الأرجوان المهاجر: خريطة الدم واللسان من سواحل عُمان إلى قرطاج
اكتشف رحلة الكنعانيين التاريخية من سواحل عُمان وجزيرة العرب إلى قرطاج والشام، بروابط لغوية وجينية مذهلة تثبت عمق العروبة.
بقلم: د. علاء أبوعامر
لم تكن الصحراء يوماً جداراً، ولم يكن البحر في عرف الأوائل فاصلاً، بل كانا رِئتين لتلك الكتلة البشرية الهائلة التي خرجت من قَلب جزيرة العرب لتعيد رسم ملامح العالم القديم. من هناك، من السواحل الممتدة على بحر العرب وخليج عُمان، بدأت الحكاية الكبرى لشعبٍ سُمي لاحقاً بـ "الكنعانيين"، وهي رحلة لسانٍ ودماء تأبى أن تُمحى من ذاكرة الأرض، رُغم محاولات التزوير وصناعة التاريخ داخل الغرف المغلقة للمركزية الأوروبية.
حين سار المؤرخ الإغريقي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد بين بحّارة الميناء وحجارة المعابد في مدينة صور الفينيقية، دفعه الفضول ليسأل الكهنة عن مبتدأ أمرهم. لم يتردد الكنعانيون في الإجابة، بل قالوها بفخرٍ دوّنه هيرودوت في رقوقه: "لقد جئنا من سواحل البحر الإرتيري". لم يكن ذلك البحر سوى تلك الشطآن الدافئة في شرق جزيرة العرب. وحين يلتفت الباحث اليوم، لن يجد في هذا الكلام مجرد أسطورة، بل جغرافيا حية تنبض بالأسماء ذاتها؛ فقبل أن تُبنى "صور صيدا و"أرواد" و"الجبيل" على شواطئ البحر الأبيض المتوسط (البحر الشامي قديماً)) لتُصبح حواضر الفينيقيين، كانت هناك "صور " في عُمان، و"صيدون" في سواحل الخليج، وجزيرة "عراد " في البحرين، و"الجبيل" في شرق الجزيرة. لقد حمل المهاجرون الأوائل أوطانهم في حقائب قلوبهم، وأطلقوا أسماء مساقط رؤوسهم الأولى على مدنهم الجديدة، كما يفعل كل مغترب في الأرض.
ولم تقف حركة هذا المدّ البشري واللغوي عند حدود الشام وفلسطين؛ بل ركب الكنعانيون الفينيقيون أمواج المتوسط غرباً ليؤسسوا إمبراطورية قرطاج التجارية. وهناك، في تونس الخضراء، زرعوا دليلاً ديموغرافياً قاطعاً حيّر المستشرقين. حين أسسوا مدينة سوسة الحالية، لم يجدوا اسماً أعمق ولا أوفى لصلة الرَّحم التاريخية من أن يُطلقوا عليها اسم "أدرموت"، وهو اللفظ الفينيقي الحرفي لـ حضرموت؛ تخليداً لموطنهم الأصلي الأول في اليمن جنوب جزيرة العرب. إنها ليست مصادفة لغوية، بل هو حبل سرّي ممتد عبر آلاف السنين، يربط تونس باليمن، ويمر عبر الشام والخليج، ليؤكد أن المبدع والمهاجر والمؤسس ينتمون جميعاً إلى نسيجٍ بشري واحد.
