أبجدية الحجر وأصالة البشر: عندما تكلّم الكنعاني فأنصت التاريخ

اكتشف أصل الحرف والأبجدية الكنعانية الأولى ودور فلسطين التاريخي في ابتكار الكتابة ونشر ديمقراطية المعرفة للعالم بأسره.

أبجدية الحجر وأصالة البشر: عندما تكلّم الكنعاني فأنصت التاريخ
أبجدية الحجر وأصالة البشر: عندما تكلّم الكنعاني فأنصت التاريخ

بقلم:د. علاء أبوعامر 

في البدء لم تكن الكلمة مجرد صوت عابر في الفضاء، بل كانت توقاً إنسانياً دفيئاً للخلود، وبحثاً عن جسر يعبر عليه الفكر من عتمة النسيان إلى نور الذاكرة المشتركة. وحين قرر الإنسان أن يضع أول خط لحضارته، لم يختر التعقيد، بل نحت من بساطة عيشه حروفاً اختصرت الوجود. لطالما جاب علماء الآثار الأرض بحثاً عن البدايات، وحين عثروا على نقوش موغلة في القدم في صحراء سيناء، تعجل بعضهم ووصف الأبجدية بمكان العثور عليها، متناسين أن الحجر صامت لا ينطق بنسبه، بل اللسان الذي حفر عليه هو الذي يحدد الهوية والانتماء؛ إذ تشير الدراسات الأثرية المعاصرة إلى أن هذه الكتابات تمثل الوعي اللغوي الكنعاني في أبهى مظاهره (Naveh 1982). 

إن الفارق بين مكان الأثر ومغزاه الثقافي هو الفارق ذاته بين الغلاف والروح. قد يترك المسافر زاده في محطة عبور، وتطمر الرمال خطاه في أرض غريبة، لكن ذلك لا يجعل من المحطة وطناً له، ولا يمنح الصحراء حق ادعاء نسله. العمال الكنعانيون الذين حفروا نقوشهم الأولى في مناجم سيناء، لم يتلقفوا لغة من السماء هناك، ولم يبتكروا وعياً وليد اللحظة والمصادفة، بل حملوا في صدورهم وبين أصابعهم لغة أمهاتهم، وثقافة مدنهم الراسخة في قلب بلاد كنعان وفلسطين. لقد اختزل هؤلاء المبدعون العالم بأسره عبر "المبدأ الأكروفوني" العبقري، فبدلاً من حفظ مئات الرموز المعقدة، جردوا الأشكال المادية المألوفة إلى أصوات مجردة؛ فصار رأس الثور "ألفاً" يرمز للقوة، وتحول مخطط "البيت" الكنعاني البسيط إلى حرف الباء، وتموجت مياه البحر لتلد حرف الميم، وانحنت عصا الراعي لتصبح جيماً، ورُسمت حدقة العين لتمنح البشرية حرف العين. هذا التجريد البصري تحور لاحقاً ليصبح أساس الحروف اليونانية واللاتينية والعربية التي نكتب بها اليوم (Albright 1966). 

إن الإثبات التاريخي لا يستقيم بنظرة مجتزأة، بل يتكامل حين تترابط الحلقات في أرض كنعان. وما عثور المنقبين على النقوش الكنعانية الأولية في مدن فلسطين القديمة إلا البرهان الساطع على أن تلك الكتابة كانت نبضاً سارياً في عروق الشعب الكنعاني الفلسطيني على أرضه. وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها في مدينة "لخيش" (تل الدوير) بجنوب فلسطين، والتي اعتبرت مختبراً حياً لولادة الحرف الإنساني وتطوره (Sass 1988). ففي ثنايا هذه المدينة الحصينة، عثر الأثريون على "خنجر لخيش البرونزي" بنقوشه المبكرة التي نزعت عن الأبجدية رداء الغربة الصحراوية، و"إبريق لخيش" الفخاري المزين بإهداء أحمر للآلهة الكنعانية، والذي يمثل حلقة الوصل المباشرة نحو الأبجدية الأنيقة المتطورة. ولم تكن هذه الكتابة حكراً على النخب؛ إذ كشفت الكسر الفخارية الإدارية عن شعب يستخدم الحرف في تجارته ويومياته، بل إن "المشط العاجي" المكتشف هناك، والذي يحمل دعاءً شعبياً لطرد قمل الشعر واللحية، يمثل أول جملة كنعانية كاملة عثر عليها في فلسطين، ليثبت أن الأبجدية كانت تلامس أدق تفاصيل الحياة اليومية للإنسان الكنعاني (Vainstub et al. 2022). 

وفي ختام القول، تظل الأبجدية الكنعانية الأولى حكاية شعب صاغ من ترابه هويته ومن فكره نوراً للعالم أجمع. إن اعتزاز فلسطين بجذورها الكنعانية ليس مجرد تمسك بالماضي، بل هو استناد إلى حقيقة تاريخية تؤكد أن أصحاب الحرف الأول هم أصحاب الأرض الأوائل. لقد قام الفلسطيني الكنعاني بأكبر عملية "ديمقراطية للمعرفة" في التاريخ حين حرر الكتابة من احتكار الكهنة والملوك وجعلها مشاعاً للبشرية، ليظل صدى تلك الحروف القديمة شاهداً حياً على أن الحضارة الإنسانية بدأت بكلمة خطتها يد كنعانية في قلب فلسطين.