ظلال الخاقانية: كيف أعاد الخزر والقبائل التركية كتابة ديموغرافيا شرق أوروبا؟

قراءة تاريخية وديموغرافية في أصول يهود شرق أوروبا (الأشكناز) وتحول خاقانية الخزر لليهودية، بقلم د. علاء أبوعامر.

ظلال الخاقانية: كيف أعاد الخزر والقبائل التركية كتابة ديموغرافيا شرق أوروبا؟
ظلال الخاقانية: كيف أعاد الخزر والقبائل التركية كتابة ديموغرافيا شرق أوروبا؟

بقلم: د. علاء أبوعامر 

تظل صفحات العصور الوسطى المبكرة مليئة بالتحولات المذهلة التي غيرت جغرافيا الأديان وحركة البشر، ولعل من أبرزها تلك الدولة الشاسعة التي قامت شمال القوقاز وفي السهوب الممتدة بين نهري الفولغا والدون. هناك، حيث تلاقت خطوط التجارة العالمية وصراعات الإمبراطوريات الكبرى، ولدت خاقانية الخزر، ذلك الكيان التركي القوي الذي لم يكتفِ بفرض هيمنته العسكرية والسياسية، بل أحدث واحدة من كبرى المفاجآت الديموغرافية والدينية في التاريخ، متمثلة في اعتناق الديانة اليهودية، وهو الحدث الذي امتدت آثاره لقرون تالية ليعاد تشكيل النسيج السكاني لشرق أوروبا بالكامل.

في القرن السابع الميلادي، برز الخزر كقبائل تركية بدوية محاربة، تمكنت بسرعة من ملء الفراغ السياسي في السهوب الجنوبية لروسيا وأوكرانيا الحاليتين. ومع توطد أركان دولتهم، وجد الخزر أنفسهم في مركز النزاع العالمي بين قوتين عظميين: الإمبراطورية البيزنطية المسيحية في الغرب والجنوب، والخلافة الإسلامية الصاعدة في الجنوب والشرق. كانت الحروب الخزرية العربية في جبال القوقاز ملحمية وشرسة، لكنها أثبتت للخزر أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للاستمرار كقوة عظمى؛ بل هم بحاجة إلى هوية دينية وسياسية تمنحهم الشرعية والتكافؤ في التعامل مع جيرانهم المستنيرين. وتحت وطأة هذا الضغط الجيوسياسي، اتخذت النخبة الخزرية قراراً استراتيجياً وتاريخياً في القرن الثامن الميلادي باعتناق الديانة اليهودية كطريق ثالث يحميهم من الذوبان الثقافي أو التبعية السياسية سواء لبيزنطة أو لبغداد. ومع تحول البلاط الملكي والملك (الخاقان) إلى اليهودية، انطلقت شرارة التحول الاجتماعي الكبير الذي لم يتوقف عند عتبات القصور الملكية كما تحاول بعض السرديات الحديثة تصويره.

بل على العكس إن فكرة حصر التهوّد في الطبقة الحاكمة فقط تتناقض مع طبيعة المجتمعات الرعوية والإمبراطورية في العصور الوسطى. فعندما تتبنى سلطة مركزية قوية ومستقرة، مثل خاقانية الخزر التي استمرت زهاء ثلاثة قرون، ديناً رسمياً، يتحول هذا الدين تلقائياً إلى معيار للترقي الاجتماعي، ونيل الامتيازات الاقتصادية، والحماية السياسية. لقد كان الخزر يحكمون شبكة معقدة من القبائل التركية، والسلافية، والقوقازية، والتتارية، والتي بدأت تدريجياً تتبنى لغة وثقافة ودين العاصمة "أتيل" الواقعة على مصب نهر الفولغا. 

إذ تؤكد كتابات الرحالة والجغرافيين المسلمين المعاصرين لتلك الحقبة هذا التغلغل الشعبي؛ فالجغرافي الشهير ابن حوقل يصف بوضوح أن اليهودية لم تكن ديناً حصرياً للملك، بل يذكر انتشارها في الحواضر والمراكز التجارية بين عامة الناس. كما أن المقدسي البشاري يعزز هذه الشهادة بالإشارة إلى أن الغالب على أهل تلك البلاد هو التهوّد. لم يكن هذا التحول قسرياً، بل جاء نتيجة قرون من التعايش، والتجارة، والزيجات المختلطة، فضلاً عن وفود أعداد كبيرة من اليهود الفارين من الاضطهاد البيزنطي، والذين وجدوا في الخاقانية الخزرية ملاذاً آمناً ساهم في تسريع عملية التعليم الديني والتثقيف التوراتي للشعوب المحلية. وامتد هذا التأثير السلوكي والديني إلى القبائل الخاضعة للخزر أو المتحالفة معهم في حوض نهر دنيبر وأراضي أوكرانيا الحالية؛ حيث تشكلت مجتمعات محلية متهوّدة بالكامل، جمعت بين الهوية الدينية التوراتية وبين الجذور العرقية واللغوية التركية أو السلافية.

