خالد أبو خالد .. وداعاً يا صاحبي .

أن يردّد الكاتب الفرنسي جان جينيه في أثَرِه الإبدعيّ الخالد " أسير عاشق " ، والعنوان بحد ذاته فضاء دلاليّ لرؤيا هذا المبدع العملاق ، اسمَ " خالد أبو خالد " غير مرّة ، فذلك متنٌ السيرة ، فيما الهامشيّ فبلاغة السرد. 

خالد أبو خالد .. وداعاً يا صاحبي .

الشاعر الصديق ، الأستاذ الملهم ، المقاتل الوفي ، خالد أبو خالد .. وداعاً يا صاحبي .

تحية إلى خالد أبو خالد ، المقاتل الشاعر ، الشاعر المقاتل 

أن يردّد الكاتب الفرنسي "جان جينيه " في أثَرِه الإبدعيّ الخالد " أسير عاشق " ، والعنوان بحد ذاته فضاء دلاليّ لرؤيا هذا المبدع العملاق ، اسمَ " خالد أبو خالد " غير مرّة ، فذلك متنٌ السيرة ، فيما الهامشيّ فبلاغة السرد. 

لكنّ حلول خالد أبو خالد في حبر جينيه مؤولٌ بكنه الرواية الفلسطينية ، لا بوصف أبطالها في لحظة كان الفلسطيني بها يحلم بالعودة إلى ماء أسطورته الأولى : الوطن من الماء إلى الماء. 

فأبو خالد في مؤلّف " أسير عاشق " الذي شكٌل انزياحاً آنذاك في خلق تصوّر للفلسطيني يفترق عن الصورة التي قدمتها الرواية العدوّة في الوعي الفرنسي والعالمي ، لا ينشغل بذاته ، أو هكذا نهضت ملامحه ، إلا في سياق الجسد الفلسطيني كلٌه. 

هكذا يتقدم أبو خالد في " أسير عاشق " في سردية ، تعدّت حدود الريبورتاج لتقترب من عالم الرواية ، ملتبساً على شعريته ، ليقدم شاعرية اليوميّ الفلسطيني في روزنامة مقاتل ، طالما كان أبو خالد ، آنذاك ، من قياديي قوات الثورة في إربد الأردنية . 

لكنه ، أبو خالد ، لا يكفّ عن كيل انتقادات للهامشي في رواية جينيه حيث تقنّع المتخيّل منها ليخفي دقّة تفاصيل ساقَها ، هو والمقاتلون معه ، ليحموا جسد الرواية الفلسطينية ، كما رأوه حيّاً وشاء أعداؤه غير ذلك. 

غير أن خالد أبو خالد ما يزال منهمكاً في تأصيل روايته الخصوصية مقاتلاً في الشعر أيضاً ، منذ مجموعته " الرحيل باتجاه العودة " ١٩٧٠ ، حتى " فرس لكنعان الفتى " ١٩٩٥ ، وما بينهما مثل " وسام على صدر الميليشيا " ١٩٧١، و" شاهراً سلاسلي أجيء" ١٩٧٤ مثالاً لا حصراً . ففي مشروعه الشعري لا ينحاز الإرث الجماليّ إلى عناصره ، بوصفه كتلة مستقلة بذاتها ، إلا في علاقة استثنائية مع الأثر الإنساني. 

وكمن ينتظر غده على قارعة حلمه لا يعود خالد أبو خالد الإنسان إلى ذاكرته إلا ليؤسطر سيرة المقاتل بالشعر ، بحثاً عن ماء الأسطورة الأولى منذ خرجت الأم الكنعانية الأولى بمفردات الطبيعة على ثوبها الأول لتعلّم الشعوب الأخرى حذاقة الحياة ، وتطلق حكمة شعبها في توحيد الآلهة وخلق المقدّس للدفاع عنه ، حتى اكتمال رواية أمّ فلسطينية تمشي في مخيم ما بالسراج في يدها لترى العواصم والمدن الكبرى بَريق عيني شهيدها / الشاهد على حيطان البيوت ، أو على شاهدة قبره التي تذكُر لغرف الموتى في البلاد المجاورة أو البعيدة سيرته الخصوصية أيضاً. 

"جسد لكنعانية خرجت إلى بحر.. فأدركها المساء قُبيل أن تصل المراكب.. واختفت في لُجَّة الزبَد المذهب.. أسقطت مرجانها في الماء..

دارت.. دورتين.. فأطلعت قرطاج من رمح الشعاع.. وأشرعتيدها.. فعلقها قراصنة البحار على الصواري.. والملفات.. انحنت في اليأس ـ لا جدوى من الورق المبرمج ـ وانطوت ـ ليل على نيويورك.. من ليل المخيم". 

مقطع مجتزأ دالُ على حساسية خالد أبو خالد الشعرية برمتها، حيث لا بلاغة للرؤية إلا بالقدر الذي تفسحه فصاحة الرائي . ولا تكتمل الرواية إلا في انتباه الراوي لذاكرته / التاريخ التي تذهب به إلى مستقبله / التاريخ : الحلم / التاريخ الخارج من بوابة الرؤيا ليرى ما لا يُرى ، ويعلن دخول الجسد في سِيَرِ الأمكنة / جغرافيا الرحيل إلى الأبدية المفقودة في المكان الأول المفقود. 

