل أن يتخلى عن شهادة التاريخ الحي والجغرافيا الناطقة، ليتبع سراب نظريات معاصرة صِيغت في أروقة متأثرة بالرؤى الكنسية الغربية والمنظومة الصهيونية؟

 إن محاولة انتزاع الفلسطيني من ساحله وعمقه الحضاري، وتشتيت هويته بين تأويلات واهية، تتهافت أمام الحقائق التاريخية الكبرى التي خلّفها الأقدمون وأنطقوا بها الجغرافيا. 

حين زار المؤرخ الإغريقي هيرودوت مدينة صور في القرن الخامس قبل الميلاد، ودخل معبد الإله "ملقارت" —الذي ليس في حقيقته سوى دمج لغوي عروبي يعنى "ملك قرث" أو ملك المدينة، والذي حوّلته الميثولوجيا اليونانية لاحقاً إلى هرقل— سأل سدنة المعبد وأهل المدينة عن أصولهم. جاءت الإجابة واضحة قاطعة: إنهم جاؤوا من سواحل البحر "الإريتري". والبحر الإريتري في جغرافية ذلك العصر لم يكن سوى امتداد البحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب، وهي التسمية التي ارتبطت تاريخياً بسكنى قبائل حمير؛ حيث لم تكن التسمية نسبة للون الماء، بل للأقوام التي عمّرته من العرب القادمين من اليمن وعُمان. 

ولم يقف صدق الرواية الكنعانية عند حدود المشافهة، بل تجسد في جغرافيا بصرية مذهلة؛ إذ نقل هؤلاء البحارة والمشيدون أسماء حواضرهم الأولى معهم أينما ارتحلوا. فنجد تطابقاً عجيباً بين مدن الساحل الشامي والمدن القديمة على السواحل الجنوبية، من صيدون وصور وجبيل وأرواد (عراد)، وصولاً إلى عسقلان التي يوجد شبيه لها وهي مدينة " اشقول" العمانية التي تشهد في بنيتها اللغوية على ذلك التبادل الطبيعي بين الشين والسين في الألسن العروبية القديمة. 

وحين أخبر السدنةُ هيرودوتَ بأن ذلك المعبد قد بُني قبل عصره بـ 2700 عام، فإنهم كانوا يربطون الحاضر بجرثومة الوجود الأولى التي تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد. إن هذا الامتداد الحضاري لم ينغلق على نفسه، بل تمدد غرباً ليؤكد انتماءه العروبي الأصيل. فحين انطلق الكنعانيون من حواضر فلسطين ولبنان وسوريا ليؤسسوا الموانئ والممالك في شمال إفريقيا وتونس، طبعوا المدن الجديدة بذاكرتهم القادمة من جنوب الجزيرة العربية. فأنشأوا مدينة "حضرموت" وهي مدينة (سوسة) التونسية الحالية، كما أسسوا مدينة أخرى حملت الاسم العماني القديم الأصيل، وهي مدينة "مجان" (وهي مدينة برج العامري الحالية في تونس، التي كانت تُعرف في العهد البوني/الكنعاني باسم مجان قبل أن تتغير تسميتها عبر العصور).ومما يقطع دابر الشك ويثبت وحدة الأصل، هو الرحم اللغوي الواحد؛ فاللسان الكنعاني القديم يلتقي مع اللغة العربية الفصحى في جُلّ المفردات والأفعال والتركيب، بنسبة تتجاوز خمسة وتسعين بالمئة، مما يجعل الكنعانية وجهاً من وجوه اللسان العروبي الجزيري الأول، وجزءاً لا يتجزأ من تفرعاته التي فرضتها طبيعة الاستقرار والزراعة والملاحة البحرية، في مقابل أنماط الرعي والترحال البدوية. أمام هذه الشواهد الحية من لغة وجغرافيا وأسماء مدن صامدة، يصبح لزاماً على كل باحث موضوعي ومستقل أن يرفض التفتيت الأثري الحديث الذي يهدف إلى تحويل حواضر فلسطين ومدنها إلى كيانات غريبة عن بعضها. نحن أبناء هذه الأرض، والبلاد بلادنا، وحقائق التاريخ لن تمحوها تخرصات الفبركات المعاصرة.