لم تدم الشوكة السياسية للخزر للأبد؛ فمع حلول القرن العاشر، بدأت الموازين تتغير. فتحالف بيزنطة الجديد مع إمارة "روس كييف" الناشئة، إلى جانب غارات قبائل البجناك، أضعف القوة العسكرية للخزر. وفي نهاية المطاف، قاد الأمير سفياتوسلاف الأول، أمير كييف، حملة صاعقة ومدمرة أدت إلى سقوط العاصمة "أتيل" وتفكك الدولة الخزرية ككيان سياسي موحد. لكن زوال الدولة لم يعنِ فناء الشعب؛ فالكتلة البشرية الضخمة التي تشرّبت اليهودية على مدى أجيال بدأت بالنزوح جغرافياً. وبدلاً من البقاء في السهوب المكشوفة أمام ضربات الغزاة الجدد، تحركت مئات الآلاف من العائلات الخزرية والمجموعات المتهوّدة غرباً، باتجاه أراضي بولندا، والمجر، وليتوانيا، وأوكرانيا الغربية. وتزامن هذا النزوح مع ترحيب ملوك بولندا في ذلك الوقت بالمهاجرين الجدد لتنشيط التجارة وبناء الحواضر، مما أدى إلى نشوء تجمعات سكانية يهودية هائلة الحجم والعدد بشكل مفاجئ في شرق أوروبا مع بداية العصور الحديثة. ويقدم هذا التحول التاريخي الإجابة المنطقية والوحيدة عن اللغز الديموغرافي المتمثل في الانفجار السكاني لـ "يهود شرق أوروبا" (الأشكناز)، والذين لم يكن من الممكن عقلياً أو إحصائياً أن يتناسلوا بهذا الكم الهائل من بضع مئات من المهاجرين القادمين من غرب أوروبا أو ألمانيا المعزولة، بل كانوا نتاج اندماج تلك الكتلة الخزرية-التركية والسلافية المتهوّدة التي حملت إرث السهوب وثقافتها الدينية إلى موطنها الجديد.

وإذا كان النسيج السياسي للخزر قد اختفى، فإن الشواهد الحية على تهوّد تلك الشعوب ظلت باقية لتروي الحكاية حتى العصر الحديث، وتدحض محاولات التحريف التي تسعى لفصل يهود أوروبا عن أصولهم الجغرافية الحقيقية في القوقاز. ومن أبرز هذه الأدلة جماعة القرائين وجماعة الكريمتشاك في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا. هؤلاء ليسوا سوى الامتداد المباشر وعاشق الأثر لعوام الخزر والقبائل التتارية التي تبنت اليهودية؛ فهم يتمسكون بالديانة اليهودية، لكنهم يتحدثون لغات ذات أصول تركية واضحة، ولديهم عادات وتقاليد ترتبط مباشرة بثقافة السهوب القوقازية وليست لها أي صلة بالشرق الأوسط. بل إن المفارقة التاريخية الكبرى تجلت خلال الحرب العالمية الثانية، عندما استثنت السلطات الألمانية النازية جماعة القرائين في القرم من الإبادة، بناءً على دراسات أنثروبولوجية أثبتت أنهم ينحدرون من أصول عرقية تركية-خزرية صِرفة، ولا يمتّون للجذور العروبية "السامية" بأي صلة دموية. يضاف إلى ذلك "يهود الجبال" في داغستان وأذربيجان، وهم قبائل قوقازية متهوّدة منذ القدم، يعيشون في الموطن الأصلي للخزر ويحملون سماتهم البدنية والثقافية، مما يؤكد أن التهوّد في تلك المنطقة كان ظاهرة شعبية عرقية شاملة غطت شعوباً وقبائل بأكملها تحت مظلة الخاقانية.

إن قراءة تاريخ شرق أوروبا وجنوب روسيا بعيون مجردة بعيدة عن التسييس تكشف بوضوح أن خاقانية الخزر والشعوب التي دارت في فلكها لم تكن مجرد عابر سبيل في قطار الأديان، بل كانت مصنعاً بشرياً ضخماً أعاد تشكيل التركيبة الديموغرافية لـ "اليهودية المعاصرة". لقد تحولت القبائل التركية، والتتارية، والسلافية بمرور الزمن وبتأثير السياسة والتجارة إلى حاضنة أساسية وجديدة للديانة اليهودية، وهي الحاضنة التي شكلت لاحقاً النواة البشرية الكبرى لليهود الأشكناز في أوروبا. إن محاولات التقليل من شأن هذا التهوّد الجماعي، وحصره في دائرة ضيقة ومؤقتة داخل القصر الملكي، لا تعدو كونها قراءة انتقائية مدفوعة بأجندات سياسية حديثة؛ تهدف بالدرجة الأولى إلى إحلال "الأسطورة العرقية" مكان "الواقع الجغرافي البشري". يسعى هذا التوجه لربط المجموعات البشرية القادمة من ثلوج سيبيريا وسهوب القوقاز وأحراش بولندا بأرض فلسطين عبر روابط دموية وجينية مزعومة، في حين أن التاريخ المدون، وشهادات الرحالة المسلمين، وبقايا الشعوب التركية المتهوّدة كـ القرائين، تثبت كلها وبشكل قاطع أن هذه الكتلة البشرية هي ابنة شرعية لشرق أوروبا وجبال القوقاز، غريبة تماماً عن النسيج الروحي، والتاريخي، والعرقي الأصيل لبلاد الشام والشرق الأوسط.

 وأخيراً، قد قدم البحث الجيني للعالم اليهودي الديانة "عيران الحايك" الدليل المادي القطعي أن 95% من يهود العالم "الإشكيناز" هم من الخزر.