لكن هجرة الجسد في المكان الطارئ ، المؤقت ، الغريب مؤولة بما يتركه هذا الجسد اللاجئ ، المنفيّ ، المطارد ، المعدّ لمذبحة على مقاسه ، من ظلالٍ تدلّ على مكانه الأوّل ، المغتصب ، المحتل ، المهدّد بمحو ملامحه الأولى . ظلالٌ تتعدى حدود الحفاظ على هذا الجسد وتجلياته أيضاً في المكان /الشتات لتؤصل لسيرته باللغة والحركة والقدرة الإستثنائية على البقاء . يتنقل هذا الجسد المحاصر بمكيدة الآخر في أرض شتات هي أشبه باللامكان طالما أنه ، أقصد المكان / الشتات / المنفى ، خارج الجسد المهاجر مادام لا ينتمي هذا الجسد المخلوع من مكانه الأم إلى تضاريس تلك الأرض التي رمي بها بعد نكبات وهجرات ومجازر واعتقالات وتصفيات أعدّت مسبقاً بحذاقة استثنائية لقاتل استثنائي على هيأته ، كمشروع جمالي استثنائي مكثف بالفلسطيني ، لتطويعه أو إلغائه. 

سيرة الشاعر المقاتل ، أو المقاتل الشاعر ، المنصوص عنه هنا في هذا المتن : خالد أبو خالد ، تبقي ظلال الهامشي فيها ليشير إلى مروره في المكان معبِّداً للشوارع وماسح أحذيةٍ وبائعاً جوّالاً وعامل مقهى في عمّان ، وتترك أثراً في لغة العرب : " أنت شوارع المدن التي عبّدت من صفدٍ إلى عمّان " ، وحالماً أن يصبح سائق تراكتور بعد أن َعمل وهو ابن الرابعة عشر معاون سائق تراكتور في القامشلي ، تلك التي رُحّل منها إلى درعا ليصبح ضيف سجنٍ أقام فيه عشرين يوماً بتهمة خرق قوانين الإقامة ، ثم طردُه من الكويت بعد سنوات عمل في الإذاعة والتلفزة بتهمة القومية ، وكذا حلوله مهاجراً أو لاجئاً عابراً في البصرة وسواها من الأمكنة . لكنه في درب آلامه الطويل هذا لا يكتفي بسرد سيرته كمقاتل في عمّان للعبقري جان جينيه ليصبح أحد أبطال روايته ، أو برسم لوحة جدارية لديوان العبقري بدر شاكر السياب " إقبال " دون أن يوقّع عليها خشية أن يؤرّخ عنه أنه " حفار قبور" طالما كان السياب الذي التقاه في الكويت على قلقٍ من وطأة لسعات الموت ، و كذا كمحبّ يستسلم لاعتصام جسده بما تحتفظ به دمشق لنفسها من غواية لا مثيل لها لعاشقها الأبدي ّ، بل يطلّ على تاريخه الشخصيّ ، بوصفه جزء من أسطورة البقاء الفلسطيني تحت طائلة الضياع الأبدي الذي شاءوه له في المنافي والشتات ، بشعر يقاتل ، ويحمل الحلم الفلسطيني كصليب أبدي.

" يصعد فيك الشّجر المبرعم الصّغير، والقديم،

البحر، والصّهيل، الشواطئ، الرّغبة، والأجراس،

والتوقّع، الخطى، التّاريخ، والأصوات،

والمحاربون يصعدون فيك بين الجلد والعظام،

فيك أنت الحلم الأحمر والتراب والزيتون،

وتحت رئتيك الأنهر الحزينة، الشّرق، الشمال،

الفقراء، الوطن الكبير، إنّ صوتك العائد:

صبّ في وريدها.. خالدة صرختها، خالد توقيع الدّماء

في الأشعار، والصّخور، والطيور، والمطر".

ولأنه المقاتل الشاعر ، المقاتل الشاعر ، لا يذهب وحده إلى القصيدة إلا بكامل أوصاف سيرة سلالته ومكانه الأوليَين . يضحي ما استطاع بما شاء من جماليات نصه لمصلحة الحياتيّ ، لكنه يحمي نصه من أن يقع خارج المعنى في حجر الرؤيا الذي يحمله . وفي المحصلة لا يثور على القصيدة إلا بالقدر الذي يقدمها قصيدة ثورة. 

فلا تتقنع الكلمة بتأويل ما لا تفصح ، ولا تلتبس الجملة على مجاز لا ينتمي للرسالة التي تطمح للوصول إلى المرسل إليه بحكمة الرسول ، ولا تحتمل القصيدة أكثر مما يحمل الشاعر من أحداث تزدحم على ذاتها ، و تفاصيل تتفاعل فيما بينها ، وأصوات تتعدد في الحياتي البسيط حتى الحلول في المباشرة ، والدراميّ المتنوع بالوقائع والأسماء و الرموز حد ملامسة التحولات الملحمية بغنائية نشيد بحّارة طويل: 

 "يا بحر تشبهني .. وأنتْ

يا بحر .. من صخب وصمتْ

يا بحر..غنّ الموتْ

يا بحر.. أنت الصوتْ"