غزة: عندما يغتال الحصار أحلام النخبة ويحيل العقول إلى مكبات النفايات
لم تعد المعاناة في قطاع غزة مجرد أرقام في تقارير إخبارية، بل أصبحت واقعاً يفتك بالبشر والحجر، ويطال حتى أرقى طبقات المجتمع الثقافية والأكاديمية. في ظل العدوان المستمر والحصار الخانق، تحولت حياة النخبة العلمية إلى كابوس يومي يجسد انعدام الكرامة الإنسانية التي كفلتها المواثيق الدولية
لا تمثل حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة مجرد تدمير للبنية التحتية، بل هي محاولة ممنهجة لسحق "الإنسان" وتجريده من كرامته، لا سيما النخبة الأكاديمية التي تشكل عماد المجتمع.
إن تحول حياة الأكاديميين من منابر العلم إلى مكبات النفايات يمثل ذروة المأساة الإنسانية التي يفرضها العدوان والحصار الشامل.
تتجلى هذه القسوة في شهادة المعيد الجامعي حمادة ابو ليلى الذي كان يوماً "الأول على مستوى فلسطين" بمعدل (98.8%)، حيث يصف بمرارة كيف انتهى به المطاف نائماً بين الأوبئة.
يقول في صرخة وجع: "كنت أقف في قاعة المحاضرات، ألقي المحاضرة للطلاب والطالبات الجامعيين المثقفين.. والآن، أكرمكم الله، نائم في مكب نفايات، بين الأوبئة والأمراض والحشرات والفئران". هذا التباين الصادم بين "قاعة المحاضرات" و"مكب النفايات" يلخص سياسة الإذلال التي يتعرض لها الإنسان الفلسطيني، حيث لا يشكل التفوق العلمي حصانة ضد الجوع أو التشريد.
على الصعيد النفسي، يشير د. حمادة ابو ليلى إلى تآكل الروح قبل الجسد بقوله: "والله معاناة نفسية، والله نفسياً بتعب".
وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن سكان غزة يعانون من صدمات نفسية مركبة نتيجة "فقدان المكانة والخصوصية"، حيث يجد المثقف نفسه عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات النظافة الشخصية، مما يؤدي إلى شعور حاد بالمهانة والانسحاق أمام القوارض والحشرات التي تشاركه فراشه القسري.
إن هذه المعاناة الفردية تندرج ضمن كارثة أوسع؛ فوفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تم استهداف وتدمير أكثر من 80% من الجامعات في غزة، فيما تصفه الأوساط الحقوقية بجريمة "إبادة التعليم" (Educide).
ويأتي ذلك بالتزامن مع سياسة التجويع التي وثقتها "هيومن رايتس ووتش" كأداة حرب، حيث يُحرم السكان من الغذاء والماء، ويُجبرون على العيش وسط النفايات المتكدسة التي تجاوزت 270 ألف طن، مما حول مراكز النزوح إلى بؤر للأمراض الفتاكة.
إن قصة هذا المحاضر هي إدانة صارخة للمجتمع الدولي؛ فأن ينام "عقل فلسطين" وسط النفايات هو دليل على أن الهدف من هذا العدوان هو اغتيال المستقبل وتدمير الرمزية العلمية للشعب الفلسطيني. غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى الغذاء، بل تحتاج إلى استعادة كرامة إنسانها الذي يرفض أن يسقط رغم كل هذا الركام.