لكن الأعجب من دلالة الجغرافيا، هو تلك الحقيقة المطلقة التي نطق بها اللسان البشري المكتوب على شواهد قبور القرطاجيين ونقوش معابدهم. حين ننزع الغلاف الاستشراقي عن حروفهم الفينيقية القديمة ونقرؤها بنطقها الصوتي الأصيل، نجد أننا لا نحتاج لمترجم غريب ليفك طلاسمها، بل تتبدى أمامنا لهجة عربية مبكرة تحبس الأنفاس بنضارتها وقرابتها. فعلى جدران قرطاج تجد القرابين منقوشة بعبارات تفيض بعروبتها مثل: "لربتنا لتنيت ولأدوننا لبعل، الذين نذر حناء بن عبد الملك لأنه سمع قول دعائه فباركه". وفي لوائح شواهد القبور، يتركون تحذيراتهم للصوص المقابر بلسان عربي مبين قائلين: "قبر ملك آصف بن عبد ملقرت، ألا لا يفتح أحد عليّ ليفتحه، ولا ينقب حجر هذا، لأنه مقدس هو". حتى المعاملات الرسمية وتنظيم مهن المدينة ونقاباتها لم تكن سوى تنويع على لغة الضاد، كقولهم في لوائح الوظائف: "حراث الخشب، الناشئ المسؤول للعامة، صاحب مشمرة وحراسة مقدس بعل".
وحين أراد العلم الحديث في مختبراته أن يحسم هذا الجدل اللغوي والتاريخي، فتحت القبور الكنعانية القديمة أسرارها لتصدم أصحاب النظرية التوراتية الاستعمارية التي زعمت إبادة هذا الشعب واختفاءه من التاريخ. ففي دراسات جينية واسعة النطاق، نشرتها
مجلة Cell العلمية ومجلة الوراثة البشرية الأمريكية، قام العلماء باستخلاص الحمض النووي "DNA" من الهياكل العظمية للكنعانيين الذين عاشوا قبل نحو أربعة آلاف عام في مواقع مختلفة مثل صيدا و مجدو والأردن
وجاءت خرائط الجينات الحديثة لترسم امتداداً بشرياً حياً لم ينقطع؛ إذ أثبتت التحليلات المخبرية أن أكثر من 90% من التركيبة الجينية لسكان بلاد الشام الحاليين (كفلسطين ولبنان والأردن وسوريا)، ونسباً طاغية من دماء سكان الجزيرة العربية وتونس، تنحدر مباشرة وبلا واسطة من هؤلاء الكنعانيين الأوائل. لقد أكد العلم أن الكنعانيين لم يتبخروا في الهواء ولم تبدهم الحروب القديمة، بل انصهروا في محيطهم الطبيعي، وظلوا ينجبون الأبناء الذين يملأون المنطقة اليوم بحيويتهم، حاملين الشفرة الوراثية ذاتها التي شقت عباب البحر المتوسط.
إن هذا التلاحم الجيني واللساني يفضح زيف الفرضيات التي تحاول حصر "العروبة" في زمنٍ ضيق يبدأ مع النقوش الآشورية التي ذكرت لفظ "عرب" لأول مرة، أو حصرها في قواعد الفصحى المعاصرة المتبلورة لاحقاً. فالهوية لا تولد بولادة المسميات الأجنبية، والكنعاني الذي كان يتحدث بلسانٍ يتطابق في أكثر من تسعين بالمئة من جذوره وأفعاله وأسمائه وضمائره مع العربية، ويحمل ذات الجينات التي تجري في عروق أبناء المنطقة اليوم، لم يكن سوى "عربيّ مبكر" ينطق بلهجة جزيرية قديمة قبل أن تتبلور لغة الضاد في ثوبها الأخير.
إن التاريخ ليس مجرد بضعة قرون تُقاس بظهور حبرٍ على رَقّ، بل هو دفقات الدم في العروق والأنفاس التي تسكن الكلمات. والكنعانيون لم يموتوا ولم يرحلوا، بل ما زالوا يمشون في شوارع القدس وبيروت وتونس ومسقط، تشهد عليهم جيناتهم الحية في أجساد أبنائهم اليوم، وتفضحهم جغرافية المدن الممتدة من الخليج إلى المحيط، وألسنتهم التي تقرأ الحجر والورق بذات الوعي الحضاري. لقد كان الكنعانيون النبع الأول؛ وحين ينكر البعض عروبتهم، فإنهم كمن يحاول إقناع النهر بأن لا علاقة له بالغيوم التي أنزلته، أو بالينبوع الذي فجّره من عمق الأرض.